التعايش السلمي حلّ أم وهم

داخل الأمواج المتلاطمة للصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، تستقطب الشارعَ العربي خطابات متنوعة، لها إيقاعها الذي يداعب شعور الإنسان بالاستقرار الاجتماعي والأمن والأمان، كحقّ طبيعي لكافة البشر، ومن ضمنها “التعايش الأهلي، والعيش المشترك، وقبول الآخر”، وبقدر ما تمثّله هذه الخطابات من صورة مثالية عن احتمال التأسيس لمجتمعات مستقرّة يسودها الوفاق، توحي بوجود مشكلة لم يتمّ علاجها وتجاوزها.

شكّلت الدعوات للتعايش السلمي بين الأديان، وتشجيع لغة الحوار والتعاون بين الأمم المختلفة، جزءًا أساسيًا من أطروحات احترام التعددية الدينية والفكرية، والاعتراف الإيجابي بالآخر، وذلك في إطار السعي لبناء حضارة اجتماعية تعمل لخير البشرية، إلا أنها لم ترقَ بعد إلى مرحلة التأصيل على مستوى الأفراد والمجتمعات العربية، خصوصًا أنها لا تتعدى عند البعض أكثر من تبادل التهاني في المناسبات الدينية، وتجاور الكنيسة مع المسجد مع الحسينية، وهو ما تنطبق عليها المقولة الشعبية “صدق نصف ما تراه، ولا تصدق كل ما تسمع”؛ لكونها لا تتجاوز مشهدًا بصريًا جذّابًا يرافقه استمرار الكارثة، فاستخدام القشور لتغطية المشكلات في حالة الدول العربية الممتلئة بكافة عناصر الانفجار، بدلًا من صياغة الحلول الجذرية للمشكلات، حوّل المجتمعات العربية إلى براكين خامدة، سرعان ما تثور نيرانها عند أول اختبار للقدرة على مواجهة الأزمات النوعية الحادة، وهو ما شقّ مساره  في التجارب المختلفة للعديد من البلدان العربية التي فقدت سلمها الأهلي، ودخلت مسارات الفوضى.

تعدُّ التجربة اللبنانية، بصيغتها الطائفية منذ 1975 واتفاقياتها كاتفاقية الطائف 1989 والدوحة 2008، النموذجَ الأوضح على بؤس هذا الطرح؛ فالتعايش الذي يقوده منظّرو الطوائف يحمل في داخله عوامل الانفجار، وتستدعيه تجليات “الغبن والتهميش والحرمان والقهر” التي ترفعها كل طائفة في السلم والحرب، وتتجاذبه التأثيرات الخارجية المتنوعة، لتنكشف فيها هشاشة التعايش وتلاعب الأقوياء، مع كل أزمة، لفرض تعديلات على الدستور تلائم مصالحهم، في ظل نظام تتناوب الطوائف على وضعه تحت وصايتها، ودائمًا القوة والطائفة هي الجهة الحاسمة في تقرير سياسة الدولة وتوازنات المصالح. وتأتي تجربة العراق، بعد الغزو الأميركي وسقوط نظام صدام حسين 2003 والتدخل الإيراني المباشر فيه، لتؤكد إمكانية انتزاع مبدأ الأخوّة والتعايش، وجعل الاقتتال الطائفي والقبلي والإثني والمناطقي طاغيًا على الجغرافيا العراقية، وفي ليبيا واليمن، مهّد التطرف والإرهاب الطريق لمسار دامٍ من الاقتتال، لم تُعرف نهايته بعد. وفي سورية، لم تصمد فكرة التعايش التي حاولت تسويقها السلطة الديكتاتورية بوجه الحرب، في ظل غياب التأسيس الصحيح لثقافة احترام الآخر وحقّه بالوجود؛ لتصبح المفاهيم الذاتية للانتماء -دينيًا كان أو إثنيًا- وأضيفَ إليها انتماء آخر سياسي، فرضته الحرب “موال أو معارض”، هي المفاهيم الحاكمة والسائدة. ومع تنوّع وتعدّد الأطراف المنخرطة في النزاع المسلّح -داخليًا وخارجيًا- والتي تستهدف المدنيين، تعززت ظاهرة الإفلات من العقاب، وتم تحجيم العدالة، وباتت المطالبة بتحقيق العدالة وبمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، كخطوة باتجاه تحقيق سلم أهلي فعلي، أقلّ شأنًا من مطالب تحقيق السلام، أما البلدان الأخرى التي تبدو الآن ساكنة، فهي ليست خالية من عناصر تشي بانفجار محتمل، بطرق وأسس مختلفة تؤهّلها لتلقى المصير نفسه.

هذه التجارب -على اختلافها- تشير إلى أن التعايش السلمي هو مجرّد خطاب طويل لملء الفراغ، وأنه ما زال بعيدًا عن حيّز التطبيق في كافة الدول العربية، فالتأسيس الصحيح لفكرة التعايش يقوم بنيانه الحقيقي على إقرار الجميع بالحفاظ على سلام دائم، ورفض كافة أشكال الاقتتال ومبرراتها ودعواتها بين مختلف مكونات المجتمع، ويتطلب العمل على خلق وعي جديد بالتنوّع والاختلاف الثقافي والفكري، ويشترط احترام تلك التنوعات، وهذا لا يتحقق إلا عبر سيادة القانون الذي يضمن حرية الإنسان وحقوقه، فهو الطريق الصحيح لحماية المواطنين من أي إجراء قهري، قد تتخذه السلطات والزعامات المختلفة “الدينية، السياسية، الاجتماعية” التي تعزز أنماط الانغلاق الفكري، وتجعل التصادم والتقاتل حتميًا، بسبب حالة التباين والاختلاف، فثمة شيوعي وإسلامي وقومي ووطني وطائفي وإثني، وكل الموالين لمدارسهم يكرّسون خطابهم الذي يعتمد الحصانة المطلقة من الأخطاء، ويساهمون في عملية الصلب لهذا السلم، عبر تحويلهم مفهوم الحقّ بالاختلاف إلى أيديولوجية خلاف، يتم الترويج لها عبر استعراض حالات الإذلال والحرمان والعزل والتهميش أو بطريقة عكسية، من خلال استعراض حالة القدرة والتفوق والسيادة، وفي الحالتين، ستكون النتيجة الطبيعية تفتيتَ حالة التعايش داخل بنية المجتمع، وزرعَ الأحقاد التي سيشكّل تراكمها كابوسًا يوميًا، يشحذ سكاكينه المسنونة.

خطاب التعايش، بقدر ما يشكّل ضرورة ومدخلًا لتجاوز العديد من الصدامات، ويعدّ أحد العوامل الحاسمة في النمو الديمقراطي، لا يمكن اعتماده كحلّ سحري وأساسي لمشكلات متأصلة في بنية المجتمعات العربية، من دون إيجاد البنى الكفيلة بنجاح هذا السلم والتعايش المجتمعي. والاستمرارُ برفعه كشعار غامض وممجوج، تتقاذفه أفواه المتخاصمين في ساعات الحرب، وتستريح تحت ظله في ساعات السلم، هو عبثٌ بمصير الشعوب، وإغلاق للدائرة على دورات عنف لاحقة يتجدد فيها الاقتتال، فخطاب السلم لا يحثّ على الاندماج الوطني، ولا يؤسس لدول حديثة، ولا للتقدم الاجتماعي والثقافي والحقوقي، باعتبارها مطالب شعبية لنيل استقرار حقيقي بعيد المدى.