ارتكبت المعارضة السورية أخطاء كثيرة، قد تُحصى بصعوبة، وفي الغالب لن تُحصى، ارتبكت في البداية لقلّة خبرتها، وربما لتَفاجُئها، وتعثّرت في قيادة الثورة الشعبية؛ وفشلت، انقسمت بشأن التحوّل للسلاح؛ وتورطت
تنتظر المعارضة السياسية السورية أن تُنفّذ روسيا وعودها، وأن تضمن هدنة لا يُعرف ما بعدها، وتنتظر كذلك أن يستلم دونالد ترامب مقاليد الحكم، وتأمل أن ينظر إليها بعين العطف، وتتمنى في الوقت نفسه أن لا تخذلها تركيا، وتتطلع لصحوة ضمير دولية
باتت المطالبة بحرية التعبير والإبداع وممارسة الحقوق السياسية والثقافية، حقًا مشروعًا وجوهريًا -لا بد منه- في أي مجتمع يتطلع إلى الحداثة والتنمية والازدهار. فمن أجلها قامت مئات، إن لم نقل آلاف الثورات عبر التاريخ، وفي سبيلها سالت دماء الملايين من عشاقها والمكافحين من أجلها
قبل خمسة أشهر انطلقنا، وسطرنا أولى كلماتنا في صحيفة (جيرون)، ووعدنا أن نكون مختلفين قدر الإمكان، واقعيين صادقين مهنيين ومباشرين قدر الإمكان، وتعهدنا بأن نبذل جهدنا؛ لتقديم ما يستحقه السوريون
قبل أن يودعنا هذا العام بيومين، جرى الاتفاق على وقف إطلاق النار في سورية، الراعي روسي وتركي، والذين عليهم أن يُنفّذوه عديدون، والمراقبون كُثر، ويأمل ملايين السوريين أن يصمد، لا أن يكون حُلّبيًا كالعشرات من الاتفاقات التي سبقته. الضامن لهذا الاتفاق روسي وتركي أيضًا، كلٌ سيفرض على الأطراف التي يدعمها احترامه، والامتناع عن خرقه، لكن المخاوف ستبقى قائمة، ومشروعة، حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الأسود، خاصة بوجود أطراف مارقة في سورية، ولا نعني -هنا- تنظيم الدولة الإسلامية وحسب. من المُرجّح أن تلتزم المعارضة السورية المُسلّحة بالاتفاق، بغض النظر عن أيديولوجيتها؛ لأن وقف إطلاق النار من مصلحتها في مواجهة ضُعفها وتفرّقها، ومن مصلحة الثورة التي "يُفترض" أن المعارضة تُقاتل من أجلها، هذا إذا لم نتطرق إلى التركي الذي يمكنه أن يحشرها في زاوية مُزعجة، إن لم تستجب لمتطلبات الاتفاق. أما النظام، وعلى الرغم من أنه لم يحترم أي اتفاقية خلال السنوات الست الأخيرة، سياسية أو عسكرية أو إنسانية، وخرّب كل المبادرات، وتهرّب منها و"أغرقها بالتفاصيل"، وشوّهها والتفّ عليها، وكذب ووارب، إلا أنه -في الغالب- لن يستطيع خرق الاتفاق علنًا هذه المرة، ذلك؛ لأن الروس أمسكوا لجامه، وسيكون السوط جاهزًا لردعه، هذا إن افترضنا أن الروس جادّون في ما أعلنوه. إن إيران وأذرعها هي التي ستسعى بجميع الوسائل لتخريب الاتفاق، سرًا وعلانية، فلا ماء وجه لديها لتحفظه، ولا يؤتمن جانبها؛ فتاريخها غير مُشرّف منذ ثورتها، تحالفت مع طالبان، واحتضنت القاعدة، واستضافت زعماءها في طهران، وجنّدت أحزاب الله "الإرهابية" في الشرق الأوسط، وامتطت الحوثيين، وتحالفت مع مافيات السلاح والمخدرات وغاسلي الأموال عبر العالم، ودمّرت عراق الرشيد، وحوّلت شباب الشيعة إلى ميليشيات ومرتزقة، وخرّبت لبنان، وشوّهت حاضره ومستقبله براياتها الصُّفر، وهي المستعدة لفعل أي شيء "بهيمي" لتستمر الحرب السورية. واهم من يعتقد أن إيران براغماتية، أو أنها مرنةٌ ومطواعة، وقادرة على الميل مع الريح، وواهم من يعتقد أن زعماءها، الروحيين والسياسيين والعسكريين، استراتيجيون مَهرة، يعرفون متى يهمزون خيلهم ومتى يكبحونها، أو أنهم سيقبلون وقف الحرب السورية، أو العراقية، أو اليمنية؛ لأنها -في الحقيقة- السبب الوحيد لبقائهم، وبقاء نظام شمولي ديني قومي طائفي مذهبي باطني فاسد. عينكم على إيران، وعينكم على المارقين من مرتزقتها في سورية، أحزاب الله وأحزاب "آل البيت" التي استباحت سورية وحرماتها، فوحدهم قادرون على تخريب كل اتفاق، ووحدهم المتمسكون بالنظام وزبانيته حتى الرمق الأخير، وسيحاولون التغطية على انتهاكاته، وافتعال الأحداث وتركيبها، واختراع الحجج وتأليفها، وهم القادرون على تزيين القبح في هذا الزمن الأسود.
كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن "إعلان موسكو"، و"مؤتمر أستانة" الذي نتج منه، وذهب كثيرون بعيدًا في التحليل والتركيب، والجزم بأهمية هذا المؤتمر، وبأنه "سيُخرِج الزير من البير"
الثقافة لا تستطيع أن تكون "شريرة أو بشعة"، وهي -قبل ذلك- لا يمكنها أن تكون فئوية أو عنصرية أو نازية أو طائفية أو صهيونية! بل منحازة -بالضرورة- للجمال والحياة الكريمة والقيم العليا للبشرية
وأخيرًا... بشّرنا الروس، بأنهم وجدوا حلًا لنهاية المقتلة السورية، وأعلنوا على الملأ أنهم "مقتنعون" بأنه لا وجود لحل عسكري للأزمة السورية! كما بشّرنا الإيرانيون بأنهم يريدون "دولة ديمقراطية علمانية" في سورية، لا، بل ودولة "متعددة الأعراق والأديان"!
بعد سقوط حلب بيد البرابرة، لفت النظر عُلوّ صوت "قادة" في المعارضة السورية، يندبون حظ السوريين ويلعنون ويعتذرون عن عدم قدرتهم على فعل شيء، وتحدّثوا عن "الشعب الأبي"، و"الثورة الماجدة"، وطالبوا بالمحاسبة وتصحيح المسار، وانتقدوا الكيانات المعارضة، الذين هم من صلبها، وشاركوا في رسم سياساتها، وتأطير عملها، وكانوا سببًا في استمرار وجودها على هذه الشاكلة
هل كان وضعنا الداخلي المتردي هو السبب، أم المؤامرة الكونية (الاستعمار والإمبريالية والصهيونية العالمية...)؟ هل كنا نحن أعداء أنفسنا حقًا، أم العوامل الخارجية هي الوحيدة المسؤولة عما حدث ويحدث لنا؟ قدر مكتوب أم تكفير عن ذنوب ارتكبناها عبر تاريخنا المجيد، أم شِدّة ابتلانا الله بها عقابًا لنا على ما اقترفناه من عصيان وكفران؟