“غوبلزيو” الأسد

يتناسى قطاع عريض من محور الممانعة، وأتباع نظام بشار الأسد، أنّ الأخير كان، قبل الخامس عشر من آذار/ مارس 2011، يبسط سيطرته على كامل الجغرافيا السورية، سيطرة امتدت إلى كل زوايا المجتمع والدولة. هؤلاء المتناسون عاشوا في بداية الثورة على نغمة “ما في شي” بدرعا وحمص، حتى أصبح الإنكار سائدًا في مسلمات عدة، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة لفعل الاشتباك المباشر مع النظام على 75 بالمئة، مما كان يُسيطر عليه في عموم الجغرافيا السورية؛ فانتقل الخطاب من حالة الإنكار إلى ترديد عبارة “خلصت”، وأن النظام يقوم بإعادة السيطرة على ما فقد.

كثيرون امتطوا شاشات الممانعة، قبل خمسة أعوام، لتعبيد الطريق إلى قاسيون، “بمئات الآلاف”؛ لإقامة الحفل الانتصاري على المؤامرة، وروّج حينذاك “غوبلزيو” الأسد خطابات كانت تودي إلى الكارثة، لكن الإنكار كان يفعل فعلَه، وانتهى إلى ما انتهت إليه سورية من كوارث وأهوال، كانت جنائز ضحايا القتل المباشر تُقام في الأماكن البعيدة عن العاصمة وفي محيطها، وكان جمهور النظام يُساق من المؤسسات والدوائر الرسمية، إلى ساحات العباسيين والأمويين وسعد الله الجابري؛ للاحتفاء بالقاتل. كان الحثالة يرقصون فرحًا بصورة “القائد”، ويبغضون صورة الضحية ويُنكرونها، مع أن جهاز دعاية نظامهم يقول: إنهم ضحايا بفعل “المندسين”، لكنهم لا يستحقون وقفة عزاء، بل رقصًا على جثث ضحايا، ظلّوا في خانة الإنكار الأخلاقي والإنساني المفقود من صدور المحتفين.

“غوبلزيو” الأسد، من مثقفين ونخب سياسية وحزبية وحتى اجتماعية، يرددون عبارة “خلصت”، منذ ستة أعوام. اليوم تقفز أوهام هؤلاء على واقعٍ، يمكن القول إنه أصبح أكثر من كارثي، لكن المقصود، عند “غوبلزيي” الممانعة، أن الأسد باق إلى حين وصول دباباته وعصاباته إلى آخر نقطة فقد السيطرة عليها.

إذن، وعلى خلفية اللوحة الدموية التي ترك أثرها فعل الأسد “المُسيطر وقتها”، والفاقد للسيطرة حتى الأبد، يتكرر المشهد الهابط لـ “غوبلزييه”، في رواية “خلصت” والانتصار على المؤامرة الكونية، إلى جانب هذه اللوحة التي استمرت من دون توقف لالتقاط بعض العِبر والدروس، يجري شحن الأدمغة، لتتجه بصورة مشينة ومخجلة تجاه مناصري السفاح.

فعلى أيّ أساس يُؤسس “غوبلزيو” الأسد سيطرته، دون تلك العسكرية والفاشية التي أتت على كل ركن من سورية وشعبها! هل إظهار حفلات الشواء ومواكب المتنزهين والمتسوّقين، على شاشة النظام الإعلامية، يفي بغرض النظام؟ بالتأكيد لا، فحملات وحفلات الكذب وتضخيم الأوهام أظهرت بؤس الـ “غوبلزيين”، ويكفي استعادة كل الإطلالات الإعلامية والتصريحات التي تدل على قراءة أحادية لطاغيةٍ، يُوزع شهادات وطنية ولا وطنية على معظم الشعب السوري، بينما شهادته مُلطخة بكل حائط الدم شبه اليومي.

خمسة عقود، من السيطرة الفعلية لنظام الأسد على سورية، انتهت عمليًا وأخلاقيًا. كل الأسس التي يُعاد البناء عليها من مناهل تُعيد تدريجيًا ما كان يُسمى “سورية الأسد”، لمصلحة بدائل “الإرهاب”، هي أسس غربيّة وأميركية وإسرائيلية، وعليه يبدو أنّ تعطيل الثورة السورية والتحوّل الديمقراطي سيبقى حبيس هذه الأسس، لكنها تبقى قراءة قاصرة لشعب أعطى أمثولة في التضحية والصمود في وجه أعتى طاغية، في القرن الحادي والعشرين، ويراد منه وله أن يذوب من جديد في أسيد الأسد، ويطير من سارين غازه.

على مدار تلك العقود، كانت في “سورية الأسد”، كل يوم وكل ساعة، ملايين الأسباب التي تستدعي قيام ثورة على طاغيةٍ، اغتصب السلطة والمجتمع والجغرافيا بملايين الجرائم، فما بالنا اليوم، وقد وصلت جرائمه ذُراها! فما نفع السيطرة التي قامت عليها كل أسباب الثورة التي ستبقى قائمة مع كل تلميحة إلى “أبد” الأسد، ومحاولة الإفلات من العقاب على كل الجرائم.

“خِلصتْ”، بالنسبة إلى عموم السوريين، تكون بكنس الطاغية والخلاص من الاستبداد، وبناء دولة المواطنة التي يُنشدونها، ودون هذا الخلاص، ستبقى لعلعة “غوبلزيي” الأسد تطحن هواء الأوهام.