روسيا وأميركا خصمان قديمان للديمقراطية في سورية

خلصت سياسة كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة، في إدارة الصراع في سورية، وعليها، إلى خيارات عدة، متشابهة، ومتقاربة، ومتوافقة، ومتعارضة أو متناقضة، لكن خيارًا واحدًا استُبعد نهائيًا، بل تمت محاولات حثيثة لإجهاضه، وهو الخيار الديمقراطي لمستقبل الدولة في سورية، ذلك الخيار الذي كان نشيد السوريين في ثورتهم، من أجل الحرية والخلاص من الاستبداد الهمجي الفاشي.

في بداية الثورة 2011، حذَرت روسيا مما يدعى خطر انهيار “الدولة”، وراحت تدعو إلى بعض الإصلاحات، لوقف الثورة وترميم بنية النظام، بينما ظهر الموقف الأميركي، وكأنه مع حرية السوريين، وتأييدهم في الخلاص من نظام الاستبداد. لكن السنوات اللاحقة، وتحديدًا بعد استخدام النظام السلاح الكيماوي، أبدت ملامح جديدة لسياسة كلا الطرفين، تأسست على بدء التنسيق والتفاهمات بينهما لإدارة الصراع في سورية، ووجدا -كما وجد غيرهما- ضالتهم في ظهور (داعش) بقوة في ميدان المواجهة؛ فأصبحت ذريعتهما، لإعادة ترتيب الأوراق والتحالفات والأولويات، تحت شعار “الحرب على الإرهاب”. وأولًا بأول، جرى استبعاد كل دعوة لتغيير النظام، واستخدمت في هذا السبيل المفاوضات الماراتونية من جنيف إلى أستانا، ولخص الطرفان موقفهما بطرح معادلة: “إما النظام أو الإرهاب الإسلامي”.

إن اعتقاد بعض المتابعين والمحللين بأن تلك المواقف ساقتها وقائع التطورات الميدانية والتأثيرات الإقليمية، بعد انطلاق الثورة السورية، بما يمنع دعمهما لخيار التغيير الديمقراطي في سورية، هو اعتقاد تغيب عنه قراءة التجربة السياسية التاريخية، كما أظهرها النصف الثاني من القرن العشرين، إبان ما يسمى “الحرب الباردة”، وتعامل كل من واشنطن وموسكو السوفيتية مع الوضع السياسي في سورية.

تحت شعار محاربة “الشيوعية”، دعمت واشنطن بناء حلف بغداد، منتصف الخمسينيات، ومورست الضغوط على سورية للانضمام إلى الحلف، ولم تأبه واشنطن للحالة الديمقراطية التي كانت تعيشها سورية، بل مدت يدها للعبث بالبلد، من خلال التعامل مع الانقلابات العسكرية ضد الديمقراطية الليبرالية الوليدة، والتي كانت واعدة بمستقبل سياسي حديث ومتطور.

ولم يكن موقف الاتحاد السوفيتي معنيًا على الإطلاق ببناء الديمقراطية في سورية، وتركزَ كل نشاطه، وعلاقاته السياسية مع القوى السورية، على مواجهة ما يسمى “خطر الرأسمالية” ومشاريعها الإمبريالية التي تدعم “الرجعية”، ويقصد بالرجعية، حينذاك، النظام البرلماني الذي نشأ بعد الاستقلال. وبهذا وقعت الديمقراطية السورية الوليدة بين فكي كماشة القطبين، في الحرب الباردة، وفي أدق وأصعب اللحظات على الصعيد الكوني، حيث انتهت الحرب الكورية إلى تقسيمها، شمالية وجنوبية، وشرع الطرفان الروسي والأميركي في تصعيد نشاطهما الشرس في أنحاء العالم، وكان الشرق الأوسط الموقع الأبرز لاحتدام الصراع، وتشكل الجيوبولوتيكيا السورية فضاء تتردد فيه بسرعة أصداء كل التطورات في المنطقة، يومًا بيوم.

من فترة الخمسينيات حتى أول السبعينيات، لم تشهد سورية استقرارًا داخليًا، من جراء تداخل الكثير من الاستحقاقات السياسية، وأثرها الواضح على تداعيات السلطة السياسية في سورية. وعندما قام حافظ أسد بانقلابه في سنة 1970، وقضى على الجناح الراديكالي في سلطة حزب البعث، وجد فيه الروس والأميركيون نموذجًا يمكن الرهان عليه، كلٌّ من زاوية مشاريعه وأهدافه. وهكذا كانت دكتاتورية الأسد التي انتقلت بالوراثة للابن، حصيلة الاتفاق، وإن موضوعيًا، على أفضلية الدكتاتورية على نظام الحرية والديمقراطية؛ وبالتالي فإن أعظم دولتين في العالم مسؤولتان عن بقاء الدكتاتورية جاثمة على صدور السوريين، لتصنع حياتهم على قد أهوائها ومصالحها، العائلية والطائفية. وعليه؛ فإن كلام بوتين عن الإصلاح للنظام، بعد الثورة، وكلام الأميركيين عن “الحرية والديمقراطية” هو كلام فارغ لا يمكن تسميته بغير “بروباغندا” سياسية، هدفها إخفاء انحيازهما “للاستقرار” في سورية على جسد الشعب السوري، ووحدته ووحدة أراضيه ومؤسساته.

ما شهدته سورية، خلال سنوات الثورة من سياسات، على يد الإدارتين الروسية والأميركية، تعود جذوره إلى المراحل الأولى من ولادة الدولة السورية، لكن مع ممارسة القتل الوحشي للسوريين، الذي تقوم به موسكو، والخداع المضلل، والمساعدة في القضاء على التيارات المدنية في الثورة، كما تبين من السلوك الأميركي حيال فصائل الثورة المعتدلة، ومحاولة جرها إلى أجندتها التي تخلو من الجدية في دعم السوريين للتخلص من الدكتاتورية والفاشية، حتى بعد انتهاء (داعش) الذريعة.

ربما ما ذكرته أعلاه يحيل إلى السؤال عن الأسباب التي جعلت “القطبين”، خلال الحرب الباردة، وحتى زمن الثورة السورية، يتفقان -بالرغم من تناقضاتهما العميقة والواسعة- على دعم الدكتاتورية والاستبداد في سورية، أو، على الأقل، على الحذر والتوجس من انتصار الديمقراطية. وهو سؤال وجيه ومشروع.

الولايات المتحدة من جانبها، وبجناحي إداراتها، تعتبر أمن “إسرائيل” الرائز الأول والأهم في سياستها شرق المتوسط، والمنطقة ككل؛ وبالتالي فإن “واحة الديمقراطية في صحراء التوحش والاستبداد” التي تدّعيها “إسرائيل” يجب أن لا تنال منها الديمقراطية في أي بلد عربي، وسورية تُعدّ في صدارة الدول المؤثرة والمتأثرة بالصراع العربي الإسرائيلي، وانتصار الديمقراطية فيها يخلخل الادعاء الصهيوني الذي تتبناه الحكومات الغربية، وواشنطن تحديدًا. زد على ذلك أن إدامة الادعاء بأن “إسرائيل في خطر” يوفر لأميركا، ولصناعتها الحربية، أفضل رصيد لتسويق منتجاتها العسكرية، دعمًا لـ “إسرائيل”، واستنزافًا للاقتصاديات العربية والخليجية. وتوفرُ الأنظمة “العسكرية المستبدة”، بتشدقها المتواصل بتدمير “إسرائيل”، أفضل دعاية لتبرير السياسة الأميركية نحو “إسرائيل” والدول العربية.

في الجانب الآخر الذي مثلته روسيا السوفييتية، وبعدها روسيا البوتينية الشمولية المافيوية، فإن علاقاتها مع الدول في “العالم الثالث” كانت تحتاج -ولا زالت- إلى الاتفاقات السرية في التسلح والتدريب والاقتصاد والأمن، وهو مايتناقض مع الديمقراطية في الدول الحليفة، حيث الديمقراطية في جوانب منها تعني تداول السلطة، وتعني حرية التعبير، وتعني الشفافية، وهذا النسق من المكونات لا يوفر لروسيا ما تحتاج إليه من شروط، تكفل إبقاء العلاقات الوطيدة مع الأنظمة، فالشفافية تكشف ما هو سري بينها وبين الدول، وتداول السلطة يمكن أن يؤدي إلى تغيير في التحالفات يطيح بالدور الروسي الذي يقوم على السرية والغموض، والذي تحافظ عليه حكومات “العسكر والأمن” المستبدة، ونموذجها نظام الأسد الأب، ومن بعده الابن.

لا أسعى، من خلال ما أتيت عليه أعلاه، للتستر على الثغرات والنواقص الخطيرة في مكونات القوى التي شكلتْ، أو حاولت أن تشكل، مرجعيةً للشعب السوري، على طريق القضاء على الاستبداد وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية. وثمة أكثر من ذلك، إن الجزء الأكبر من تلك المرجعيات بات عبئًا ثقيلًا على الثورة، وعلى مستقبل سورية.