الانزلاق إلى ملعب النظام الأسدي

ما نشهده اليوم من سجالات، على صفحات التواصل الاجتماعي، بخصوص الاختلاف في تقييم رموز الثورة السورية وأبطالها، بعد أن رفع البعض من رفع منهم، وهبط بمن هبط، يشير إلى منزلق خطير يدفع إلى الإجهاز على روح الثورة السورية التي رفعت من يومها الأول شعار: الشعب السوري واحد.

البطل الحقيقي هو الشعب السوري الذي خرج إلى الشوارع مُوحّدًا من أجل حريته وكرامته؛ خرج في دمشق ودرعا وحمص واللاذقية والقامشلي وسلميّة وحماة ودير الزور وإدلب والسويداء، وسائر المدن والمناطق السورية، وكان واضحًا أن النظام اتبع استراتيجية “فرّق تسد”، منذ الأيام الأولى، ولعب الإعلام العربي والأجنبي، بجانب مهمّ منه، دورًا متواطئًا -بوعي أو من غير وعي- في لعبة تقسيم الحاضنة الشعبية التي أرادها النظام، منذ الأسابيع الأولى لانطلاقة الانتفاضة السورية الكبرى، في آذار/ مارس 2011، والتي سرعان ما تحوّلت إلى ثورة.

كان التعاطف الشعبي عارمًا، في التضامن مع الألوف التي خرجت تتحدى آلة القمع، وتكسر جدار الصمت، وتجتاز حاجز الخوف، بل أطلقت الانتفاضة ما لدى الشعب السوري من مخزون إيجابي بالتضامن والتعاطف و”الفزعة”، وكان حرص الشباب الشديد، وبخاصة الطلائع الأولى والقادة الحقيقيون للحراك الشعبي، على سلميّة الانتفاضة، وعلى خطابها المُوحِّد كثورة حرية وكرامة، وقد واجهوا الرصاص بالصدور العارية، وتجنّبوا حمل السلاح، كي تتمكن الثورة من النجاح وتتقدم باتجاه أهدافها، وكان سعيهم في احتلال الساحات والوصول إلى حالة من العصيان المدني الشامل هو السبيل لبلوغ أهداف الانتفاضة الجذرية بتغيير النظام، بل بإسقاطه بأقل الخسائر والتضحيات، لكن النظام الأسدي وأعوانه نجحوا تدريجيًا، بعد أكثر من ستة أشهر في زلق الأمور باتجاه تقسيم الحواضن الاجتماعية للشعب السوري، والدفع باتجاه العسكرة التي لا تستطيع قلب موازين القوى، أي الدفع باتجاه الملعب الذي يتفوّق فيه النظام، بترسانته العسكرية المدعومة من غير حدود، وبتفرّده بالقوة النارية والتدميرية الجوية.

لم يتمكن النظام من زلق الأمور إلّا بعد أن تبنّى النظام وحلفاؤه الإيرانيون والروس استراتيجيةً متكاملة متعددة المحاور، عمادُها القمع الوحشي للتظاهرات، وشنُّ حملات اعتقال وتصفية طالت آلاف الناشطين، واعتمادُ خطاب إعلامي “ديماغوجي” يقلب الحقائق، ويرخّص القتل والإجرام تجاه الحاضنة الشعبية العربية السنّية، بالدرجة الأولى، والتي ارتُكبت بحقها أشنع المجازر والجرائم، وإدخالُ “القاعدة” و”داعش”؛ لحرف الصراع عن مظهره الحقيقي، من ثورة شعب -بكل تلاوين مكوناته- في مواجهة نظام فاشي يقمعه وينهب ثرواته وطاقاته، إلى صراع ذي مظهر طائفي يتيح للسلطة الأسدية أكبر توريط للحاضنة الشعبية العلوية، وتحويلها إلى حاضنة لها، وتحييد ما أمكن للحواضن الشعبية الأخرى من غير العرب السنّة في استخدام مقيت لورقة الأقليات، داخليًا وخارجيًا.

الأمثلة كثيرة على ما ذكرت، ليس فقط في الشعارات التي أطلقها المتظاهرون، في الأشهر الأولى، بل في اعتلاء ناشطين ومثقفين وسياسيين، من كل التلاوين السورية، المنصات، ولم تقتصر الأمور على الحالات الشهيرة مثل فدوى سليمان، ومنتهى الأطرش، والشهيد مشعل تمو، بل إن الحشود التي بلغت مئات الألوف في مدينة حماة، في صيف 2011، وكانت تهتف وتُغني مع القاشوش هي نفسها التي شهدت مشاركات واسعة من أبناء الريف، اعتلى منصاتها ناشطون من سهل الغاب ومصياف وسلمية، وعبّرت بقوة عن الوحدة الوطنية والرغبة في إسقاط السياسات التمييزية التي اتبعها النظام، وتسببت في كوارث.

إن التغييب المتعمد للأب باولو، ولرجلي الدين المسيحيَين المطرانيين يوحنا إبراهيم، وبولس اليازجي، ولعبد العزيز الخير، وفائق المير، وإياس عياش، ورجاء الناصر، واختطاف المقدم المنشق حسين هرموش، وكذلك رزان زيتونة، وسميرة خليل، وناظم حمادة، ووائل حمادي، وغيرهم من رموز وأبطال ما زالوا مجهولين، هو حلقة متكاملة لتغييب الوجه الحقيقي للثورة السورية كثورة وطنية ديمقراطية بامتياز، إضافة إلى ما جرى من تثمير (القاعدة) و(داعش)، والاختراقات للقضاء على الجيش الحر وتصفية واستهداف رموزه ضمن عمل ممنهج، للقضاء على الثورة ووأد روحها وسحق الملايين، وتوظيف كل الأجندات الأيديولوجية في خدمة هذا الهدف.

لا شك أن المجتمع الدولي، وبخاصة الدول الكبرى، هو المسؤول الأكبر، بدرجات مختلفة، عن الجرائم المستمرة بحق الشعب السوري، بعد أن تحوّلت سورية إلى ساحة للمساومات الدولية والإقليمية إثر كل التدخلات والاحتلالات، بل إن ما يجري على الساحة السياسية من إغراق للوضع السوري في متاهات، لتعويم نظام الإجرام، يهدف، بالإضافة إلى المصالح الاستراتيجية التي تتعارض مع منظومة القيم الإنسانية، ليس إلى إحباط تطلعات الشعب السوري في نيل حريته وقراره فحسب، بل إلى وأد ربيع الشعوب المتعطشة للتحرر والتقدم.