هل يتقدم النظام؟ أو لماذا يبدو كذلك؟

تشي التطورات الميدانية المتسارعة، ولا سيما بعد سقوط حلب بيد النظام (أواخر العام الماضي)، وتمدده في الجنوب وفي ريفَي حماة وحمص، وصولًا إلى دير الزور، باحتمال تقدم النظام وانحسار نفوذ المعارضة، وهو احتمال صحيح بالقياس إلى تقلص المساحة التي خرجت من سيطرة النظام، وإلى التردي الحاصل في أوضاع فصائل المعارضة، سواء المسلحة أو السياسية أو الميدانية؛ بيد أن هذا الاحتمال يخضع لعدد من العوامل الإشكالية والمتضاربة، يمكن اختصار أهمها في الآتي:

أولًا، أن النظام ما كان له أن يعزّز مكانته، وأن يوسع من مساحة نفوذه، لولا دخول روسيا على خط الصراع السوري بشكل مباشر، بقوتها العسكرية الجوية؛ ذلك أن هذا الوضع هو الذي مكّنه من استعادة توازنه إزاء المعارضة، وتحسين صورته إزاء البيئات المؤيدة له. ويستنتج من ذلك أن قوات إيران، والميليشيات التي تتبع لها (اللبنانية والعراقية والأفغانية والباكستانية)، لم تستطع أن تحسم الصراع ضد المعارضة لصالح النظام إلى الدرجة التي بلغتها روسيا، بفضل سلاحها الجوي.

ثانيًا، من الواضح أن النظام فقَد قدرته على التقرير في الشأن السوري، وفي شأن مصير الصراع الدائر على سورية؛ بسبب استنزافه لقواته وقدراته، وبسبب تغلغل الوجود الإيراني في مختلف مراكز السلطة، وبحكم هيمنة روسيا على مركز القرار السياسي والأمني. وبديهي أن هذه الوضعية المعقدة التي تضغط على المعارضة، تضغط بدورها على النظام، وعلى حليفيه، ولا سيما بخصوص التنافس أو التصارع على الدولة التي تمسك بالورقة السورية، أي إيران أم روسيا؟

ثالثًا، إن المساحة التي استحوذ عليها النظام، في الأشهر الماضية، أتت في أغلبيتها من المناطق التي كانت يسيطر عليها تنظيم (داعش)، في ريفي حلب وحمص، وفي محافظتي دير الزور والرقة، بمعنى أن المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، في الشمال والجنوب السوريين، وفي الوسط في ريف دمشق وحمص، بقيت على حالها، باستثناء ما حصل في حلب. وعلى ذلك؛ فإن التركيز للفترة القادمة سيكون حول الجهة التي ستمسك بريف دير الزور من جهة الحدود مع العراق، والجهة التي ستمسك أو ستقرر مصير محافظة إدلب، فضلًا عن استتباب الوضع في الجنوب، من خلال انصياع إيران وميليشياتها لتوافقات خفض التصعيد في تلك المنطقة.

رابعًا، ما يرجّح الوضع لصالح النظام -على ما يظهر- هو ضعف المعارضة ذاتها، السياسية والعسكرية والمدنية، لا سيّما أن هذه المعارضة لم تفعل ما يتوجب عليها فعله، بخاصة في ما يتعلق بمراجعتها لتجربة الثورة السورية، في كل مساراتها، وأيضًا في مراجعتها النقدية لأحوالها، أين أصابت، وأين أخطأت، وما الذي كان يتوجب عليها فعله. فمن الواضح أن هذه المعارضة لم تفعل شيئًا يُذكر، لا على صعيد استعادة ثقة شعبها بها، ولا على صعيد إعادة بناء كياناتها، ولا على صعيد توحيد جهدها العسكري، وضمن ذلك استمرارها على الارتهان للقوى الخارجية، أي لسياساتها وتوظيفاتها، علمًا أن هذه القوى لم تقدم شيئا للمعارضة، بالتوازي مع ما قدّمه له حليفيه الروسي والإيراني؛ ما يوضح الفجوة الهائلة في تعاطي الوضعَين الدولي والإقليمي، مع طرفَي الصراع السوري: النظام والمعارضة.

هكذا، فإن التشخيص الأساسي للحالة السورية اليوم، هو كما كان في السابق، منذ ثلاث سنوات (بعد اتفاق الكيماوي)، مع الأخذ بالاعتبار القرار الدولي والإقليمي المتعلق بإخراج (داعش)، وحتى (جبهة النصرة)، من الصراع السوري.

ثمة عدة استنتاجات من ذلك، أوّلها أن القوى الدولية والإقليمية تتجه إلى الحفاظ على نوع من التوازن بين النظام والمعارضة، إذ لا يوجد منتصر ولا منهزم، وبالتالي لا وجود لرابحين، أي أن كلا الطرفين خاسر؛ ما يفسّر أن القرار في شأن تجميد أو تحريك الصراع السوري، بالشكل السياسي أو العسكري هو في أيدي القوى الخارجية. ثانيًا، يمكن ملاحظة أن القوى الدولية والإقليمية الفاعلة باتت تميل إلى تبريد الصراع، وإيجاد توافقات بينية لتحديد ملامح سوريا المقبلة، بدءًا من اتفاقات مناطق خفض التصعيد، وصولًا إلى المفاوضات الدائرة في جنيف، والتي يمكن أن تأخذ أشكالًا أكثر عملية مستقبلًا. ثالثًا، قد يمكن التكهن بأن المناطق التي قد تبقى ساخنة في الصراع السوري مستقبلًا، هي في منطقة الحدود السورية العراقية، أي ريف دير الزور، وفي منطقة إدلب، في حال بقيت (جبهة النصرة) على مواقفها، أما المناطق الأخرى؛ فعلى الأرجح سيتم الحفاظ على الوضع الراهن فيها. رابعًا، تبقى المناطق التي تخضع لـ (قوات سورية الديمقراطية)، وهذا ملف يفترض بالمعارضة السورية تداركه، بإيجاد مقاربة وطنية ديمقراطية للمسألة الكردية في سورية، بعيدًا عن التجاذبات والتوظيفات الإقليمية.

ثمة مرحلة صراعية جديدة، يجري تحديدها في سورية، ويؤمل أن تجد المعارضة الطريقة التي تراجع فيها التجربة الماضية، مراجعة نقدية وشجاعة ومسؤولة وعلنية، كي تستطيع استعادة ثقة شعبها بها، وكي تستطيع الدفاع عن مصالح وحقوق السوريين في التجاذبات الدولية والإقليمية في سورية المقبلة.