عبر التاريخ الذي نعرفه؛ لم يُهجّر فنان مع جمهوره إلى خارج بلاده! حدث هذا فقط للفن السوري المعاصر جدًا (مسرح سينما تشكيل موسيقى....) ما حدث هذا مع إبسن النروجي ولا بيكاسو الإسباني ولا بريخت الألماني ولا تركوفسكي الروسي ولا ناظم حكمت التركي ولا حتى المتنبي العربي
إن نجح الروس في تمرير "نزوتهم"، سيذهب رهط من السوريين إلى جنيف، الرابع في ترتيبه، بعضهم يُمثّل النظام، وبعضهم يُمثّل "المعارضات" السورية الكثيرة، وشبه المعارضات، شبابًا وعجائز، من أيديولوجيات مختلفة، وولاءات متناثرة
بالأمس، أُطلقت في العاصمة اللبنانية "الكتلة الوطنية السورية"، وهي تضم أحزابًا مغمورة تضم "معارضين" مغمورين -أو من في حكمهم- كان هممهم أن يقولوا إن الحرب ضد لنظام قد انتهت
التواصل الإبداعي والسياسي والحزبي وغيره من أشكال النشاط البشري، مشروط بوجود عوامل كثيرة أهمها -على اﻹطلاق- وجود قطبين أساسين ندين، هما المرسل والمتلقي (شعب/ سلطة، إبداع/ جمهور، منتج مستهلك) اللذين لا يمكن أن يحدث التفاعل بغياب أحدهما!
قبل أيام، هدّد المبعوث الأممي ستيفان دي مستورا بأنه سيشكل -بنفسه- وفد المعارضة السورية المُفاوض في مؤتمر جنيف المُرتقب، إذا تعذّر على المعارضة تشكيل وفد موحّد وموسّع، وترافق ذلك مع تصريحات روسية تؤكد أن وفد مؤتمر جنيف سيكون مختلفًا عن الوفود السابقة، وتشدد على ضرورة أن يكون فيه أوسع تمثيل للسوريين
أخيرًا، تعطّف الروس على السوريين، وفضّلوا عليهم، وقدّموا لهم دستورًا، صنعوه في الكرملين، أو ربما في "اللوبيانكا"، كتبوه بالروسية أولًا، ثم تُرجم إلى العربية، معتقدين أنّهم بتقديمهم هذه "الهِبة" يكونون قد أوصلوا السوريين إلى آخر فصول مذبحتهم
"تمخض الجبل فأنجب فأرًا"، مَثَلٌ لطالما رددته أجيال؛ للتدليل على النتيجة التافهة القاصرة الجوفاء لفعل يقوم به كثير الكلام والادعاء، ويبدو أن السوريين سيكررونه طويلًا، خاصة بوجود دول "ضامنة" و"راعية" لسلامِهم كتلك التي اجتمعت في آستانا
بعد أيام سيُعقد مؤتمر آستانا، الغامض والمرتبك، بأهدافه السرية، وبرنامجه المجهول، وضماناته الخلّبية، وستُشارك فيه "المعارضة السورية المسلّحة"، مُمثَّلة بعدة فصائل عسكرية إسلامية، جرى اختيارها بـ "الفرازة"، يشاركهم "للديكور" بعض السياسيين بصفتهم الشخصية
ارتكبت المعارضة السورية أخطاء كثيرة، قد تُحصى بصعوبة، وفي الغالب لن تُحصى، ارتبكت في البداية لقلّة خبرتها، وربما لتَفاجُئها، وتعثّرت في قيادة الثورة الشعبية؛ وفشلت، انقسمت بشأن التحوّل للسلاح؛ وتورطت
تنتظر المعارضة السياسية السورية أن تُنفّذ روسيا وعودها، وأن تضمن هدنة لا يُعرف ما بعدها، وتنتظر كذلك أن يستلم دونالد ترامب مقاليد الحكم، وتأمل أن ينظر إليها بعين العطف، وتتمنى في الوقت نفسه أن لا تخذلها تركيا، وتتطلع لصحوة ضمير دولية