شركة المصالح السياسية والدينية

ربما كان من الصعوبة بمكان إحصاء ضروب القصور الفكري والسياسي الذي اتسم به فكر وسلوك الجماعات السياسية التي اتخذت في تاريخنا الحديث من “الإسلام” -على قدر وحسب فهمها له في مختلف صوره- وسيلةً للتسلق من أجل الوصول إلى امتلاك ناصية السلطة السياسية، أو، في النهاية، أي سلطة في المجتمع الذي تنشط فيه. وما كان لكل هذه المحاولات أن تجد سبيلها إلى الأمل في تحقيق ما تصبو إليه، لو لم تكن هناك، على امتداد ما يقارب مئة عام، تربة خصبة مواتية، قوامها الأميّة أو الجهل أو السذاجة أو الخبث، أو كل ذلك معًا. لا تقتصر هذه التربة على الجمهور الذي كانت تتوجه إليه هذه الجماعات كي تترعرع وتتمدد، بل شملت أيضًا، وخصوصًا، مختلفَ ضروب التواطؤ التي مارستها، صراحة أو من وراء ستار، هيئاتٌ مختلفة، بدءًا من الحكومات الرسمية، أيًا كانت طبيعتها -ضمن النظم الديمقراطية أو الاستبدادية سواء بسواء- ومرورًا بالهيئات الدينية والأحزاب السياسية” و”العلمانية” منها خصوصًا، وصولًا إلى عدد لا يستهان به من المثقفين “الحداثيين”، ومنهم الكتاب أو الفقهاء المعاصرون أو دعاة “التنوير” الديني “الحداثي”.

لم يكن أهم تجليات ضروب هذا القصور ما نتج عنها في الواقع اليومي المعيش، وتجسَّدَ في إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة في مجتمعاتنا المعاصرة فحسب، بل ما هو أسوأ، أي ما تمثَّلَ في الطرق التي عُولجت بها هذه الإشكالية والتي حددت طبيعتها ضروب من الرقابة مارسها الجميع، بمن فيهم دعاة الديمقراطية واحترام الاختلاف والرأي الآخر.

فقد كان لا بد لأي نقدٍ جديرٍ بهذا الاسم، يتناول سلوك أو فكر مختلف الجماعات الإسلامية أو ما يمت إلى طروحاتها ومصادرها ومطامحها بِصلة ما، من أن يعود إلى إعادة طرح هذه الإشكالية في أصولها التكوينية الأولى، ثم في تجلياتها المتوالية، منذ القرن السابع الميلادي وحتى انهيار آخر دولة عربية في بداية العقد الأخير من القرن الخامس عشر. وكان لا بد لأي نقد، كي يكون جادًا وناجعًا، من أن يُمارَس في جو يفترض فيه وجود الحرّية الفكرية والسياسية المضمونة بالدستور والقوانين نظريًا، وبالممارسة اليومية من قبل من أنيطت بهم مسؤولية السلطة السياسية عمليًا. لكن ما شهدناه كان غياب الطرف الثاني كليًا في المعادلة، أي الطرف العملي، لدى النظم الديمقراطية والاستبدادية التي اكتفت معًا بالجانب النظري، من دون أي تفعيل لنصّه أو لمحتواه.

لم يكن علي عبد الرازق -على سبيل المثال- يستهدف جماعة إسلامية محددة، بقدر ما كان يردُّ، بصورة غير مباشرة، على دعاة الخلافة الإسلامية، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، عندما نشر عام 1925 كتابه (الإسلام وأصول الحكم)، مثيرًا ضده عواصف غضب القصر الملكي، والحكومة، والأزهر الذي كان أحد طلابه ثم أحد علمائه. مُنِعَ الكتاب، وسُرِّحَ مؤلفه من عمله، ونزعت عنه صفة العالم، وأغلق مجال البحث في موضوع الكتاب. كما لم يكن طه حسين يتناول إشكالية السياسة والدين، حين نشر، هو الآخر، كتابه في الفترة نفسها عن (الشعر الجاهلي)، معتبرًا في واحدة من طروحاته، أن القرآن أجدى أن يقدم لنا كل ما يفيد عن حياة العرب الاجتماعية والسياسية والفكرية قبل الإسلام، مما يمكن أن يقدمه لنا الشعر الجاهلي. لكنه واجه، هو الآخر، مصادرة الكتاب والتسريح من الجامعة، والوقوف أمام المحاكم.

سوف يؤلف هذان الحدثان ما يشبه درسًا واضحًا لكل من تسوّل له نفسه، من الكتّاب أو المفكرين أو الفقهاء المعاصرين، الخوض في ما فرضت السلطة الدينية أو السياسية أو كلاهما اعتباره من المحرّمات. وكان لا بدّ من انتظار عقود عدة، قبل أن يجرؤ مفكر آخر، ونعني به نصر حامد أبو زيد، لا على نقد الجماعات الإسلامية التي انتشرت كالفطر في مصر وفي أرجاء العالم العربي، بل على ممارسة حريته في التفكير وفي النقد وفي التأويل على أرض المحرمات التقليدية؛ فقامت سلطة “الرقابة الشعبية”، بدور السلطة الرسمية، واستغلت منفذًا قانونيًا يؤدي إلى اعتباره مرتدًا عن الإسلام، وإلى التفريق، بناء على ذلك، بينه وبين زوجته. لم تفعل السلطة السياسية شيئًا لحمايته، وما كان لها أن تفعل، بحكم طبيعتها أو تواطئها؛ ولا كان كذلك بوسع الأزهر أن يفعل شيئًا -وكيف له أن يفعل- وهو جزء من السلطة السياسية، بلباس ديني. إلا أنه ما كان لهذه “الرقابة الشعبية” أن تجد مجالًا للتأثير أو الفعل، لولا الطريقة التي عوملت بها الجماعات الإسلامية، طوال القرن الماضي، من قبل النظم العربية على اختلافها. صحيح أن هذه الأخيرة حاربتها أو قمعتها تارة، أو أتاحت لها فرص النشاط ضمن حدود ضيقة تارة أخرى. لكن ذلك بقي محصورًا على صعيد سياسي محض. كما لو أن رؤاها الفكرية وتأويلاتها الفقهية، نظرًا وعملًا، كانت تعدّ ضمن المحرمات التي لم تسمح هذه الأنظمة يومًا باختراقها، أي مناقشة مرتكزاتها ومبرراتها. ومن ثمَّ، أمكن أن تقوم، رغم كل المظاهر، “شركة مصالح” بين النظم السياسية العربية والجماعات الإسلامية في بلدانها، وأن تستطيع هذه الشركة، بصورة أو بأخرى، وتحت طائلة القتل أو السجن أو النفي، تثبيتَ هذا الواقع الأخطر في الحياة الفكرية والاجتماعية، في مختلف بلدان العالم العربي، أي أرض المحرمات. وهي أرض لم تقتصر على المجال الديني أو على إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة فحسب، بل شملت كل ما يمت إلى الدين، من أجل الحيلولة تاليًا دون الوصول إلى السياسة.

ولهذا؛ ما تزال كافة الأنظمة العربية، الاستبدادية صراحة أو ضمنًا، تحرِّم كل ما يمكن أن يسهم على أراضيها في التنوير أو في ازدهار الفكر الحر. فالفقهاء المعاصرون يكررون ما كتبه أو قاله أسلافهم، وكان آنئذ صالحًا قبل أكثر من ثمانية قرون؛ وحين يجرؤ مفكر أو مؤرخ على كسر المحرمات أي الثوابت التي قررها هؤلاء الأسلاف، فلا بدّ أن يفعل ذلك خارج حدود بلده، أو أن يبقى ما كتبه حبيس أوراقه عشرات السنين، قبل أن يقوم ناشر جريء بنشره، كما حدث مع كِتاب الشاعر العراقي معروف الرصافي (الشخصية المحمدية) الذي لم يظهر إلى النور إلا قبل سنوات، والذي ما يزال ممنوعًا من التداول في المكتبات، في كل أرجاء العالم العربي. وهو الناشر نفسه الذي نشر أيضًا كتاب المستشرق الألماني تيودور نولدكه (تاريخ القرآن) والذي لا يزال القارئ العربي أيضًا محرومًا من قراءته. وهو الكتاب نفسه الذي اعتمد عليه المستعرب الفرنسي ريجيس بلاشير، حين قام بترجمة القرآن من أجل وضع ملحقٍ لترجمته بالآيات القرآنية، حسب ثيماتها وتسلسل نزولها، وهو عمل مذهل في دقته، مثلما هو غني بدلالاته على مختلف الصعد.

من هنا، نفهم -على سبيل المثال أيضًا- أن ممثل النظام السياسي في سورية لم يكن هو مَنْ حذَّرَ ذات يوم طالبًا تطلّع إلى أن ينشر باللغة العربية رسالتَه التي حررها بالفرنسية، لنيل شهادة الماستر في جامعة باريس، حول (المجتمع العربي في القرآن)، من القيام بذلك، بل كان المحذِّرُ شيخًا يشغل منصب رئيس المحكمة الشرعية الأولى بدمشق، حين قال له، وقد عرف محتوى الكتاب: “والله لئن نشرتها؛ لأحكمنَّ بقطع رأسك شرعًا”.

ما كان بوسعه أن يقول ذلك عام 1973، لو كان متاحًا أن يكتب أحدهم بحرية مثلًا، حول دلالات مفهوم “الناسخ والمنسوخ”، خلال الثلاثة وعشرين عامًا التي دامها وحي القرآن.