حول الخطاب الإقصائي

لا ينطوي الحديث عن خطاب النظام السوري العنصري والإقصائي والإجرامي، على أي أهمية تُذكر، نظرًا إلى مدى تطابق هذا الخطاب مع منهجية النظام وممارساته، تجاه الحركة الثورية السورية، منذ يومها الأول، بالرغم من سلمية الحركة الثورية، وفقًا لاعتراف رأس النظام لاحقًا، ونظرًا كذلك إلى فقدان النظام أي احتمال لقدرته على استعادة جزءٍ يسيرٍ من شرعيته الجماهرية التي سقطت على خلفية ممارساته الإجرامية العديدة. لكن لا بدّ من وضع حد نهائي لأي خطاب إقصائي معارض، تجاه ما يتم تعريفه -إعلاميًا- بـ “حاضنة النظام الاجتماعية”، دون التدقيق بثنايا وخفايا هذه الحاضنة الحقيقية، وذلك انطلاقًا في البداية من كون الثورة السورية -كأي حركة ثورية- هي حركة جماعية ووطنية، تستهدف بناء وطن يمثل مصالح السوريين جميعًا، دون تمييز عرقي أو إثني أو سياسي، وثانيًا نتيجة لحاجة السوريين الملحة اليوم إلى وحدة العمل والنضال الوطني، على خلفية تعدد وتنوع قوى الاحتلال الخارجية منها والمحلية. مع الأخذ بالحسبان أنّ على أي خطاب أو جهد سياسي، يعمل على توحيد المجتمع السوري اليوم، أنْ ينطلق من استبعاد كامل للشرائح الاجتماعية الانتهازية التي تعبّر عن مصالح القوى المحتلة، الأسدية منها والدولية أو الإقليمية، ونظرائهم من السائرين مع التيار السائد، خدمة لمصالحهم الشخصية الضيقة.

يدفعنا هذا في البداية إلى تفكيك مكونات الحاضنة الاجتماعية؛ ما يُزيل -عن قصد أو دون قصد- جميعَ الفوارق السياسية والأخلاقية والمصلحية، داخل هذه الحاضنة أو تلك، وبالحديث عن حاضنة الثورة الاجتماعية، نجد أن هذه الحاضنة تعرضت لاختراق قوى الثورة المضادة المعبرة عن مصالحها الشخصية ومصالح داعميها الدوليين والإقليمين، حتى تمكنت لاحقًا، نتيجة لجملة من العوامل من السيطرة المطلقة، من تمثيل الثورة السورية وتمثيل حاضنتها الاجتماعية متسلحة بقواها العسكرية والإعلامية والمالية الكبيرة، على الرغم من جميع التحركات الفردية والجماعية الهادفة إلى فضح هذه القوى وإسقاطها، بغية استعادة الثائرين لتمثيل ثورتهم وأهدافهم، وقد نجحت تلك الحركات في فضحهم، إلا أنها لم تنجح في استعادة تمثيل الثورة.

في المقابل، يمكننا ملاحظة مجموعات اجتماعية أو سياسية متعددة ومتناقضة، ضمن ما يدعوه الإعلام بـ “حاضنة النظام الاجتماعية”، فهناك من أجبرته الظروف الحياتية الصعبة والقاسية على البقاء ضمن مناطق نفوذ النظام، مع اضطراره إلى كبت مواقفه ومشاعره المضادة للنظام، خوفًا من ثمن التعبير، مع ضرورة الاعتراف بشجاعة ومخاطرة البعض، ممن استمروا في العمل ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية وأحيانًا الخدمية، وحاولوا -وفق إمكاناتهم وظروفهم- حمايةَ المدنيين وحماية الثورة، وأحيانًا الكشف عن كذب النظام وجرائمه، ولنا في إعدام قوات الأسد مؤخرًا لعسكري في جيش النظام، (بعد اكتشاف أنه كان يقوم بتفكيك الصاعق المتفجر في صواريخ الفيل، قبل إطلاقها على الغوطة الشرقية) مثالٌ على وطنية وإنسانية الكثيرين، ممن لم نسمع عنهم. وهناك من عبّر بوضوح عن مقدار التشابه الكبير بين النظام الأسدي والقوى المسيطرة على تمثيل المعارضة سياسيًا وعسكريًا -قوى الثورة المضادة- ليدفعه هذا التشابه أو التطابق، مع ملاحظة اختلاف الإمكانات بينهما والتي تميل لصالح النظام، إلى عدم الوقوف مع أيٍّ من الطرفين؛ وهو ما صبّ في صالح النظام، بدلًا من الدفاع عن قوى الثورة الحقيقية المغدورة من جميع الأطراف. وهناك من تعامل مع الثورة -منذ يومها الأول- انطلاقًا من المخاوف الطائفية التي روج لها النظام، وافتعلها في كثير من الأحيان؛ ومن ثمّ ثبتتها، وأكدتها قوى الثورة المضادة، عبر ممارستها وخطابها الطائفيين والإقصائيين؛ لتشكل جموع هذه الفئات والمجموعات الجزء الأكبر مما يدعى بـ “حاضنة النظام الاجتماعية”، على الرغم من كون مصالحها وغاياتها وتطلعاتها تنسجم انسجامًا كاملًا مع أهداف وتطلعات الثورة السورية الحقيقية التي تمكنت قوى الثورة المضادة من طمس ملامحها، وتهميش جميع الجهود المبذولة، لاستقطاب هذه الفئات وتوحيدها اجتماعيًا ونضاليًا مع نظرائهم من الفئات الاجتماعية الثائرة من أجل بناء دولة لكل السوريين، دولة تسودها قيم العدالة والمساواة والحرية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

بينما تشكل الجموع الشعبية الباقية الكتلةَ الأصغر والأقل تأثيرًا في وحدة المجتمع السوري، سواء هؤلاء الذين ارتبطت مصالحهم المباشرة بمصالح النظام، وتحولوا إلى مرتزقة وأدوات إجرامية يستخدمها النظام كيفما شاء، أو نظراؤهم ممن تحولوا إلى أدوات في أيدي القوى الدولية والإقليمية المحتلة لسورية، ينصاعون لأوامرهم وينفذون أجنداتهم المتناقضة جذريًا مع أهداف الثورة السورية وتطلعاتها.

وهو ما يفرض علينا تبني خطاب وطني وثوري يسهم في إعادة تنظيم الاصطفاف الاجتماعي السوري، على أساس حماية سورية أرضًا وشعبًا، والدفاع عنها ضد جميع قوى الاحتلال الداخلية والخارجية، بغض النظر عن خطاب هذا الاحتلال أو ذاك، وهو ما يعني فضح جميع ممارسات القوى المحتلة المحلية والخارجية على قدم المساواة. كما لا بد أن يستند الخطاب الوطني كذلك إلى الرؤية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمرحلة بناء الدولة، ما بعد إنجاز مهمة التحرر الوطني من جميع قوى الاحتلال المذكورة، هذه الرؤية التي يجب أن تعيد الاعتبار إلى أهداف الشعب السوري الرئيسية والأهداف الأولى للثورة السورية، الأهداف التي نجح النظام وقوى الثورة المضادة وقوى الاحتلال الدولية في طمسها وحجبها طويلًا، والتي تنطلق من بناء دولة المواطنة الكاملة، من دون تمييز بين السوريين عرقيًا أو إثنيًا أو طائفيًا؛ لتحقق المساواة في الحقوق بين الجميع. كما تهدف إلى بناء اقتصاد سوري منتج ومتطور صناعيًا وزراعيًا، يضمن توفير فرص العمل ورفد الدخل الوطني ماليًا، لاستكمال مشروع التنمية، بالإضافة إلى تحقيق الاعتماد على المنتج المحلي وجودته؛ ما ينهي سياسة النظام الأسدي الاقتصادية التابعة والقائمة على اعتماد الدولة والمجتمع على استيراد جميع المنتجات الرئيسية والثانوية من الخارج، عبر المافيا الحاكمة ذاتها، وأخيرًا استثمار العائدات المالية من مؤسسات الإنتاج المحلية، ومن حركة تصدير بعض الثروات الطبيعية السورية وعائدات الحركة السياحية أيضًا، في تنمية وتطوير المجتمع السوري علميًا وخدميًا، ولا سيما قطاع الصحة، وبنيويًا عبر تطوير البنية التحتية، بما يتناسب مع تحول سورية إلى دولة منتجة ومتطورة صناعيًا؛ ما يكفل حلّ جملة من مشكلات سورية الحالية، ويكفل قدرتها على بناء وطن مستقل وحر الإرادة والقرار.

لا بد لأي حركة ثورية من توحيد جميع المظلومين والمسحوقين طبقيًا واجتماعيًا، من أجل نجاح الثورة وتحقيق أهدافها الوطنية، بينما يشكل واقع الاحتلالات المتعددة دافعًا أكبر لتوحد وطني وثوري سوري؛ من أجل إنجاز مرحلة التحرر الوطني وإنجاز الأهداف الثورية لاحقًا.