خطاب الكرامة

سأسمي خطاب الأسد الأخير بـ “خطاب الكرامة”؛ فهو -من وجهة نظر القوة المحضة- خطابٌ مليء بغبطة النصر الاستراتيجي الذي حققه محور المقاومة حتى الآن. ومحور المقاومة هذا يمكن رؤيته على أكثر من مستوى وبأكثر من طريقة، بحيث لم يعد يقتصر على ثلاثية إيران والنظام السوري و”حزب الله”، منذ زمن بعيد، فعلى اعتبار سورية هي ميدان مُكثّف وصغير لمعارك دولية -سياسية وعسكرية- كبيرة، يمكن إضافة ثلاثية المقاومة إلى روسيا والصين؛ فيصبح النصر السياسي خماسيًا، ضد “الإمبريالية وحلفائها الرجعيين”. ويمكن اعتباره -بنظرة هنتغتونية- نصرًا سياسيًا و”عسكريًا” للمحور الشيعي وبعض “حلفائه” من الأقليات، ضد المحور السنّي المبعثر والمتصارع والفاقد للمركزية. كما يمكن اعتباره نصرًا رمزيًا لنموذج الأسد، بما يمثله من تكثيف شديد وعالمي لانتصار الأنظمة ضد الشعوب، والعنجهية العسكرية ضد المجتمعات المدنية، والاستبداد ضد الديمقراطية، وبهذا المعنى الثالث للانتصار، يتداخل انتصار محور المقاومة مع انتصار أعدائه المفترضين؛ ليصبحا معًا “في خندق واحد”، ضد كل ما يمثل الشعب والديمقراطية والمجتمع المدني، أو حقوق الإنسان وحرية الصحافة وغيرها؛ فيصير ترامب شريكًا لبوتين بتبعية ماكرون، والسعودية شريكةً لإيران بتبعية مصر، والجميع شركاء في الحرب الكونية ضد الإرهاب، تلك الحرب التي ليست وظيفتها سوى تغذية الإرهاب وصناعته؛ والمشاركة فيه أحيانًا، وليست نتائجها سوى الحرب الحقيقية على الشعوب وعلى الديمقراطية، ومنع تلك الشعوب من مجرد التفكير في الانتفاض والثورة.

مثَّل خطاب الأسد -بهذا المعنى- انتصارًا قويًا للكرامة، كرامة السلطة ضد كرامة المجتمع والأفراد والرأي الحر، كرامة البلطجي عندما يغلق حارةً بالسلاح، ويتباهى أمام زملائه ومنافسيه البلطجية، كرامة الداعشي عندما ينتشي بقطع رأس أحد “الكفار”، كرامة المُغتصِب الذي يكافئه “القانون” بتزويجه ضحيته.

فما معنى الكرامة هنا سوى أن تسحق خمسة عشر مليون إنسان، بين لاجئ ونازح ومفقود وقتيل، وتبقى رئيسًا شرعيًا تُحاضر في السياسة الدولية، وفي معنى الوطن والوطنية والكرامة! ما معنى الكرامة سوى أن تنتصر في حرب إبادة جماعية ضد شعب أعزل، وتصنع مجتمعًا أكثر تجانسًا، ومنقّى من العملاء والخونة والإرهابيين الذي خرجوا في ثورة سموها، بطريقة منفصلة عن الواقع، “ثورة الكرامة”، في عالم سياسي ليس فقط بلا كرامة، بل بات كل ما يخص القيم فيه هو من اختصاص الأطفال والمبتدئين في السياسة.

في بداية الثورة، لم يبق سياسي صغير أو كبير حول العالم إلا ووصف الأسد بأنه منفصل عن الواقع، ثم في لقاء صحفي منذ شهر مع نيكولاس فان دام، الكاتب والديبلوماسي الهولندي الشهير، وصاحب كتاب (الصراع على السلطة في سورية)، وصف السياسة الأوروبية في سورية بأنها “سياسة خيالية وغير واقعية”. بين الوصفين 7 سنوات من القتل وحقيقة مترابطة، رفع الأسد خلال 7 سنوات الواقع السوري إلى مستوى الخيال واللامعقول، بدلًا من أن ينزل هو إلى واقع الاعتراف بالثورة، بينما انتقل ما كان واقعيًا قبل 7 سنوات في السياسة الدولية من مطالبة الأسد بالرحيل والاعتراف بالواقع إلى مستوى المطلب الخيالي.

هذا الانقلاب الكلي في السياسة الدولية، حيث انقلب الواقعي إلى خيالي والخيالي إلى “سياسة واقعية”، وواقع علينا الاعتراف به، أو على السياسة الأوروبية الاعتراف به؛ كما عبر فان دام، ليس سوى انقلاب كلي يشمل -في ما يشمله- مفهومَ الكرامة، فالمطالِبون بالحرية والكرامة والديمقراطية والحدود الدنيا للعدالة وحقوق البشر وغيرها، ليسوا أكثر من خياليين وخارج التاريخ، الواقع هو أن الكرامة في السحق والبطش والشوفينية وانتصار العنصرية، الكرامة هي في تأديب السوريين وكل الشعوب المحيطة، في حال فكروا بالثورات، الكرامة هي تأديب السياسيين الغربيين “الحمقى” (على ما وصفهم الأسد في خطابه)، عندما يريدون التآمر على سورية.

يحق للأسد أن يسمّي خطابه “خطاب الكرامة”، في عالم ظنّه هيغل يمضي من حرية الواحد إلى حرية الجميع، وظنّه كانط مدانًا، إن وافق علنيًا على مقتل طفل واحد، وظنّه السوريون عالَمًا لن يسمح بمقتل مليون منهم، علانية وأمام الكاميرات والأقمار الصناعية المتطورة. في عالم يضع البوط العسكري فوق رأسه، أو يقف على رأسه منتعلًا البوط العسكري، سيوافق الأسد على استعادة مفهوم الثورة أيضًا، بعد أن أصبحت “ثورة الجيش ضد الإرهابيين”، وذلك استباقًا للمرحلة السورية العالمية القادمة، والتي قد يكون شعارها: “يا جيوش العالم اتحدوا”!