خادم لسيدين أو أكثر!

لا نجانب الحقيقة التاريخية، إذا قلنا إن الأنظمة العربية كلها (تقدمية ورجعية، يسارية تحررية وملكية عشائرية) جاءت على ظهور الدبابات الأجنبية؛ برضاها ورعايتها، سواء كانت سايكس/ بيكوية أو أميركية أو سوفيتية أو حتى صهيونية! ألم تكن عملية التوريث في سورية بمعرفة وموافقة أميركا! ألم تكن مادلين أولبرايت أول من قام بواجب التعزية وأول من بارك للرئيس الوريث، ومن قبله صدام حسين وريث البكر! ومن قبلهما وبعدهما ولات العهد؟!

من حقكم، أيها السادة الكبار، أن تبحثوا صراحة عن بديل لهذا الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي حكمت شعوبها بالحديد والنار، منذ عقود طويلة. من حقكم أن تبحثوا عن وكيل أو عميل أو زبون جديد! وهل ننتظر منكم أن تقفوا متفرجين، إذا ثارت هذه الشعوب على طغاتها! ستهبون لنجدتهم، هذا لا شك فيه! لكنكم تأخرتم كثيرًا في البحث!

ألم يكن هؤلاء الطغاة الطاعنون في السن بديلًا مناسبًا لكم في حروبكم الباردة والساخنة!؟ ألم ينقلب الضباط الأحرار، في مصر وسورية والعراق وليبيا والجزائر والسودان والصومال… ويستلموا السلطة، تحت سمعكم وبصركم وبمعرفتكم وموافقتكم؟ ألم تُلبسوا أنظمة النفط العربية العباءات التي تناسبكم؟ هل كانت ديمقراطية الخمسينيات في سورية لتعجبكم؟ ألستم أنتم من انقلب عليها عدة مرات، حتى استقر لكم الأمر فيها، وأتيتم بأنظمة على مقاسكم وذوقكم؟ ألم تكن الحركة التصحيحية بديلًا من بدائلكم!؟

منذ بداية الربيع العربي، وأنتم تبحثون عن بديل، علمًا أنكم تعرفون بأن أول ما تفعله أنظمة (إلى الأبد)، هو القضاء على أي بديل ممكن أو محتمل.

إن التناقض الجوهري -أيها السادة- يكمن في أن الشعوب تريد بديلًا وطنيًا ديمقراطيًا يناسبها، صديقًا وليس معاديًا لها، يحترم خبزها وكرامتها، بينما تريدونه أنتم صديقًا لكم، يدور في فلككم، ويحقق مصالحكم الاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية، كما كانت تفعل الأنظمة القديمة، ولم تزل.

هذا هو جوهر الصراع، أيها السادة الكبار. تعتبرونه (معقدًا، شائكًا، مقلقًا، مؤسفًا)، ونعتبره جليًا وواضحًا كالشمس. كثيرون منا ظنوا -في البداية- أنكم ستهبون لنجدتنا وحمايتنا والوقوف إلى جانبنا، لأننا بشر مثلكم، ولأن شرعة حقوق الإنسان لا تسمح بإبادتنا وهدم بيوتنا وتهجيرنا، فقط لأننا طالبنا بالحرية مثلكم؛ لكن سرعان ما ذاب الثلج وبان المرج، وانكشفت حقيقتكم، وحقيقتنا. وقفتم معنا بالكلام المعسول، نعم، لكنكم لم تفعلوا شيئًا من أجلنا، وأنتم القادرون على ذلك! تبين أنكم لا تريدون تغييرًا حقيقيًا! لبستم أقنعة حقوق الإنسان وحرية الشعوب، ولم تخجلوا حتى من دمائنا وأشلاء أطفالنا ونسائنا! بات الأمر، بالنسبة إليكم، ليس جرائم موصوفة ضد الإنسانية؛ بل أمر (معقد، شائك، مقلق…) وحولتم قضية الحرية إلى قضية إرهاب يهدد الكون! ومرة أخرى بات البحث عن البديل هو ديدنكم.

فعلتم ذلك في أغلب دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، ونجحتم نجاحًا باهرًا، ألم تجدوا في “الثائر” دنييل أرتيغا وزوجته روزاريو ماريو، بديلًا مناسبًا للثورة الساندينية؟! وماذا عن الجنرال أوغستو بينوشيه؟ ألم يكن بديلًا عظيمًا للرئيس المنتخب سلفادور أليندي؟ أما وجدتم بديلًا في (كرزاي) أفغانستان؟ وقمتم باحتلال العراق وجعلتم بول بريمر رئيسًا لـ “الإدارة المدنية” التي ستشرف على إعادة إعمار العراق! فهل أشرفت! وهل أعادت الإعمار!! أم كان بول يخبئ في جيبه الداخلي معارضة قادرة على إعادة تدمير ما تبقى من العراق؟

لقد سبقكم الدب الروسي، واختار زبونه منذ البداية، فماذا تنتظرون أيها السادة الأميركيون! أما آن لزبونكم دي ميستورا، أن يختار زبونًا مناسبًا حتى الآن؟! وهل يعقل أن يكون الزبون القادم خادمًا لسيدين أو أكثر!