النفاق في السياسة المصيرية

كان من الواضح أنّ ما ينتظر اجتماع الرياض هو الفشل المحتوم؛ وهو يجمع نقيضين متناحرين من معارضة وموالاة، على أنهما وفدٌ واحدٌ، فرَض دي ميستورا توحّدهما، كشرط أساس لإيجاد حل للمأساة السورية، بعد أن استبسل في تقسيم المعارضة إلى منصات ومعارضات! فكيف لمنصة موسكو التي يرأسها قدري جميل الذي يُلقّب بـ “رجل موسكو”، بعد أن كان نائب رئيس وزراء النظام، والذي لم يطرح مع منصته أيَّ رؤية أو برنامج سوى الإصرار على بقاء النظام ودستوره المُفصّل على مقاسه، أن تكونَ ضمن وفد مُوحّد مع نقيضها الذي لا يتفق معها، إلا على دحر بعضهما البعض! وما الذي يُجبر المعارضة على التوحد مع نقيضها، وهي التي نالت اعترافًا دوليًا، لا يمكن تجاوزه، إن لم تفرّط هي به أمام تنازل كهذا، يسمح لمنصة شُكِّلت اعتباطيًا (كمنصة موسكو)، باختراق صفوف المعارضة، وتفتيت أي إمكانية لتوحيد صفوفها! ولا سيما أننا أمام مرحلة مصيرية، يتم فيها فرض الحلول، بحسب ميزان قوى الأطراف المتصارعة التي أصبحت قوى احتلال على الأرض السورية، ولم تعد كفّتها راجحة لصالح الثورة التي لا مصلحة لأحد منهم في انتصارها، إلا بقدر ما يتمكن ممثلوها والناطقون باسمها من تجسيد أهدافها ومصالحها، والتعبير عن حجم قوتها المعادلة لحجم ما تمثله في الشارع السوري، بملايينه التي ستبقى تنشد التغيير، ولن تتنازل عنه وعن تحقيق مبادئ الثورة الحقيقية التي انطلقت بقوة دفع تلك الملايين لها، ودفعت أثمانًا باهظة من دماء أبنائها، بهدف تحقيقها.

يجري كل هذا في زمنٍ، ما عاد فيه العالم والقوى الكبرى يحفلون بتطبيق القوانين الإنسانية، ويراعون حقوق الإنسان والقضايا الأخلاقية والمبادئ إلا بالقدر الذي يخدم مصالحهم الذاتية، أو بالقدر الذي تتمكن فيه الشعوب من فرض إرادتها عليهم، وما عادوا مضطرين إلى  التظاهر بالمحافظة على شكلية شعاراتهم التي تدّعي الحرية والديمقراطية ومناصرة بناء الدول المتحضّرة الحرّة، بل العكس هو الصحيح، بحسب ما يرشح من تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي لا تختلف إلا شكليًا عن سياسة سابقه باراك أوباما، حين قال إنه لم يعد مطلوبًا من الجيش الأميركي، بعد الآن، بناء ديمقراطيات في بلاد أجنبية، بقدر ما ستعمل حكومة بلده مع حلفائها على حماية المصالح المشتركة، ولن تفرض بعد اليوم أنظمة حكم معينة أو ما أسماها بـ (عملية بناء الأمة) في بلدان أخرى -كما فرضت ودعمت الدول والأنظمة العسكرية والاستبدادية، طوال العقود السابقة- بل ستنحصر مهمتها في محاربة الإرهابيين وقتلهم، مشيرًا إلى أن الواقعية المبدئية هي التي ستوجه قراراتهم، وليس المبادئ الأخلاقية والإنسانية التي جعلت أميركا قدوةً وحلمًا للحريات والديمقراطية سابقًا، وهو ما يعني أن تلك الواقعية تفترض استكمال دعم تشكيل ميليشيات وقوى مسلحة بديلة للجيوش المُمثِّلة للدول المستقلة والحامية لأمنها وحدودها، باسم مكافحة الإرهاب، بما يُشكِّل بؤر اقتتال دائمة، تقوم على أسس لا وطنية وانتماءات ضيّقة تقسم دينيًا وطائفيًا وعرقيًا وإثنيًا، وتتبع لطرف خارجي لا وطني، بدلًا من الانتماء إلى وطن أو أمة واحدة موحدة، أي بما يُضعف الجميع ولا يسمح بتشكل الدول والأمم الراسخة المستقلة، حتى إنّ ادعائهم، بتقسيم العالم إلى إرهابيين وغير إرهابيين، جاء للتعتيم على الإرهاب الحقيقي للدول بجيوشها المُدمِّرة للبشر والمدن معًا على نطاق أوسع، والذي يعمد إلى إجهاض قضايا الإنسان الحقيقية وحرياته، بحجة وهمية ملتبسة كهذه، هم صناعها الأساسيون، بدءًا بتأسيس القاعدة وتدريب عناصر بن لادن ودعمهم، وانتهاءً بتوزيعها على بلدان كأفغانستان ومعتقلات الأنظمة العربية الاستبدادية؛ للعمل على تدريبها وتفعيلها في أي وقت، تثور فيه الشعوب، وتنتفض على أسيادها -كما حصل في سجن صيدنايا في سورية، قبل إفلاتهم بعد الثورة ليقوموا باختراقها وتشويه معالمها- وها هم الآن يعملون على إعادة تدويرها، بعد أن شارفت مهمتها على الانتهاء في سورية والعراق، حيث تم إعلان التحالف مع الميليشيات المسماة “جيوشًا” في تلك المناطق، لدحر تنظيم (داعش) في مناطق عدة، دون أي تضحية بأي جثة من عناصر التنظيم، ولو من قبيل ذر الرماد في العيون! ليتم الاحتفاظ بهم كخلايا نائمة يُعاد تفعيلها من جديد؛ كلما اقتضت الحاجة إلى تأديب شعب ثائر على استبداد حكامه، أو حتى لتأديب دول كبرى -كما حصل في فرنسا ودول أوروبية أخرى- لا تخضع لسياسة ومصالح القطب الأوحد الذي بات يُحكِم قبضته أكثر فأكثر على الجميع، باسم مكافحة الإرهاب.

لا أعلم باسم أي مكافحة لأي إرهاب تمّت عملية الإنزال الأميركية في دير الزور، لتقوم بنقل وإنقاذ مقاتلين من (داعش) مع عائلاتهم، في 25 آب/ أغسطس 2017، بعد كل ادعاءاتهم بأن تدخّلهم العسكري باسم التحالف هو لضرب (داعش) وقتل عناصرها وإنقاذ البشرية من شرها الفتاك! وبحسب الخبر المُعلن، على إحدى الفضائيات، فإن هذه العملية ليست الأولى من نوعها، فقد سبق أن قاموا بمثلها من قبل، ليعود الشريط الإخباري إلى تعويم الحدث الخطير وتمويهه بعبارة، مفادها أن عملية إنزال أميركية تنقل عملاء سريين! ودون أي إثبات أو احترام لعقول المشاهدين، وذلك بعد أن امتنع التحالف والقوات الأميركية عن إنقاذ الشعب السوري، من إبادة النظام له وقد فاقت بكثير ما قامت به (داعش) من قتل وتدمير، كمًا ونوعًا، وها هم مقاتلو (داعش) يخرجون من القلمون بحماية “حزب الله” مُعزّزين مُكرّمين بحافلات مكيفة ترافقها سيارات إسعاف للهلال الأحمر إلى دير الزور، وليس بالباصات الخضراء التي نزح بها السوريون المُقتَلَعون من أرضهم وبيوتهم لترحيلهم إلى إدلب، ثم إصدار بيانهم القلق على القافلة من إعاقة قوى التحالف لمسيرتهم، بقطع الطرق وتدمير الجسور، وكأن تلك القوى بدورها عاجزة عن الفتك بـ (داعش)، كما تتطلب المهمة التي احتلوا جزءًا من سورية بحجتها، هذا دون أن نذكر كيف تم بالأساس الترويج لهذا التنظيم كقوة هائلة لا تُقهر، حين تحرك الشعب العراقي وعشائره احتجاجًا على ما آلت إليه أوضاعهم؛ فاستنفر الإعلام -بكل طاقته- للإعلان عن اقتراب احتلال (داعش) لبغداد، وطبعًا مع كل “البهارات” الكافية من مشاهد العنف والاغتصاب والخطف والقتل التي تُكرّس الخوف منهم، وأذكر كيف واجه أحد الضيوف، في إحدى الفضائيات العربية، المذيعةَ ونبهها إلى عدد المرات التي ذكرت فيها كلمة (داعش) في الجملة الواحدة، وختم بقوله إن هذه هي الطريقة التي تُكرّس وهمنا بـ (داعش)، بالرغم من أن أعدادهم لم تتجاوز حينذاك بضعة آلاف، وهو الهدف نفسه الذي تحقق من إنتاج وعرض مسلسل مثل (غرابيب سود)، لا سيما بالمقدمة لشارته التي تتكرر يوميًا، كعملية غسلٍ للدماغ، وهي تُعلن ما قيل في الأثر، بما معناه: أن استسلموا لأصحاب الرايات السوداء، ولا تقاوموهم.

ما عاد خافيًا على أحد من هو المُسيطر الأكبر على وسائل الإعلام والإنترنيت التي باتت من أعتى الأسلحة القادرة على حسم المعارك في تاريخنا المعاصر، وموقف الـ (يوتيوب)، في محاولته الأخيرة حذف الأفلام التي تُثبت جرائم النظام، لتبييض صفحته بحجة منع انتشار مواد لمتطرفين إسلاميين، هو خير دليل على ذلك، وإن تم إحباط هذه المحاولة بضغط الاحتجاجات التي أوقفت هذا التزوير للحقائق والتاريخ المكتوبين غالبًا من قبل المُنتصر، وهو ما يُثبت بدوره فلترة الإنترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي، من قبل الجهة المسيطرة عليهم لاستخدامهم في حسم المعارك لصالحها.

هذا التزوير والنفاق السياسي هو جزء من النمط الذي بات سائدًا، في الممارسات السياسية المعاصرة، بشكل لم يعد مستترًا، وهو يؤدي إلى إعاقة أي محاولة لتبني الموقف الواضح والنزيه الذي يعيد الحق لأصحابه، أو ينصف القضية السورية، بما يُكرّس مبادئ حقوق الإنسان، وهو ما يُجسده دور دي ميستورا، تجاه المعارضة السورية المتمثلة بهيئة التفاوض والائتلاف، وذلك برميها في الماء وتحذيرها من أن تبتل! فهل ستخرج المعارضة من هذا “المغطس”، دون أن تبتل! وهل عليها أصلًا أن تقبل وتُشارك بتغميس حتى أطراف الأصابع لجرجرة القدمين، فيما بعد، نحو البلل الحتمي، وهي المعترف بها دوليًا، وما زالت -بالرغم من كل أخطائها وتقصيرها وعثراتها- الممثلَ الوحيد للشعب السوري وثورته أمام منصة لا تمثل إلا ما ثار السوريون لإلغائه؟!

نحن أمام منعطف خطير وامتحان عسير، يصعب توقع نهاياته، ويحتاج إلى تضافر كل الجهود لدعم خيارات الشعب وعدم التفريط بتضحياته، ولا يمكن أن تعود هذه الثورة إلى نقطة الصفر، وخصوصًا أنها لم تقم ترفًا، وتستمر طوال هذا الزمن وبكل تلك التضحيات الباهظة غير المسبوقة لتُسلّم بالعودة إلى واقع الاستبداد الذي كانت عليه، فهل سيكون لهيئة التفاوض والائتلاف الشجاعة والقوة الكافية للاستمرار في تمثيل هذا الشعب ومطالبه، أم أنهما سينهزمان نحو تمثيل القوى المتصارعة على إجهاض تلك الثورة؟ أم أنهما -بالحد الأدنى- سيُسلّمان الرايةَ بشرف، ويعلنان انسحابهما من المتاجرة بدم السوريين وإجهاض حقوقهم، في حال إصرار الدول الداعمة لهما على شراء الضمائر؟ فالخيط واهٍ ورفيع، بين المرونة والدبلوماسية أو التنازل والتفريط.