كيف أصبحتُ مُتَّهما بجرائم قتل مُسلمي بورما!

فجأة؛ وجدتُ نفسي مُتَّهما بشُبهة المشاركة في مؤامرة قتل مُسلمي بورما، أو السكوت عن مجازر الإبادة الجماعية التي تُرتكب بحقّهم!

منذ أيام نشرتُ قصيدة شعرية -غير سياسية- على صفحتي في (فيسبوك)؛ فكتب أحد الزملاء الأطباء المُتحمِّسين لمأساة الروهينغا التعليق التالي: “عذرًا، لم نجد لكَ بوستًا أو تعليقًا عن مأساة مُسلمي ميانمار! هل علمانيتُكمْ عوراء لا ترى إلا نقدَ الإسلام والمسلمين؟”. فندمتُ، وقلتُ في نفسي: “والله، عيب عليّ! الناس تموتُ في ميانمار، وأنا أقرض الشعر!”.

في نقاش آخر، على (فيسبوك)، غير ذي صلة بالشرق الأقصى وبورما، كتبَ صديق آخر وهو طبيب أيضًا: “ما زال العلمانيون العرب يستجدون الأعذار للإرهابيين البورميين.. يريدون محاولة تقديم المبررات أو التخفيف الإعلامي، حقيقة مجازر ميانمار طرقت المسمار الأخير في نعش نزاهة العلمانية العربية، ولا سيّما أن حكومة ميانمار المجرمة نفسها لا تريد مبرّرات، وهي تصرح بوقاحة أنها تسعى للإبادة العرقية”. وأنا لم أقدّم مبررات، ولم أُخفّف، ولم أتعرّض لقضية بورما، لا من قريب ولا من بعيد، في كتاباتي!

لم أكد أفيق من صدمة الصديق الثاني، حتى وجدتُ صديقي المهندس يكتب مُحرضًا ومُتّهمًا العلمانيين العرب -وأنا أحدهم- على (واتس أبْ): “لماذا يُدافع العلمانيون عن البوذيين واليزيديين.. إلخ من المُسميات؟ لأنه يوجد بينهم قاسم مشترك، وهو أنهم جميعًا من صنع الإنسان، ولكن الدين هو من عند الله تعالى خالق الكون والإنسان.. إن الدين عند الله الإسلام… لكنّ النصارى واليهود حرّفوا ذلك.. والإسلام هو دين مشتق من اسم الله -تعالى- السلام.. والآن يأتي إلينا من أعدائنا من يتّهمنا بالإرهاب، علمًا أن المظلومين والمضطهدين في كل أنحاء العالم هم فقط من المسلمين”. وقد وجد هذا القول صدى طيّبًا عند صديقي الرابع -وهو طبيب- فتابع كاشفًا حقيقة البوذية والبوذيين: “يختار البوذيون فتاتين عذراوتين بالقوة من عائلاتهم، لتقديم قربان للإله، ويذبحونهما ويوزعون اللحوم على العائلات.. باللهِ عليكم، هل لديهم ذرة واحدة من الإنسانية! الحمد لله على نعمة الإسلام الذي حرَّر المرأة، ورفع قدرها”. طبعًا لا تعليق! سوى أنّ المجتمعات العربية الإسلامية لم تتجاوز كونها مجتمعات كتاب مقدّس -وفقًا للراحل محمد أرغون- وما زال الدين هو مصدر الشرعيّات والمعارف في مجتمعاتنا، وهذا يُحمِّل الدين ما لا يحتمل، ويظلم المجتمعات المسلمة قبل غيرها. انتهى الجانب الشخصي من المقال.

* * *

سأعرض لعدد من الملاحظات ذات الصِّلة بمواضيع مُسلمي ميانمار والعلمانية والمزاج العام للشارع العربي.

أولًا – ما جرى ويجري بحق أقلّية الروهينغا المسلمة، في ميانمار، يشكّل جرائم ضد الإنسانية، ينبغي وقفها، وتتحمل حكومة ميانمار المسؤولية ذلك، وهذا موقف أظّنه بدهي وأخلاقي، قبل أن يكون سياسيًا، وهو يستند إلى شرعة حقوق الإنسان وضرورة احترامها.

ثانيًا – إن ممارسات وتحريض الرهبان البوذيين في ميانمار ضد الأقلّية المسلمة، يُزعزع الصورة النمطية عن كون البوذية دين محبّة وسلام وتأمّل روحي، هذه الصورة التي وصلتنا –العربَ- من خلال التراث البوذي المترجم، وعبر الحضور السياسي العالمي الحيوي لشخصيات من قبيل الدالاي لاما، زعيم البوذيين في التبت. هنا ينبغي القول إنّ البوذية -كأي عقيدة دينية أخرى- تتحوّى أو توجد بأشكال وصيغ اجتماعية وسياسية مختلفة، أكثر أو أقلّ حيوية، ربطًا بمعيار أولويات الحياة والعدل والحرية، وهذا يشمل أيضًا اليهودية والمسيحية والإسلام، وأي دين آخر.

ثالثًا – لا أرى تعارضًا بين الإيمان الديني والعلمانية، تستطيع أن تكون مُسلمًا صالحًا أو بوذيًّا صالحًا، ومع ذلك تعيش حياة كريمة في دولة علمانية، فالعلمانية هي حياديّة الدولة تجاه عقائد مواطنيها، هي فصل الدين عن السلطة السياسية، واحترام عقائد المواطنين، وعدم التمييز بين المواطنين، على أساس الدين.

رابعًا – للمفارقة الشديدة -وعكس ما يسوّق الإسلاميون- تطبيق مبدأ علمانية الدولة في حالة ميانمار، هو الحلّ لمشكلة الأقليّة المسلمة فيها، فالعلمانية تضمن –دستوريًا- عدم تمييز الحكومة بين المواطنين على أساس الانتماء الديني؛ وبالتالي مساواة المسلمين بالبوذيين، من حيث حقوق المُواطنة واحترام حقوق الإنسان؛ وبالتالي يجب مطالبة حكومة ميانمار باحترام مسؤولياتها، بصفتها دولة علمانية لا تميّز بين المواطنين على أساس ديني أو عرقي، حيث يوجد أيضًا جانب عرقي وإثني لقضيّة الروهينغا.

خامسًا – السياسة هي فنّ المُمكن، وأساسها لغة المصالح، ووقف مجازر الإبادة واضطهاد الأقلية المسلمة في ميانمار لا يحتاج إلى مواقف فردية، تأخذ شكل فقاعات وغَضبات مضريّة، بل يحتاج إلى تدخل دولي فاعل يقوم به المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وبإمكان الدول العربية والإسلامية –نظريًا- لعب دور ضاغط في ذلك، ولكن هيهات كيف نطالب حكومات ضعيفة الوزن، وذات سجل سيئ في احترام حقوق الإنسان واحترام مواطنيها بالتضامن والفعالية، في قضية من هذا النوع!

سادسًا – ينبغي وقف اضطهاد أقلّية الروهينغا المسلمة في ميانمار، وهذا واجب أخلاقي وإنساني، ولكن علينا فهم تعقيدات وسياقات الصراع في ميانمار، فهو صراع طويل الأمد، يعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية ومشاريع تقسيم القارة الهندية، على أساس ديني وعرقي، والصراع الداخلي في ميانمار ذو بعد عرقي وديني، بين بوذيين ومسلمين، وكذلك بين غالبية تنتمي إلى العرق الصيني وأقلية الروهينغا التي تنتمي إلى العرق الهندي، وأثناء الحرب العالمية الثانية، اصطف المسلمون مع الاستعمار البريطاني في مقابل اصطفاف البوذيين مع الاستعمار الياباني، وقد شهدت تلك الفترة مجازر متبادلة بين المجموعتين.

سابعًا – إنكار وجود اضطهاد ومجازر إبادة، بحقّ الأقليّة المسلمة في ميانمار، هو موقف مناف لبرهان الحدوث وغير أخلاقي، صحيح أنّه يوجد الكثير الكثير من الصور والمفبركات الإعلامية تسوقّها شعبيًا قوى الإسلام السياسي، ولكن ذلك لا ينفي وجود اضطهاد ومجازر وتهجير بشهادة (هيومن رايتس واتش)، وكذلك منظمة العفو الدولية[1] ويُلاحظ أن غالب المثقفين العرب الموالين لأنظمة الاستبداد ومُدّعي العلمانية (العلمانويين وليس العلمانيين) ممن أنكروا مجازر إبادة الشعب السوري، خلال السنوات الماضية، هم أنفسهم يُنكرون اليوم مجازر إبادة شعب الروهينغا، تحت تأثير الإسلاموفوبيا، راجع مثلًا مقال إيهاب عمر “أسطورة الروهينغا المسلمين”[2].

ثامنًا – جماعات الإسلام السياسي وجماهيرها العُصابيون حول العالم لا يستطيعون تقديم أي شيء إيجابي لشعب الروهينغا المُضطهد في ميانمار، وأفضل شيء يقومون به تركهم وشأنهم. من المؤسف أن جماعات الإسلام السياسي المسلحة بدأت تنشط في ميانمار، وقد نفّذت هجومًا مسلحًا على جيش ميانمار مؤخرًا، تبعه هجمات انتقام وإحراق قرى لأبرياء الأقلّية المسلمة هناك. إنّ تأجيج الصراع الديني في ميانمار وشبه القارة الهندية عمومًا، لن يفيد المجتمعات والدول، وسيكون المسلمون هم الطرف الأضعف فيه، خصوصًا بعد تلطيخ سمعة المسلمين عالميًا بأفعال (طالبان) و(تنظيم القاعدة) و(داعش) والعمليات الإرهابية، وكذلك هيمنة نمط الدول الاستبدادية الفاسدة أو الدولة الفاشلة على معظم خريطة العالم الإسلامي.

تاسعًا – هل نتذكّر تدمير جماعة طالبان لتمثالي بوذا عام 2001؟! لقد كان أحد حلقات مسلسل الصراع الديني بين مسلمين وبوذيين، حيث نقلت صحيفة (ذي تايمز) عن الملا عمر، في 6 آذار/ مارس 2001، قوله: “يجب أن يكون المسلمون فخورين بتحطيم الأصنام، ويجب أن يحمدوا الله أننا قد دمرناها لهم”.[3] وعمليًا يدفع الضعفاء من الناس ثمن طيش المُتعصّبين، مثلما يدفع المواطن المسلم في بلاد الغرب ثمن أفعال المتعصّبين وعملياتهم الإرهابية! لا أقول إنّ مجازر الروهينغا هي بسبب تدمير تفجير طالبان لتمثالي بوذا، ولكنّه عامل في مشهد مُعقّد مختلط، فالعقلية العنصرية هي نفسها في حالة طالبان وحالة حكومة ميانمار، وحالة أي سلطة تدّعي امتلاكها جوهرًا دينيًا أو قوميًا متفوّقًا.

عاشرًا – إنّ دخول جماعات الإسلام السياسي وجماهيرها العُصابية، على خط أزمة الروهينغا، سوف يؤدي إلى إبادة وتشريد البقية الباقية من هذا الشعب المسكين، وبمباركة العالم والمجتمع الدولي، ولنا في أفغانستان الثمانينيات والتسعينيات، وكذلك الثورة الليبية والسورية أكبر المثل! فهل استطعنا نحن -العرب المسلمين أو السوريين- مساعدة أنفسنا حتى نساعد مسلمي الروهينغا! من المُحزن أن تتحوّل مأساة شعب الروهينغا إلى عامل تفرقة بين السوريين أنفسهم في الغربة، وأن تتحوّل إلى مادة للتجييش واستثارة الغرائز الدينية سلبًا، بطريقة تزيدنا فرقةً وتشرذمًا.

_______

الهوامش:

[1] من هم الروهينغا، ولماذا يفرون من ميانمار؟ موقع منظمة العفو الدولية، تاريخ 7 أيلول/ سبتمبر 2017، على الرابط:

https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2017/09

[2] أسطورة الروهينغا المسلمين، إيهاب عمر، موقع صوت الأمة، على الرابط:

http://www.soutalomma.com/Article/482736

[3] Markos Moulitsas Zúniga (2010). American Taliban: How War, Sex, Sin, and Power Bind Jihadists and the Radical Right. Polipoint Press. ISBN 1-936227-02-9-