الحب والتدمير

لا يمكن أن يكون للحياة معنى من دون أن تكون العلاقة مع الحياة علاقة حب، بدءًا من حب الأشياء الصغيرة وبناء علاقة حميمة بها، مرورًا بالطبيعة وبالعمل، وانتهاءً بالوجود. ولا يمكن أن تتأفف من العالم وتكره على نحو أصيل، إذا لم يكن أساس التأفف والكره هو الحب.

في الحب، تقوم علاقة ترابط بينك وبين ما تحب ومن تحب، وهذه عملية لا تتوقف عن الوجود والتحول.

من أهم مآثر فرويد أنه قد دلّنا على أن آريس -إله الحب- مولود معنا ويُقيم فينا، وليس إلهًا يأتي من خارجنا، لكنه نسي أن يقول إن ثانتوس -إله التدمير- المولود معنا أيضًا قادر على قتل آريس، واحتلال الذات احتلالًا كاملًا، وليس بالضرورة أن يظهرا معًا في سلوكٍ واحد.

غير أن الحب والتدمير، بوصفهما غريزتين، يخضعان لتطوّر وتغيّر وتحوّل عبر الثقافة، ونادرًا ما يظهران في صورتهما الطبيعية.

ما الذي يجعل آريس أكثر حضورًا من ثانتوس أو العكس؟

في مستوى التحليل الفردي، لا أحد يستطيع أن يُجيب عن هذا السؤال، حتى عن حال ذاته؛ فالفرد خليط من بنية بيولوجية موروثة، وطفولة تحدد مصيره اللاحق، وتربية أسروية واجتماعية وثقافة، وكل هذا يُحدّد غريزة الحب والتدمير في ذاته، ويطورهما وينمي إحداهما على حساب الأخرى.

لكن باستطاعتنا أن نتحدث عن الحب والتدمير في مجتمع من المجتمعات، بل عن الحب والحضارة، كما فعل هربرت ماركيوز، في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه، ففي المجتمعات المستقرة ذات الحياة المتميزة بالوفرة وتلبية الحاجات الضرورية، والمتمتعة بحظ جيد من الأمان والحرية والحق المقونن، يحضر الحب كسمة عامة من سمات هذا المجتمع، ويغدو التدمير حالة فردية أو محدودًا في جماعات صغيرة، وبالعكس حين يعيش مجتمع ما تحت حكم دكتاتورية، والدكتاتورية عنفية بالضرورة، وحياة ملؤها الخوف والغضب والفقر؛ فإن غريزة التدمير تنمو نموًا سرطانيًا، وإن كانت مكبوتة بسبب القمع الذي يحول دون ظهورها، فغريزة التدمير التي يُظهرها النظام المستبد تخلق نظيرها؛ وتتراجع غريزة الحب وثقافتها المعشرية.

الغباء العبقري للنظام المستبد، ولا سيما إذا كانت الدكتاتورية دكتاتورية جماعة متخلفة ولا حدود لعنفها، لا يسمح له بالتفكير بالتبعات القادمة لسلوك غريزته التدميرية، حيث تكفي مصادفة واحدة لتنفجر غريزة التدمير المضادة، وتبدأ مرحلة القتل.

لقد استنّ البشر، عبر تجربتهم التاريخية بمعرفة آثار فاعلية غريزة التدمير، القانونَ الذي يحمي الإنسان منها، كما استن العقوبات لم يُظهرها اعتداءً، لكن البشرية لم تحسب حسابًا أن تكون السلطة التي من شأنها حماية الحق ولجم غريزة التدمير هي ذاتها غريزة التدمير الأعنف.

تنطوي الثورة -بوصفها ثمرة تحرر من آثار غريزة التدمير الحاكمة- على وحدة التدمير والحب معًا، فلا يمكن مقاومة غريزة تدمير حاكمة إلا بغريزة تدمير مقابلة، ولكن ليس من أجل استبدال غريزة تدمير بأخرى مشابهة، بل من أجل التخلص من غريزة التدمير وانتصار غريزة الحب في تجلياتها الثقافية.

الحق أنه لو دققنا في مفاهيم الحق والحرية والقانون والديمقراطية والتعاون والإنصاف والكرامة؛ فسنجد أنها التعبيرات السياسية والاجتماعية والأخلاقية، لانتصار غريزة الحب في إهابها الثقافي المستمر، ولجم كل أشكال ظهور غريزة التدمير، دون أن يعني ذلك انتصار الحب على التدمير انتصارًا كليًا، بل إن الثورات إذا ما وقفت عند مرحلة التدمير، فإنها تُعيد إنتاج ممارسة غريزة التدمير، وتاريخ الثورات قبل استقرار المجتمعات حافل بذلك.