فجوة العالم المعاصر وانهيار القيم

توطئة:

بدءًا من الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، مرورًا بالكساد العظيم الذي بدأ عام 1929 في الولايات المتحدة الأميركية، وامتدت آثاره إلى أوروبا والعالم، لمدة عقد تقريبًا، وصولًا إلى الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، كانت تواجه العالَمَ الرأسمالي في مراكزه المتقدمة تحدياتٌ قوية، ربما تكون آثارها الكارثية -على أوروبا تحديدًا- قد مهدت لظهور عقول سياسية كبيرة، حاولت الخروج من ذلك.

ربما بتأثير هذه العقول، بدأ التفكير بإنشاء هيئة الأمم المتحدة عام 1945، بعد اتفاق زعماء العالم الكبار -آنذاك- على وضع ميثاق دولي جديد، تحتكم إليه الدول والحكومات في حل نزاعاتها الخطيرة والمستعصية، محاولين بذلك وضع أسس لضوابط دولية واحدة متفق عليها، تمنع الحروب بين الدول، وتضع أسس عدالة دولية صحيحة في كافة المجالات.

بدأ العالم، بعد ذلك، يتعافى ويتوازن مستقرًا من جديد، لكن على قاعدة تحكم القطبين الكبيرين المنتصرين في الحرب، وما تلا ذلك من اصطفافات دولية كبيرة خلفهما، وهو ما اتفق على تسميته بمرحلة “الحرب الباردة” التي استمرت نحو أربعة عقود ونصف؛ ما ساهم في خلق شخصيات كبيرة قوية ووازنة، في كلا المعسكرين، تحاول استيعاب وامتصاص المخاطر الكارثية لهذا التناقض الكبير في المعادلة الدولية الجديدة، بأسلوب تنافسي سلمي هادئ.

الانعطافة الدولية الجديدة:

جاءت الانعطافة القوية، بعد الحدث الزلزالي الكبير، بانهيار الاتحاد السوفيتي وأنظمة أوروبا الشرقية عام 1989؛ فكان ذلك بمثابة منعطف دولي كبير، حمل معه تحديات جديدة للمجتمع الدولي ولمراكز القرار فيه على نحو خاص.

لكن على ما يبدو أن نشوة الانتصار التي ألهمت (فوكوياما) فكرةَ “نهاية التاريخ” آنذاك، ربما تكون أعمت قيادات تلك المراكز عن الاستعداد الكافي لمواجهة تحديات جديدة ناشئة، أو قد تنشأ عن هذا المنعطف، وتتلخص:

1- شعوب ومجتمعات عديدة داخل أوروبا وخارجها، تريد الاندراج كليًا من جديد في آلية النظام الرأسمالي العالمي الليبرالي الحر، بحكم جاذبيته الكبيرة سياسيًا واقتصاديًا.

2- بتأثير ذلك، بدأت تظهر وتنمو قوى اليمين الليبرالي الجديد والمحافظ الذي يريد الحد من امتيازات دولة الرفاه والضمان الاجتماعي في البلدان الأوروبية، ورفض المساواة التامة في هذه الحقوق مع شعوب مجتمعات أوروبا الشرقية.

3- كان ذلك بمثابة مقدمات لنمو تيارات شعبوية لبعض رموز اليمين الأوروبي والعنصري المتطرف من جديد، وبالمقابل أيضًا مقدمات لنمو تيارات شعبوية، محدودة، في صفوف اليسار المتطرف.

4- موجة الإرهاب الإسلامي الجهادي المتطرف الذي نما بداية برعاية غربية لمواجهة خطر المد الشيوعي في آسيا والشرق الأوسط؛ فبدأ يبحث عن هدف جديد، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومجموعته الدولية سياسيًا، فكان الهدف الأول ضرب برجَي التجارة العالمية في نيويورك، في أيلول/ سبتمبر عام 2001. ما نتج عنه -كردة فعل أولية خارجة عن رغبة الإرادة الدولية والأمم المتحدة- حروب أميركا العبثية في منطقتنا، منذ إعلان حربها على أفغانستان وغزوها للعراق عام 2003 حتى انسحابها العسكري لاحقًا، دون أن تحقق أي نتيجة سياسية مهمة، تحسب لصالح الاستقرار في المنطقة والعالم.

5- الأزمات الاقتصادية المالية المتتابعة التي أصابت دول نمور آسيا، في تسعينيات القرن العشرين، ثم أزمة الرهن العقاري عام 2007 في الولايات المتحدة الأميركية، وأزمة المديونية اليونانية المستفحلة حتى اليوم، ضمن النظام الرأسمالي العالمي.

6- ظهور الصين كقوة اقتصادية عملاقة عالميًا.

7- رفضُ إنكلترا دخول منطقة اليورو، وخروجها مؤخرًا من الاتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية المشتركة.

8- موجة الثورات الديمقراطية التي بدأت تجتاح العالم، أواخر القرن المنصرم وحتى اليوم. من أمريكا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا، حتى أصابت عدواها المنطقة “الممانعة ديمقراطيًا”، وهي منطقتنا العربية، منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي.

خروج الوضع الدولي عن السيطرة:

ما أزعمه هنا هو أن هذه التحديات مجتمعة لم يتم الارتقاء الجدي في التفكير الاستراتيجي إلى مستوى مواجهتها واحتوائها على المستوى العالمي، من خلال وضع قواعد جديدة في أسس التعامل الدولي، خصوصًا لجهة إدارة الأزمات والصراعات الدولية الناشئة والمستجدة دومًا. ولعل بقاء صيغة ميثاق الأمم المتحدة وهيئاته وآليات اتخاذ القرارات فيه، كما في منتصف أربعينيات القرن العشرين لحظة التأسيس، هي أبلغ دليل على ذلك، على الرغم من ظهور دول عملاقة جديدة اقتصاديًا، كانت متخلفة -آنذاك- ثم نهضت بمجتمعاتها وشعوبها اقتصاديًا وسياسيًا على نحو لافت، كما في جنوب شرقي آسيا.

ميثاق الأمم المتحدة وهيئاته وآليات العمل واتخاذ القرار فيه هي مطابقة لنتائج الحرب العالمية الثانية، وعلى مقاسها تمامًا، خصوصًا لجهة ظهور القطبين الأكبر في العالم آنذاك، مع أن الوضع الدولي تغير كثيرًا بعد ذلك، خصوصًا منذ بداية تسعينيات القرن العشرين، وما زال في حالة تغير متسارع ومستمر، إلى درجة صارت فيها الأمم المتحدة عاجزة أمامها.

مع ذلك، فالعالم المعاصر -من خلال مراكزه المتقدمة والمتحكمة- لم يبادر إلى صيغة جديدة للأمم المتحدة قادرة على استيعاب التغيرات السريعة التي تتلاحق في العالم؛ الأمر الذي أسس لبدايات خلخلة في العلاقات الدولية، قد تكون مهدت لخروج الوضع الدولي عن السيطرة، كما كان أيام الحرب الباردة.

لذلك؛ صارت تظهر قوى إقليمية ودولية تريد استثمار حالة الضعف والفراغ الجيوسياسي الحاصل في مناطق عديدة من العالم، تشهد اضطرابات وثورات، كما هو حاصل في منطقتنا العربية اليوم، لمحاولة استعادة هيبة ودور مفقودين منها بالاعتماد على القوة العسكرية فقط، بعيدًا عن معايير القيم الدولية والإنسانية، كما نصت عليها مواثيق هيئة الأمم، دون أن يستطيع مجلس الأمن والأمم المتحدة اتخاذ أي إجراء لردع هذه القوى ردعًا حاسمًا، بل إن القوة العالمية الأكبر والأكثر فاعلية صارت تتواطأ، وتدخل في لعبة تقاسم المصالح معها.

وبدأت تظهر على هوامش الاضطراب الاقتصادي والمالي والسياسي، في بعض دول العالم، عصابات مافيوية وميليشيات مسلحة صارت تتحرك، وهي تعلن عن نفسها صراحة، بسهولة ويسر وباحتضان بعض الأنظمة الحاكمة، أو الدول الكبيرة لها.

فجوة العالم المعاصر:

لكن بالمقابل، لعل الإنجاز الوحيد للبشرية، بعد انتهاء فترة الحرب الباردة، هو الثورات العلمية المتواترة حتى اليوم في كل المجالات، ولا سيما ثورة وسائل الاتصال الحديث والمعلوماتية، والتي نافست الحلم الإنساني في سرعة تحققها على أرض الواقع.

هنا تكمن الفجوة الكبيرة، بين الخلخلة الحادثة في علاقات النظام الدولي “الدولتي” الرسمي الراهن وافتقاده للقيم الإنسانية الحاكمة والأخلاقية الوازنة فيه، وبين تقدم ثوراته العلمية فعلًا، وضمن هذه الفجوة تنمو وتتغول ظواهر قديمة كانت محدودة في فاعليتها نسبيًا، أو تولد ظواهر جديدة قريبة من التوحش في تعاملها مع المحيط الذي تظهر فيه، (داعش، وجبهة النصرة، وحزب الله، والحشد الشعبي)، وأخواتهم جميعًا. هي بعض الأمثلة فقط على ما يحدث، ليس في منطقتنا فحسب، بل في العالم أيضًا، لأنها تناظر، حسب المفكر السوري (عزيز العظمة)[1] “عصابات تجارة المخدرات في كولومبيا والجيوش الميليشياوية في وسط أفريقيا وغربها، أو في المثلث الذهبي في جنوب شرق آسيا.

كلها ظواهر نتجت عن وضع تخلخل فيه الاقتصاد الرسمي لصالح غير الرسمي، من خلال شبكات المافيا العالمية، والدستوري لصالح سياسات غير دستورية الفاعل فيها دور الأجهزة الأمنية، إضافة إلى مظاهر الأسواق المالية العالمية الراهنة الخارجة على القانون، والتي تتمتع بحماية سياسية كأنشطة الاقتصاد الافتراضي والتجارة الإلكترونية السريعة”.

فإلى أين يتجه العالم، في ظل هذه المعادلة التي تحكمه اليوم، في حال كان هذا التشخيص صائبًا فعلًا؟

[1] حوار مطول معه نشره موقع (الأوان) بتاريخ 11 تموز يوليو 2015