يكتسب لقاء الرئيسين الروسي والأميركي الذي جرى يوم 8 تموز/ يوليو2017 على هامش قمة العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية اهتمامًا خاصًا، ليس لأنه اللقاء الأول بين الرجلين منذ أن تسلم ترامب مهماته في البيت الأبيض فحسب، بل لحجم القضايا العالقة بين الدولتين، والتوتر وانعدام الثقة والتزاحم الإستراتيجي، الذي يسم العلاقة بينهما في هذه المرحلة الحرجة.
على نحو غير متوقع، بل من دون مُقدّمات، أدلى الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون في الحادي والعشرين من حزيران/ يونيو الماضي، بتصريح صحافي قال فيه ما لا يتوافق مع الموقف الفرنسي المُعلن من القضية السورية، والنظام السوري تحديدًا، إن لم نقل يتناقض معه، وأثارت هذه التصريحات مخاوف السوريين المعارضين للنظام، وفتحت الأبواب أمام تفسيرات متعددة وإشكالية حول مدى صلة هذه التصريحات المفاجئة بالسياسة الفرنسية تجاه سورية في المدى المنظور.
دخلت معركة انتزاع السيطرة على مدينة الرقة مرحلة جديدة، إثر سيطرة (قوات سورية الديمقراطية) "قسد" المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، وبعد إحكام الطوق على مسلحي تنظيم "داعش"، حيث تخوض منذ 6 حزيران/ يونيو معارك داخل مدينة الرقة، في إطار حملة عسكرية واسعة بدأتها قبل نحو ثمانية أشهر. غير أن المواطنين السوريين، الذين فرّوا من ساحة القتال، يشعرون بالقلق مما قد تأتي به الأيام بعد المعركة.
أماط وصول ترامب إلى البيت الأبيض -في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2016- اللثام عن أزمة بنيوية فارقة في العلاقة الاستراتيجية بين أوروبا والولايات المتحدة وتحالفهما الراسخ، قد تُغيّر تلك الأزمة عميقًا في الاستراتيجيات الدولية والعلاقات التي استقر عليها العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذا لم يجر تطويقها أو إعادة ترتيب العلاقة وصوغها بما يتلاءم مع معطيات تَوزّع القوة والنفوذ في السياسات الدولية، التي أخذت بالتبلور بعد حوادث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر2001 وما تبعها، هذه الأزمة التي تراكمت ببطء، ليست على تلك الدرجة من التعقيد، وليست مثقلة بمرارات، لكنها مفصلية.
منذ بداية الثورة السورية كانت استراتيجية سلطة الأسد الاستبدادية لمواجهتها قائمة على التصعيد الممنهَج. هكذا قامت أجهزة الأمن التابعة للأسد باستفزاز جمهور الثورة عبر قتل أفراده (إن كان في التظاهرات أو المعتقلات...)، وقامت باختراق المحاولات الأولى للناس للدفاع عن أنفسهم، فصفّت القادة المنتَجين من رحم المعاناة، لتسهّل سيطرة قادة غير مؤهلين مكانهم (وبعض هؤلاء مخبروها)، وأطلقت سراح الإرهابيين لخلق التطرّف بينما اعتقلت قادة التظاهرات السلميين،  مستفيدة في ذلك كله من معرفتها بأن إيران وروسيا والصين يعدون سقوط حكم الأسد هزيمة كبيرة لهم، وبعد ذلك كله استغلّت الغضب والفوضى السائدين، لتدّعي أنه لا بديل عنها لحكم سورية.
أعلنت إيران عودة الإمبراطورية الفارسية، وقالت إنها سيدة العراق وأفغانستان واليمن وسورية والبحرين، ولم تتردد في تهديد العرب باستعدادها لسحقهم إن لم يرضخوا لـ (إيوان) كسرى الجديد، هذه الصراحة الإيرانية أكّدت -من دون مواربة- البعد القومي الفارسي للمشروع الإيراني، وفسّرت الإصرار الإيراني على التدخّل في شؤون دول الجوار لتخريبها طوال عقود.
خلال زمن طويل من الصراع في سورية اجتهد حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الاسم الذي يطلقه "حزب العمال الكردي/ التركي" على نفسه في سورية، في خدمة النظام السوري، والأطراف الخارجية الفاعلة، إذا كان ثمة أجر مناسب. وكان يلعب كالبهلوان على الحبال بين الأطراف المتناقضة التي يحصل على أجر منها، بحيث لا يضع نفسه عدوًّا لأحدها.
المتابع للوضع السوري منذ بداية الثورة، وبمراحل الصراع المتعددة، يلاحظ أن الثابت الوحيد عند معظم الأطراف الخارجية المتصارعة على سورية هو رفض حصول الشعب السوري على حريته وسيادته على مصيره؛ يتبدى ذلك عبر دعمها لقوى استبدادية جديدة، واتفاقها ميدانيًا على سحق الجيش الحر منذ بداية تشكله
حرمون
لا يبدو أن هناك أحدًا من العاملين في الحقل السياسي المعارض في سورية، أو الناشطين في القوى والأحزاب والتيارات جميعها، وعلى اختلافها، وفي أوساط المهتمين بالشأن العام أيضًا، يُجادل في ضرورة مراجعة عمل هذه القوى والأحزاب التي نشطت منذ أطلق السوريون ثورتهم في آذار/ مارس 2011، طلبًا للحرية والكرامة في مواجهة الاستبداد، وحتى الآن، مراجعةً جدّية وشاملة.
حمّل وزير الخارجية الألماني “سيغمار غابرييل”، الرئيس الأميركي المسؤولية عن الأزمة بين دول الخليج العربي. ومثل هذا الربط بين تصعيد الأزمات وبين “دونالد ترامب” أصبح شائعًا في عالم السياسة، ومن يقوم به سيجد كثيرًا من المؤشرات تدعمه، وهو ما يعني أن الإدارة الأميركية الحالية وصلت إلى حدود غير مسبوقة من سابقاتها في تهديد الحياة البشرية، وهو ما نتج عن وقوف شعبوي عدواني على رأس أقوى إمبراطورية على مر العصور، في الوقت الذي تتحالف قبالتها طغم عدوانية بدورها (الحكم في روسيا وايران، وما تبقى من سلطة الأسد)؛ وهي صيغة حروب لا تنتهي.