شيء من سوسيولوجيا المجتمع السوري المتجانس

لم يعد أي مجتمع في العصر الحالي، بالمفهوم السوسيولوجي، بنية واحدة متجانسة، أو وحدة واحدة مترابطة، وإنما هو -أي المجتمع المعاصر- مجموعة من البنى المتعددة، أو الشرائح أو الطبقات المختلفة، ولكل شريحة أو طبقة عالمها الخاص، لها قيمها وثقافتها التي تحكمها، وفقًا لمنطقها الخاص.

وكون هذا المجتمع المعاصر أو ذاك غير متجانس اجتماعيًا، دينيًا، ثقافيًا، سياسيًا، اقتصاديًا أو مهنيًا، وبالتالي معيشيًا؛ فمن الطبيعي أن يكون هناك اختلافات وتمايزات بين أفراده، بل من الطبيعي وجود صراعات، هدفها الحصول على الحد الأقصى من السيادة داخل الشريحة الاجتماعية أو الطبقة الواحدة. بل إن الفيلسوف الإنكليزي هيربرت سبنسر (1820 – 1903) قد حدّد أحد جوانب التطور في كتابه (المبادئ الأولى) بـ “الانتقال من التماثل إلى اللا تماثل، من التجانس إلى اللاتجانس”.

في هذا الوقت، يحضر بشار الأسد كرئيس دولة -ليس كسوسيولوجي بالتأكيد- ليتحدث عن أحد إنجازاته، بنقل المجتمع السوري من حالة اللا تجانس إلى حالة التجانس، في فترة السنوات السبع (2011 – 2017) من الثورة السورية على سلطته الاستبدادية، من خلال تدمير بنيته التحتية، وقتل نحو مليون شاب من خيرة الشباب السوري، وتهجير أكثر من عشرة ملايين مواطن سوري إلى كل أصقاع الكرة الأرضية، وإخفاء الآلاف من السوريين قسريًا في السجون والمعتقلات السرية، وقد سبق أن مّهد -بشار الأسد- في خطابات سابقة، وتحديدًا في السنة الأولى من الثورة السورية، وتحديدًا في المرحلة السلمية، عندما وصف المعارضين المتظاهرين ضد استبداده بـ “الجراثيم”، وبالمفهوم الطبي، من الضروري إبادتهم والتخلص منهم للوصول إلى جسم معافى من المرض، أي مجتمع خالٍ من المتظاهرين المعارضين، غير المتجانسين مع النظام.

أما مفهوم بشار الأسد للمجتمع السوري المتجانس، فهو في خضوع أفراد المجتمع السوري كافة لسلطته الاستبدادية بالقوة، ليس فقط من خلال إجبارهم على فعل الأشياء التي ترغبها سلطته، بل من خلال إجبارهم على التفكير والإحساس والإيمان بأشياء معينة، وأن يثمنوا غاليًا أشياء بعينها ويبخسوا غيرها؛ بما يجعل هؤلاء الأفراد تابعين لسلطته في تحديد مصالحهم وأولوياتهم، أي فرض إرادة السلطة على المواطنين وقهر مقاومتهم لتحقيق أهدافها، وبمعنى مكثف، القدرة على تشكيل حياة هؤلاء الأشخاص السوريين من خلال استخدام الرموز الأسدية السلطوية دون غيرها، حتى ينالوا صفة الأشخاص المحترمين، العاملين تحت سقف الوطن المتجانس، الذين لم ينكروا مكرمات القائد.. إلخ.

العلاقة، بين سلطة المجتمع المتجانس والأفراد، هي علاقة رأسية بطبيعتها، تكون من الأعلى إلى الأسفل، والأعلى هنا هو السلطة أو من ينوب عنها في الحالة الراهنة لسورية على أرض الواقع من ممثلي الاحتلالات الروسية، الأميركية، الإيرانية، والأفراد السوريين الذين عليهم تقديم الطاعة المطلقة لهؤلاء.

أما ثقافة المجتمع السوري المتجانس، فهي ثقافة رافضة للتعدد والتنوع، تقوم أساسًا على فكرة الطرد، فهي في الجوهر ثقافة طاردة للآخرين، ونافية للآخرين كشركاء، أو كبديل لها، وحتى كمجاور يحمل تصورات للحياة لا تتجانس مع ثقافة السلطة، ثقافة نحتت تماثيل الأسد الأب والابن، والبسطار العسكري في ساحات المدن السورية. إنها ثقافة نظام استبدادي، يرتدي اللباس العلماني على جسم سياسي طائفي بامتياز، يتحالف مع نظام ديني مذهبي (إيران)، وينسق مع كل الميليشيات المذهبية الإرهابية (حزب الله، الحشد الشعبي… إلخ) ويُنجز مصالحات يومية مع تنظيمات إرهابية متطرفة، ثقافة اعتمدت خطاب الكراهية للآخرين غير المتجانسين مع النظام الاستبدادي، ثقافة تصدر من مواقع رسمية، بل عن رئيس “الدولة”، الذي يُفترض أن يكون رئيس الجميع، بينما ارتضى لنفسه وسعى لأن يكون رئيس المتجانسين معه فحسب.

يتميز المجتمع السوري المتجانس، بالمجتمع السلطوي الذي أنتج -وما زال ينتج- أفرادًا لديهم الاستعداد الكبير للخضوع والتبعية لأسيادهم، ويعبرون عن إعجابهم الشديد بالسلطة، وحبهم الأعمى لها، إنهم يتلذذون بالإذلال إلى درجة تقبيل البساطير السوداء، وقد شاهدنا بعضهم، عبر وسائل الإعلام، يُقبّل البسطار العسكري. إن أفضل تعبير عن علاقة هؤلاء المتجانسين مع السلطة الاستبدادية هو علاقة العبد بالسيد؛ إذ يكفي أن يقدم السيد للعبد حدًا معينًا من الطعام والحماية، لكي يعتبر العبد ذلك مبررًا لحبه وإعجابه بسيده، حتى لو كان سيده أبله.

في الوقت نفسه، يُبدي هؤلاء المعجبون بالسلطة والبسطار ميلًا عدوانيًا واضحًا، تجاه الآخرين الرافضين تقبيل البساطير، على أساس أنهم أضعف منهم، من هنا جاء اشتراط مهدي دخل الله –عضو القيادة القطرية لحزب البعث– مؤخرًا، في مقال له في جريدة (الوطن) السورية، أنّ على من يرغبون في العودة إلى حضن الأسد، من المعارضين الذين ربما يصبحون منافسين لـ “دخل الله” على الجلوس في هذا الحضن الدافئ بالنسبة إليه، عليهم تقبيل أقرب بسطار جندي سوري على شاشات الإعلام. وبهذا يُقنع “دخل الله” نفسه بأنه أفضل منزلة من المعارضين العائدين، والمنافسين له، كونه يقبل بسطار القادة، وليس الجنود.

نتيجة لما يتعرض له هؤلاء المتجانسون، بسبب جلوسهم الطويل في حضن السلطة، من قمع دائم، يحدث لديهم نوع من التوتر النفسي؛ لا يستطيعون التخلص منه بتوجيهه إلى مصدر التوتر -أي إلى حضن السلطة وممثليها- وإنما يسقطونه على الآخرين، الأضعف منهم، إنهم يتسمون بالشخصيّة المازوشية، فمن ناحية تبدي هذه الشخصية حبًا مطلقًا للسلطة التي تخضع لها، وفي الوقت نفسه تظهر نزعة عدوانية صريحة إزاء من تعتبرهم أضعف منها.

نظرية المجتمع المتجانس، لدى الأسد، ليست بالاختراع الجديد، وإنما سبق أن جربها هتلر في مفهومه للشعب النقي، وما نتج عن هذه النظرية من قتل عشرات الملايين على امتداد العالم، والجميع يعرف نهاية هتلر، وقبل هتلر جربتها معظم المجتمعات الأوروبية في القرن السابع عشر، في حروبها الطائفية، حيث دفعت ثمنًا باهظًا، يشبه الثمن الذي دفعه الشعب السوري في ثورته ضد النظام الاستبدادي، ولم تنجح الحروب الأوروبية بفرض التجانس الاجتماعي الطائفي، بل ساد التعصب الذي قاد إلى الصراع والتقاتل والحروب الأهلية في أنحاء أوروبا، وبعد كل هذه الحروب التي كان هدفها التجانس الديني الطائفي؛ كانت في النهاية الدولة الوطنية الحديثة، دولة التعددية السياسة الداخلية، دولة التسامح المبنية على التعددية السياسية والدينية، حيث أخذ التعايش التعددي مكانَ التقاتل التجانسي داخليًا، وسادت مسيرة الثقافة الإنسانية في أوروبا على الصعد كافة.

أما مفهوم المجتمع السوري المستقبلي، سوسيولوجيا، فهو مجتمع متحرر من الاستبداد، غير متجانس قوميًا، سياسيًا، ثقافيًا ودينيًا، حيث الحضن السوري الدافئ يتسع للسوريين المتعددين قوميًا، دينيًا، مذهبيًا، سياسيًا، ثقافيًا، كلّهم، وحيث تزين ساحاتِ الوطن تماثيلُ شهداء الحرية وكتّابِ الوطن وأدبائه ومبدعيه كافة.