“شيوعيات”.. من اليسار إلى “التطبيل”

ليس مستغربًا أبدًا أن تنتقل الأحزاب الشيوعية السورية -بألوانها المتعددة- من موقع الأحزاب التي تُسمّى يسارية، إلى موقع المُهلل والمصفق و”المُطبّل”، كلٌ لربّ نعمته وولي نفعيته السياسية أو الاقتصادية أو الصورية “الديكورية” (الوجود الخزفي المزين للصالونات)، في صالات العمل السياسي.

الحزب الشيوعي السوري هو الحزب الأقدم في تاريخ سورية، تأسس عام 1924 في خضمّ امتداد وتوسع الحركة البلشفية الشيوعية العالمية، وربما لتاريخ تشكله وزمنه اعتبارات عدة تاريخية ووطنية، ولا سيّما في مراحله الأولى، قبل القضاء على امتداده اللبناني وانكفائه في الداخل السوري، أيام الوحدة السورية-المصرية المزعومة، والتي قُتل على أثرها فرج الله الحلو، بعد اعتقاله وتعذيبه في سجون دمشق عام 1959. وخلفية المشهد الشيوعي السوري حتى ما قبل عصر ما سُمّي “الحركة التصحيحية”، خلفية تحررية ثورية وماركسية نظريًا، لكنها تكريس للديكتاتورية الفردية وعلاقات التبعية بالمركز الشيوعي في الاتحاد السوفيتي آنذاك، فخالد بكداش لم يترك زعامة الحزب إلى أن ورّثها لأبنائه وصهره من بعده، وليس فقط، وعلى الرغم من فشلِ التجربة الاشتراكية في مركزها الأم، وتحوّلِ الاتحاد السوفيتي، من دولة اشتراكية بالمعنى العام إلى دولةٍ، تنوس بين الاقتصاد الحر وهيمنة المافيات الاقتصادية وبين دولة القبضة الأمنية، مع القليل من حرية العمل السياسي والحزبي، إلا أن الحزب الشيوعي السوري حتى اليوم ظلّ متمسكًا بمقولة “الإمبريالية عدوة الاشتراكية”، المقولة التي تهشّمت أمام العولمة ونمو مراكز التوسع العالمي في اقتصاديات الحداثة، وما بعدها مع الثورة التكنولوجية، ولا زلت إن سألت أحد أعضائه: من هو عدوكم؟ يجيبك: الإمبريالية ثم الإمبريالية ثم الإمبريالية، ويبقى يردد ذلك حتى تظن أنه لا فرق بين حزب شيوعي سوري بكداشي أو آخر فيصلي أو قدري.

الحزب الشيوعي السوري منقسم على نفسه، منذ الجبهة الوطنية السورية، إلى فصائل مشتتة عمودها الرئيس البكداشية، ونزعة الهيمنة الفردية والتبعية المطلقة للمنبع الموسكوفي، والذي توارثت أسرته حكم الحزب بدءًا من التأسيس وحتى وصال فرحة زوجته، ثم عمار ابنهم، الرئيس الحالي، وبينهم حلّ صهرهم قدري جميل، قبل أن ينفصل عنهم مُشكّلًا حزب وحدة الشيوعيين، أو ما بات يُسمى اليوم “حزب الإرادة الشعبية”، والذي يقود اليوم ما يسمى “جبهة التغيير والتحرير”، على رأس منصة موسكو. وطبعًا لا ننسى بهذه العجالة الحزبَ الشيوعي السوري المُوحَّد، يوسف الفيصل، المنشق عن البكداشية بداية، والمنضوي من حينها في الجبهة الوطنية أيضًا، ولا أحد يعرف الفوارق السياسية والمنهجية لكلا الحزبين، على الرغم من ادعاء الخلاف حول موضوعات القومية وغيرها، علمًا أنّ هذه الأحزاب الثلاثة أعضاء في “الجبهة الوطنية التقدمية” التي نص دستور البلد حينذاك على أن حزب البعث “العربي” الاشتراكي قائد للدولة والمجتمع، مُحرّمًا على كل الأحزاب الأخرى العملَ في أوساط الطلاب والجيش، ليصبح الخلاف بهذا المعنى بين كل هذه الفصائل خلافًا شكليًا على الموقع في الحزب والخارطة السياسية، بين مهمش ومهمش جدًا في منظومة الجبهة، وذلك بغض النظر عن أحلام كوادره، في شعارات الثورة والحرية وإلغاء الفوارق الطبقية والبحث المضني عن الطبقة الوسطى، تبعًا للطيب تيزيني، دون أن يجدوها لليوم.

تبدو للوهلة الأولى أن شروط اللعبة الديمقراطية مكتملة بين أوساط الحزب الشيوعي، فحرية الرأي مُصانة، فلك أن تتبع أحد قادته، وإن لم ترض، فاصنع لك حزبًا وأمّن لك سندًا من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي سابقًا، أو من أعوان بوتين في الـ “كي جي بي”، حتى تُصبح زعيمًا سياسيًا على عشرات الشبان والشابات الذي تأخذهم شعارات التحرر والإنسانية والفرويدية الشخصانية والسريالية الفنية، ويكفي أن تقول “تسقط الإمبريالية” حتى تُصبح مناضلًا كـ جيفارا، أو تقرأ جريدة “النور”، حتى تُصبح مُبصر العين في كل القضايا والشؤون الدولية، وتُصبح مُنظّرًا في الفقه الماركسي، وكأنك وماركس عشتما معًا وكبرتما معًا، وبتّما رفيقين حميمين! وليس بعيدًا عن متناول يديك أبدًا جريدة “نضال الشعب”، لتتعرف من خلالها على طرق الكفاح المسلح وأدوات التحرير الشعبي، وكيف تنال حريتك بقوة سلاحك، وليس هذا وحسب، ألقِ نظرة على الشام من جريدة “قاسيون”؛ لتتعلم إرادة الثورة والتغيير، وكيف تنتصر على الشعب، وتصبح مُؤهلًا لموقع الرئيس القادم، كما يحلم قدري جميل.

ليس من المستغرب أبدًا، أن يُصبح عمار بكداش أول المحررين، وربما عميدهم، من قوات “الجيش السوري” في انتصاره على الشعب “الإرهابي”، وأن تستطيع القوة الروسية “الشيوعية” التصدّي للإمبريالية الأميركية و”إسرائيل” الصهيونية والأنظمة الرجعية في المنطقة، (وبخاصة تركيا)، والتي فشلت جميعها في تحقيق مآربها، وهو إسقاط النظام. حسب زعمه. ويبدو أن المفاهيم بين الشيوعية والشيعية والاشتراكية والمافوية اختلطت عليه! وأيضًا هو لا يتابع مُطلقًا القنوات الفضائية التي تنقل التنسيقات المشتركة الروسية-الإسرائيلية، ولا تصريحات لافروف، بضرورة مراعاة مصالح “إسرائيل” داخل سورية، وأيضًا يُقرّ بأنه لا يزال جزء كبير من الأراضي السورية واقعًا اليوم تحت وطأة الاحتلال الأميركي والتركي، وهو عن غير قصد نسي قاعدتي حميميم وطرطوس، واتفاقات خفض التوتر والتصعيد التي تبرمها كل من روسيا وإيران في أستانا، وروسيا وأميركيا والأردن في الجنوب السوري، فهو يُدرك مدى التكتيك “الديالكتيكي” الفذ الذي قامت به روسيا، في تحسين علاقتها بتركيا، “فنحن في سورية، كما في السابق، نرى أن تركيا هي المخلب السام لحلف الناتو، في منطقة الشرق الأوسط، وشرق البحر المتوسط”، حسب زعمه، ولا يجرؤ على القول إن إيران وميليشياتها مخالب وأنياب لروسيا في سورية.

جميل الذي كان وزيرًا للتجارة الداخلية، في حكومة النظام حتى عام 2013، لا يرى سوى مصالحه الاقتصادية، وكيفية الوصول إليها؛ فما زالت تصريحاته من مؤتمر الرياض، الشهر الفائت، تنمّ عن طموح الرجل لبلوغ موقع القيادة، في معادلة التوازن الروسي-الأميركي، ولا يستطيع عاقل أن يُفسّر أنّ المعادي للإمبريالية أصلًا، وللرجعية العربية، يتخذ من الرياض مقرًا لمناورات منصته؛ ليدخل في صفوف المعارضة، و”التي أدى اختلاف فصائلها الممولة من دول الإرهاب”، حسب زعمه، إلى الوصول لتقدم في مسارات التفاوض على قيادة مُوحّدة، لوفد المعارضة السورية “الإرهابية” أصلًا، بنظره، والمدعومة من الدول الإمبريالية والرجعية!

إن أي جدل حول الماركسية لا يأخذنا إلى “فينومينولوجيا” الروح الهيغيلية، وانكسار الثورة الألمانية في ما سمّاه هيغل حينها بـ “مكر التاريخ”، أو الأيديولوجيا الألمانية وبؤس الفلسفة، لماركس، لحقيقة جدل الحرية والسعادة ونقد النفعية الذاتية، أمام قوانين وحركة السوق في خضم عملية بناء الدولة، هو مجرد تطبيل وتزمير في الماركسية، فأين هي الحركة الشيوعية من هذا، وهي التي تُهلّل لنصر البوتينية على الشعب السوري، ودحض مشروع “الشرق الأوسط الكبير”، الذي سعى لإنشاء مركز إمبريالي جديد في المنطقة، تقوده “إسرائيل” بحماية ورعاية الولايات المتحدة الأميركية! فباتت سورية والشرق الأوسط دولًا مُدمّرة بفعل القوة العسكرية الروسية ذاتها، وباتت الدولة فيها مجرد سلطة عسكرية محض، لا تمتلك من مقومات وجودها سوى نموذج دولة الرعاية للمصالح الروسية والإيرانية، وليس مستبعدًا أبدًا للمصالح الأميركية والإسرائيلية، في القريب من الأيام، كل ذلك وما يزال الحزب الشيوعي السوري يُهلل في صحف: “النور” و”نضال الشعب” و”قاسيون”، وعبر لسان قادتهم، لنصر عسكري يُهديهم إياه بوتين، الأب الروحي للاشتراكية العالمية التي هو براء منها، بشهادة الروس أنفسهم، ويبقى أن نسأل: ما هو موقف عمار بكداش وجماعة يوسف الفيصل وغيرهم، إذا ما زكّى الروس قدري جميل للعب دور الرئيس في القادم من الأيام السورية؟