في أهمية الحوار بين الإسلاميين والليبرالين(*)

 

لئن كان الحوار بذاته ليس جديدًا، إلا أنّ أرضية جديدة تشكّلت إثر تصاعد نزعات التطرف وأعمال الإرهاب، اللذين تركا بصماتهما على خارطة العلاقات الدولية، بما فيها الجوانب الثقافية. إذ أصبحت الدعوة إلى حوار الثقافات والأديان تمثّل القاسم المشترك بين الكثير من المثقفين ورجال السياسة والدين والمفكرين.

وبدلًا من المزاعم الخرقاء، عن اختلاف الحضارات المعاصرة وصراعاتها المزعومة، ينبغي التحرّك للكشف عن المضامين المشتركة الكامنة في أغلب ثقافات الجنس البشري، والتي تنشد حرية الإنسان وانتصاره المتلاحق على اختناقات الضرورات المختلفة.

ومن هنا؛ فإنّ الحوار، بين الإسلاميين والليبراليين، يعني إدخال كل تجارب الحياة داخل مجال النظر والتأمل، إنها المقاربة التي لا تكترث للانتماء الكلي الذي يدمج حقائق الجزئيات بقالب لفظي، إنها مقاربة ميكرو-ثقافية، لا تقيس الثقافات بحجم صخبها، بقدر ما تسجل تجارب إنسانية، يكون داخل كل منها إنسان آخر وحياة جديدة.

إنّ الحوار يفترض وجود حدٍّ أدنى من المرجعية المشتركة، وإن القيم التي تشكل مرجعية هذا الحوار وحافزه ليست اليوم شيئًا آخر سوى القيم التي عمّمتها الحضارة الحديثة، وعمّقت مفاهيمها، أعني قيم الحرية والعدالة والمساواة بين جميع البشر، شعوبًا وأفرادًا على حدٍّ سواء. وهذا يعني أنّ الحوار لا يدور في إطار الخصوصيات القومية أو الثقافية، ولكن في إطار المشترك الحضاري، أي القواعد والمعايير والقيم التي يقبل الجميع النظر إليها، باعتبارها قاسمًا مشتركًا مقبولًا من جميع أو أغلب المجتمعات البشرية.

ولعلَّ منبع تجدّد الإشكال اليوم راجعٌ إلى تصادم حقيقتين بارزتين هما: أولًا، الالتزام الجماعي بمقتضيات الكونية الناتجة عن مسار تَوَحُّد البشرية واقتران مصاير أبنائها، من خلال الثورة الاتصالية والاندراج في الاقتصاد العالمي. وثانيًا، الإقرار النظري والمعياري بحق الإسلام والليبرالية في الاختلاف والتمايز وتماثلهما، من حيث القيمة والمشروعية. والواقع أنّ مكمن الإشكال عائد إلى صعوبة صياغة تأليفية لهاتين الحقيقتين.

إنّ حوار الإسلام والليبرالية يستدعي النظر بمنظور كوني إلى واقع العالم، لا الانزواء داخل ذاتيات متضخّمة تحجب التعرّف على خارطة العالم البشرية، وتعيق فهم الذات على حقيقتها. أي ليست إشكالية الحوار في استعادة كل منهما موقعه الضائع ودوره المفقود، في شبكة علاقات القوة التي لا حصر لها في العالم، أو الدخول في سجال قِيَمِيٍّ أو تبارٍ أيديولوجي بينهما.

غير أنّ ذلك لا ينفي أنّ هناك لحظات تاريخية فاصلة، تشتد فيها الحاجة إلى اكتشاف الآخر؛ فقد برزت الحاجة إلى اكتشاف الغرب لدى المفكرين العرب في بداية النهضة العربية الحديثة، عقب غزو نابليون بونابرت لمصر في حملته المعروفة، وبروز تقدم الأنموذج الحضاري الغربي، إذا ما قورن بوضعية التأخر التي كانت ترسف فيها المجتمعات العربية في ذلك الحين. ولهذا كان سؤال النهضة الأولى: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟

يجدر بنا اليوم أن نتعلّم من رواد نهضتنا العربية الحديثة، وأن نقلع عن تحميل مسؤولية عجزنا وتأخرنا على الآخر الغربي، فإذا نسبنا مسؤولية كل ما نتعرض له من إجحاف وظلم إلى الآخرين؛ فلن يكون من الممكن أن نحدد لأنفسنا مهامّ خاصة بنا، وسنظل أسرى منطق دائري؛ يجعلنا نعكف على انتظار الخلاص بالصدفة. بينما المطلوب أن نتحرر من هذه النزعة، وأن نجري تغيّرات جوهرية، تتضمن -قبل كل شيء- الاعتراف بمسؤوليتنا المباشرة عن أوضاعنا الراهنة وعن مصايرنا، ومن ثمَّ عن المعطيات الأساسية لمستقبلنا في الإطار العالمي.

إنّ الخطاب الإسلامي المعاصر الذي ينظر -في بعض أنماطه المرجعية- إلى الحضارة الغربية، باعتبارها حضارة مادية لا يجوز الاقتباس من أفكارها، هو خطاب مضادٌّ لعملية الحوار التي دارت طوال التاريخ. وعندئذ، لا بدَّ من التمييز بين نوعين من الوعي الإسلامي: وعي ماضوي تقليدي، ووعي مستقبلي استشرافي. الوعي الأول وعي أصولي، نقلي، يحاول أن يشدَّ حياتنا إلى الوراء، وذلك على نحو يغدو معه سؤال المستقبل سؤالًا غائبًا في حياتنا، وليس عنصرًا تكوينيًا من عناصرها الحيوية.

وأما الوعي الثاني فهو نقيض الوعي الأول، لأنه وعي يقيس الحاضر في حركته إلى المستقبل، ولا ينشغل بالماضي إلا بوصفه عنصرًا من عناصر الحاضر الذي يقبل التحوّل والتطور والمساءلة؛ ولذلك فهو وعي حداثي بالضرورة، وتجريبيته هي الوجه الآخر من نسبية اجتهـاده، فهو وعي لا يعرف الحلول الجاهزة أو الإجابات المسبقة، ولا يؤمن بالمطلقات الإنسانية التي تشلُّ الحركة، أو الدوائر المغلقة للفكر. وسؤال المستقبل عنصر تكويني في هذا الوعي وعلامة عليه، سواء في حرصه على الارتقاء بالإنسان من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، أو الانتقال بالمجتمع من وهاد التأخر إلى ذرى التقدم.

وهكذا، يبدو واضحًا أننا أحوج ما نكون إلى عملية إحياء ثقافي، فثقافتنا الراهنة تمرُّ بمرحلة انحطاط وردّة واضحين؛ فهناك تراجع عن التفكير المستقبلي لفائدة التفكير الماضوي، الذي يجهد في محاولة إرجاعنا إلى العصور المظلمة، ويحفّزنا على التشبث بمرجعية ماضوية، وكأن الماضي ينبغي أن يحكم الحاضر والمستقبل.

_________________

(*) مختصر لورقة قدمتها في ندوة مركز حرمون للدراسات المعاصرة/ صالون الكواكبي، في إسطنبول، يومي 20 و21 آب/ أغسطس 2017، حول “الإسلام والليبرالية”.