التعين الثقافي لغريزة القطيع

ليس جديدًا على أحد القول إن الإنسان كائن اجتماعي، وليس لأحد المأثرة في هذا الوصف، فما يُرى بالعين المجردة، يكون وصفه تحصيل حاصل، ولا يحتاج إلى تفكير وتأمل، ويدخل في الثقافي هنا السياسي والفكري والاجتماعي والاقتصادي. لكن معنى أن الإنسان كائن اجتماعي ليس مقصوده أنه يعيش في جماعات فقط، بل معناه أن لديه غريزة القطيع، شأنه شأن جميع الحيوانات، غير أنه لما كان متفردًا بالعقل، ومتميزًا بالقدرة على التفكير؛ فإنه لم يترك لغرائزه أن تظل على حالها الطبيعية؛ فاستن طرقًا وعادات وأعرافًا ومؤسسات ترقى بغرائزه الطبيعة إلى الحالة الثقافية، فالطهي وعادات الطعام وطقوسه ليست إلا تثقيفًا لغريزة الطعام، وقس على ذلك تثقيف غريزة الجنس وغريزة القطيع.

إن ظهور مؤسسة زعيم العشيرة أو المنطقة أو الجماعة أو الأمير أو الرئيس، ليس إلا تعينات كبشية للقطيع، فبنية القطيع، بالأصل، هي كبش أو أكثر من كبش وحشد، ولقد تطور القطيع، بسبب العقل، إلى الحد الذي صار يقبل وينتخب ويرفض ويتمرد، ولكنه لم يتخلص من الحالة الكبشية، فالسلطة -بكل أشكالها- ما هي إلا الشكل الثقافي لبنية غريزة القطيع، والتي لم تعد حاضرة في صورتها البدائية إلا عند بعض القبائل المنسية في الأدغال.

بالتالي؛ يمكن النظر إلى التطور والتغير الثقافي لغريزة القطيع، عبر أشكال السلطات السائدة، فالدكتاتورية هي تطور ثقافي، لكنه أقرب إلى حالة غريزة القطيع، فالثقافة السياسية للدكتاتورية لم تتطور إلى حد التجاوز الثقافي الراديكالي لغريزة القطيع، فالكبش الأوحد هو كبش الأكباش، ولأن الدكتاتورية هي أقرب الحالات الثقافية-السياسية لغريزة القطيع؛ فإن حالات الفرد والشخصية والأنا حالات مذمومة، بالنسبة إلى كل دكتاتور، وممنوعة من الظهور؛ ولهذا فالدكتاتور أقرب المظاهر إلى الكبش البدائي، وأتباعه أقرب الناس إلى الحشد البدائي، بل إن الفاشيات الكبرى والفاشيات الصغرى وأيديولوجياتها ذات وعي قطيعي بامتياز، فالجمهور الذي يهتف صادقًا مخاطبًا كبشه: بالروح بالدم نفديك، أو نموت فداء لصرماية السيد، أو السير وراء أمير الجماعة.. إلخ، هو جمهور غريزي قطيعي، لم يصل أعضاؤه إلى مرحلة الوعي الذاتي بأهميته الفردية بالوجود.

لهذا؛ فإن الانتقال من غريزة القطيع إلى الفردية هو أعظم ثورة في تاريخ البشرية، هذه الثورة كانت قد أنجزتها البرجوازية الأوروبية عبر تاريخها الطويل، وعبّر عنها المفكرون والفلاسفة، بمفهوم الحداثة.

الديمقراطية -بوصفها الثمرة العظيمة للحداثة الأوروبية- هي تحول راديكالي في مسار غريزة القطيع، إن القطيع هنا صار جماعات تنتخب أكباشها الذين لا حرية لهم في التصرف بالمنتخبين، في هذه اللحظة من التاريخ، وُلد مفهوم الإنسان المواطن الحر.

ولما كانت الحضارة الأوروبية التي يدين لها العالم بهذه الثورة في معنى الوجود الإنساني قادرة، بسبب قوتها الثقافية والعلمية والاقتصادية، على الانتشار وتزويد البشرية بوعي جديد بالوجود الإنساني، ولما كانت الحاجات قد خلقت ميلًا نحو الحرية والفردية في العالم غير الأوروبي؛ فإن التناقض سرعان ما دبّ بين الدكتاتوريات الآسيوية والإفريقية والأمريكية اللاتينية، والبشر الذين راحوا يبتعدون عن غريزة القطيع، وهذا هو الذي يفسر التحولات في هذه العوالم.

لا يحسبن أحد أن الديمقراطية قد أتت على غريزة القطيع، بل ثقفتها إلى الحد الذي منحتها الصورة الثقافية الأعلى لعلاقة الحكام بالمحكومين، ولهذا نرى ظهور تمردات حتى على الديمقراطية، بما تنطوي عليه من قطيعية حتى ولو كانت متطورة.

فِي المجتمعات التي وصلت إلى الحال الديمقراطية أو الساعية إليها، تتحول النخبة الثقافية-الفكرية والفنية والأدبية وما شابه ذلك، في مجملها، بما هي ذات روح فردية، إلى عنصر أساس في رفض حتى الصورة المثقفة المتقدمة جدًا لغريزة القطيع، أما وجود جزء من تلك النخبة إلى جانب الدكتاتورية؛ فهذا يعني أن هذا الجزء ما زال في وعيه اللاشعوري أو وعيه بمصالحه الضيقة وعيًا قطيعيًا.

لهذا؛ فإن الدفاع عن الديمقراطية في أعلى مراحل صورها الثقافية، بما هي نمط وجود، وبما هي تجاوز لبدائية غريزة القطيع، ليس إلا الدفاع عن حضور أكبر للفردية التي أخذت شكل المواطن، وعن الجماعة التي تعيش مرحلة المواطنة.