تحديات جديدة أمام المعارضة السورية

ثمة تغيرات ومعطيات وتحديات جديدة ومختلفة، في الصراع السوري، إنْ على الصعيد الميداني وخريطة القوى الفاعلة على الأرض، أو في ما يخص تفاعلات وتحولات مواقف القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في هذا الصراع؛ ويفترض بالمعارضة السورية، بكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، إدراك تلك الأمور، ووضع استراتيجية جديدة ملائمة للتعاطي معها، والرد عليها أو تفويت استهدافاتها، أو تقليل الأثمان الناجمة عنها.

بكلام أكثر تحديدًا: لا يمكن للمعارضة، أولًا، أن تتصرّف على النحو الذي سارت عليه في السنوات الماضية؛ لأنه أدى إلى استنزاف قواها، وتآكل صدقيتها، وتوسيع الفجوة بينها وبين مجتمعات السوريين، في الداخل والخارج. ثانيًا، لا يمكن للمعارضة أن تتصرّف، وكأن شيئًا لم يحصل، وكأننا ما زلنا عند صيف العام 2012، مثلًا؛ إذ إن النظام، بمساعدة حلفائه وبتراجع دور القوى الداعمة للمعارضة، استطاع استعادة مساحة كبيرة من الأراضي التي خرجت عن سيطرته، في حين تكشّف وضع المعارضة عن حالة ضعف وتشرذم، وفوق هذين، عن ارتهان أو انضباط لهذه الدولة ولتلك، أي لتوظيفاتها، وأدوارها أو سياساتها الإقليمية، على حساب مصالح السوريين وحقوقهم، وسلامة مسار ثورتهم.

المعنى من ذلك أنّ على المعارضة أن تتفحصَ المعطيات والتحديات والتغيرات الجديدة، وأن تقدّم إجابات عليها، وأن تذهب نحو صوغ استراتيجية واضحة لها، على خلفية كل ذلك، بدلًا من ترك الأمر للمزاجية والتشاطر والمراهنة على الخارج، وبدلًا من الدخول في مغامرات غير محسوبة، بالاستفادة من التجربة المريرة للسنوات الماضية.

مثلًا، لا أحد يستطيع اليوم أن يتحدث عن دعم دولي، وبخاصة أميركي، للثورة السورية؛ إذ إن حدود الموقف الدولي المساند للسوريين اليوم لا يتعدى سقف القرار 2254، القاضي بإقامة حكومة انتقالية، تؤدي إلى إنهاء حكم نظام الأسد، والخلاف هنا يدور حول زمان حصول ذلك: أفي بداية المرحلة الانتقالية أم في نهايتها؟ علمًا أن هذا الموقف يستنكف عن تقديم الدعم العسكري لفصائل المعارضة، إلا في حدود إبقائها حيث هي، كما يستنكف عن فرض حماية جوية أو مناطق آمنة لهم.

أيضًا، لا أحد يستطيع اليوم أن يتحدث عن بقاء الموقف التركي على حاله من الثورة السورية، إذ ثمة تغير في هذا الموقف، بغض النظر عن أسبابه ودواعيه، وحاجة تركيا إليه؛ لأننا هنا نتحدث عن مصلحة الشعب السوري. ويستنتج أن هذا الموقف يعني ضبط الصراع العسكري، أو تخفيف حدته، أو تحديد جغرافيته، وفق حاجة تركيا؛ الأمر الذي يفترض أن المعارضة، وبخاصة الفصائل العسكرية، تدركه جيدًا، ولا سيما بعد فتح مسار مفاوضات أستانا، على حساب مفاوضات جنيف (مطلع هذا العام)، والاضطراب الذي صاحب موقف الهيئة العليا للمفاوضات وموقف الائتلاف الوطني؛ ما أدى فيما بعد إلى الرضوخ لهذا المسار، من دون تقديم أي تبرير للاضطراب الحاصل.

على صعيد آخر، إن معطيات الحرب ضد الإرهاب، وتحديدًا إخراج (داعش) ثم “جبهة النصرة”، من معادلات الصراع السوري، ستؤدي إلى خلق واقع جديد، بعد أن انتهت الحاجة إلى هذين الكيانين، حيث باتت المعارضة وجهًا لوجه أمام النظام الذي استثمر في الحرب ضد الإرهاب، واستثمر في ضبابية موقف بعض أوساط المعارضة من “جبهة النصرة” المحسوبة على تنظيم القاعدة؛ ما أضر بالسوريين وبصدقية ثورتهم. وكما شهدنا، فإن معظم كيانات المعارضة لم تميز نفسها عن “النصرة”، ولم تتبرأ منها في الوقت المناسب، على الرغم من أن “جبهة النصرة” لم تحسب نفسها يومًا على المعارضة، بل خاصمتها وعادتها، ونكلت بالناشطين السياسيين وبجماعات الحر. والأنكى من ذلك أن خطابات المعارضة بدت وكأنها ابتعدت عن مقاصد الثورة السورية المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، في حين جاملت خطابات الجماعات الإسلامية المتطرفة والمتعصبة؛ الأمر الذي يفترض استعادة الخطابات الأساسية للثورة، باعتبارها تمثل كل السوريين أو معظمهم، بغض النظر عن هوياتهم الدينية والمذهبية والإثنية، وباعتبارها ثورة ضد الاستبداد، مهما كانت هويته، دينية أو علمانية.

ثمة مسألة أساسية، أيضًا، يفترض بالمعارضة ملاحظتها، بعد أن سكتت عنها أو تجاهلتها، وهي المسألة الكردية في سورية. فمن غير اللائق بثورةٍ قامت من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، أن تتجاهل هذه المسألة، أو أن تعدّها أمرًا ثانويًا، أو تبرر ذلك باعتبار أن الديمقراطية هي الحل. والحال أن الحرية والعدالة والكرامة لا تتجزأ، لأي اعتبار لا ديني ولا إثني؛ هذا أولًا. ثانيًا، إن المسألة الكردية ليست مسألة حقوق فردية فحسب، إنها تتعلق بشعب تم محو أو طمس هويته، وتم حرمانه من حقوقه كشعب، أي أن الأمر يتعلق بحقوق فردية وجمعية. ثالثًا، إن تجاهل المسألة الكردية هو امتداد لموقف النظام الاستبدادي، كما أنه ناجم عن الرضوخ لمصالح خارجية (تركية أساسًا)، وهو الأمر الذي ينبغي تداركه؛ لأن الحديث هنا يتعلق بسورية المستقبل، وباعتبار سورية لكل السوريين، عربًا وأكرادًا وتركمانًا.. إلخ. رابعًا، لدينا اليومَ واقعٌ يتمثل بسيطرة قوات (قسد) التي تتبع حزب (ب ي د) -أكبر الأحزاب الكردية السورية- على خُمس الأراضي السورية، ومن غير المعقول أن تبقى المعارضة مصرّة على عنادها في تجاهل هذه القوة، أو هذا المتغير.

ثمة كثير من الأمور تؤكد أن الصراع السوري دخل مرحلة جديدة، ويفترض بالمعارضة أن تدرك ذلك، وأن تشتغل على أساسه، وذلك مرهون بالأفعال وليس بالأقوال فقط، وضمن ذلك مراجعتها لطريقها، ونقد ذاتها، وإعادة بناء أحوالها على أسس جديدة وطنية وديمقراطية ومؤسسية وتمثيلية، ومن دون ذلك؛ سنبقى نراوح في المربع ذاته.