من يُقيّم أداء المعارضة السورية؟

يسعى النظام السوري مؤخرًا إلى تسويق نفسه كـ “منتصر”، بعد انحسار حدّة العمليات العسكرية على عدد كبير من الجبهات، وتهدئة الجبهة الجنوبية على إيقاع الاتفاق الروسي الأمريكي، وانخراطِ عدد مهم من الفصائل، في اتفاقية “خفض التصعيد”، وتحوّلِ “الحرب على الإرهاب” إلى العنوان الأبرز في ما تبقى من عمليات، خصوصًا في الرقة ودير الزور؛ وهو ما جعل النظام يعيد توجيه خطابه الإعلامي نحو مرحلة جديدة، قوامها “الانتصار”، و”إعادة الإعمار”.

ومهما كان من أمر النظام في مسعاه، وقدرته على النجاح في تقديم نفسه كـ “منتصر”، فإنّ المعارضة، في المقابل، تبدو -على اختلاف أطيافها ومواقعها- في حالة هروب إلى الأمام، لتحاشي الاعتراف بحالات الإخفاق المتعددة التي طالت برامجها، وآليات عملها، في موقف يبدو إنكاريًا، ولا ينسجم -أو لا ينبغي له أن ينسجم- مع الضرورات الوطنية الكبرى، في لحظة تاريخية بالغة التعقيد، من تاريخ الوطن السوري، كما لا ينسجم ذلك الموقف الإنكاري مع المهام التي ينبغي على المعارضات الوطنية أن تأخذها على عاتقها، مهما كانت الوقائع مخيبة للآمال.

تعي كل الأطراف المنخرطة في المسألة السورية، الخارجية والداخلية، ومنها المعارضة السورية، أن سقوط حلب في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، هو بداية لمرحلة جديدة في الصراع السوري، وأن سقوط حلب هو انتصار للقوات الروسية، ولعناد موسكو في سياساتها تجاه المسألة السورية، وقدرتها على دفع اللاعب التركي إلى بناء تفاهمات معها، وتسهيل مهمة القوات الروسية في تغيير مجرى الصراع العسكري؛ وبالتالي مفاعيله السياسية.

كان واضحًا أن موسكو قد حصدت ثمن الانقلاب التركي الفاشل على أردوغان، في 15 يوليو/ تموز 2016، وأن أردوغان بحاجة ماسة إلى تقليص مساحة التناقضات في سياساته الخارجية، والاكتفاء بعنصر رئيس في الصراع السوري، وهو خطر قيام حُكم كردي ذاتي، في الشمال السوري، وقد تطّلب الاتفاق مع الروس، وعودة العلاقات بين الطرفين، أن تسهّل تركيا لروسيا بسط نفوذها على الملف السوري، وهو ما حدث لاحقًا، عبر فرض الرؤية الروسية على جميع اللاعبين السوريين.

لقد وضع “الائتلاف الوطني” معظمَ أوراقه بيد أنقرة، منذ نشأته في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، وممارسة عمله من الأراضي التركية، كاستمرار لسياسة سلفه “المجلس الوطني”، وخلال السنوات الممتدة من 2012 ولغاية 2016، كان رهينة لمواقف أنقرة بالدرجة الأولى، ليس فقط من الملف السوري، ولطريقة إدارتها الصراع، وفقًا لمصالحها، بل أيضًا لمواقف أنقرة من الأطراف المنخرطة في الصراع، ومنها -على سبيل المثال لا الحصر- الموقف من حزب “الاتحاد الديمقراطي الكردستاني”، والموقف من موسكو، كما ترك “الائتلاف الوطني” ترتيبات الساحة العسكرية بيد تركيا.

في مناسبات عديدة، رفض “الائتلاف الوطني”، عبر خطاب إقصائي، أي تقارب مع قوى المعارضة الأخرى، بل انتهج سلوكًا عدائيًا تجاهها، مقلّلًا من شأنها، ومن رؤيتها للصراع، أو من حجمها، أو من الدور الذي يمكن أن تلعبه، في صراع وطني معقد، ولئن كان لهذا الأمر عدد من الأسباب، بعضها بنيوي (يعود إلى التكوّن التاريخي للقوى المنخرطة في الائتلاف، وفي مقدمتها الإخوان المسلمين، وحزب الشعب)، إلا أن النتائج التي أفضى إليها ذلك الخطاب الإقصائي، والسلوك العملي، كانت كارثية على مجمل قوى المعارضة، وعلى رأسها “الائتلاف الوطني” نفسه.

إن استعادة سلوك الفصيل الأبرز في المعارضة السورية، أي “الائتلاف الوطني”، مسألةٌ ضرورية في سياق الحاجة إلى قراءة المآلات التي وصل إليها العمل المعارض، ومدى إخفاقه في إدارة الصراع الوطني، بل إسهامه في سحب الصراع الوطني من سياقه، وتهميشه لمصلحة صراع الأمم، واشتقاق الشرعية السياسية من الخارج، عوضًا عن تعظيم مقومات الشرعية الوطنية، وتمّ ذلك تحت حجة واهية، وهي أن إسقاط النظام غير ممكن إلا عبر الاستناد إلى دعم الخارج، من دون التدقيق في تقلّبات المصالح الخارجية، أو نتائج الاعتماد الكلي على الخارج، في سياق صراع وطني طويل.

الخلل البنيوي، في عمل “الائتلاف الوطني”، ليس صفة خاصّة به وحده، فقد عانت قوى معارضة أخرى من خلل بنيوي في قراءتها وأدوات عملها، مع الانتباه إلى أن تعميم صفة الخلل البنيوي على كل قوى المعارضة لا تضعها -ولا ينبغي لها أن تضعها- أمام مسؤوليات متساوية في تقييم إخفاق المعارضة، فما توفّر من إمكانات سياسية ومالية وإعلامية، لكيان سياسي مثل “الائتلاف الوطني”، لم يتوفّر لغيره من قوى المعارضة السورية.

إن مشهد المعارضات السورية اليوم هو في أسوأ حالاته، خصوصًا أن معظمها أصبح محسوبًا على هذه الدولة أو تلك، وهي لا تمتلك قدرة مناقشة قضاياها، بعيدًا عن مرجعيتها الإقليمية والدولية، خصوصًا مع تداعي الرصيد الشعبي لكل قوى المعارضة، وتحوّلها إلى رأس من دون جسد، في ظل حالة إحباط عامة لدى السوريين من واقعهم ومستقبلهم، وهي الحالة التي استثمر -وما يزال- النظام فيها، من أجل تفنيد وجود البدائل.

مأزق الصراع الوطني السوري، بما وصل إليه من نتائج كارثية، لا يمكن الخروج منه، وتجنّب ما يترتب عليه من نتائج لها صفة الديمومة على مدى طويل، من دون مراجعة جدية للسنوات الست الماضية؛ ولذا فإن من الأهمية بمكان إحداث مراجعة وتقييم لأداء المعارضات السورية. والسؤال الذي يطرح نفسه، أمام الاعتراف بضرورة مثل هذا التقييم الضروري والعاجل، هو: من سيتصدى لهذه المهمة؟