“حزب الله” و”داعش”.. الثقة المتبادلة

لم يكن مفاجئًا ما قام به النظام السوري وميليشيات (حزب الله) اللبناني، من تنسيق مشترك لنقل عناصر مرتزقة (تنظيم الدولة الإسلامية) من غرب سورية إلى شرقها، ومن ثم دخول أكثر من خمسمئة منهم إلى (راوة) العراقية. المفاجئ والمدهش هو الصمت العالمي، وهو يُراقب أرتال الإرهابيين تتنقل بكل سلاسة ويُسر، بل وبحماية رسمية من قوات النظام السوري على الأرض، وطائرات المحتل الروسي من السماء، عدا عن غارةٍ (إعلامية) عابرة، خرج بعدَها الجنرال الأميركي ستيفن تاونسند، ليُكمل الفصل الثاني من المسرحية، ويُصرِّح بأن قوات التحالف “عرقلت” وصول قافلة (تنظيم الدولة) إلى دير الزور، وقال خلال إطلالة تلفزيونية إن قوات التحالف لم تستهدف القافلة استهدافًا مباشرًا، زاعمًا حرصه على المدنيين في القافلة، فيما أكّد ناشطون على الأرض أن المدنيين الذين تم اصطحابهم من المخيمات لا علاقة لهم بالمرتزقة المقاتلين، وإنما هو تدبير أميركي لتخرج هذه العائلات مع المرتزقة، لتجد أميركا مبررًا أخلاقيًا أمام الرأي العام كي لا تقصف القافلة.

في أكثر من ظهور إعلامي وتصريحات متفرقة، حاول حسن نصر الله تبريرَ فعلته بمساعدة الدواعش على الانتقال، بأنه رجل يُحافظ على العهود، وبالطبع هو يعلم مسبقًا أن الجنود اللبنانيين المختطفين هم في عداد القتلى منذ زمن بعيد، وتبيّن أن قصة الهدنة لإخلاء سبيل هؤلاء الجنود لم تكن سوى كذبة، لم يطل الوقت حتى اكتشفها الجميع؛ إذ إن الصفقة الحقيقية لم تكن الجنود اللبنانيين، وإنما جثة مجرم إيراني اسمه “حجي”، كانت (داعش) قد قتلته في وقت سابق، إضافةً إلى أسير واحد لـ (حزب الله).

هكذا، وبكل بساطة، خدع حسن نصر الله الجيشَ اللبناني طوال ثلاث سنوات، ففي كل مرة كان الجيش يتحدث عن أسراه وعن ضرورة القيام بعمل عسكري ضد تنظيم الدولة، كان حسن يخيفهم بأنه قد يتسببوا بإعدام رفاقهم، وهكذا استطاع حماية (البعبع) التكفيري، ليخيف به اللبنانيين على نحو مستمر لسنوات، وليبرر حربه الظالمة على الشعب السوري، تحت ذريعة “محاربة التكفيريين”.

ببساطة شديدة، ومن خلال استرجاع الأحداث، نرى أنه في الفترة التي كانت فيها ميليشيات ومرتزقة (حزب الله) تُحاصر وتُجوِّع وتُدمِّر الزبداني ومضايا وداريا، كان الجنود اللبنانيون مختطفين بحوزة التكفيريين، ولم يسعَ (حزب الله) يومًا لإخلاء سبيلهم.

علاوةً على ما سبق، فإن هذه الصفقة الدنيئة التي أبرمها الحزب، بموافقة رئيس النظام السوري، يشوبها الغموض من جهة الطرف الوسيط -إن كان هناك وسيط- فعمليات كهذه بحاجة إلى وسيط، يكون موضع ثقة بين (حزب الله) ومجرمي تنظيم الدولة، وحتى هذا التاريخ ما زال الوسيط في هذه الصفقة مجهول الهوية، وهذا يطرح السؤال التالي: ما هو سر هذه الثقة المطلقة بين (تنظيم الدولة) و(حزب الله)؟ هذه الثقة التي جعلت مرتزقة التنظيم يركبون الحافلات نهارًا، ويقطعون سورية من غربها إلى شرقها، دون خوف أو تردد؟

ربما كانت هذه المسرحية هي الأكثر هزالة من المسرحيات السابقة، كمسرحية تدمر، ومسرحية حقل الشاعر، حيث كان النظام يُخزّن الأسلحة والعتاد كل مرة ثم ينسحب؛ ليحضر (تنظيم الدولة) ويأخذ ما تركه له النظام، ليعود وينتشر التنظيم ويُمارس إرهابه على الخواصر الرخوة والمناطق المعارضة للنظام جزئيًا، مثل السلَميّة، وليرسل رسالة للمعارضين فيها مفادها: إما نذبحكم وإما أن تقبلوا بالأسد. وجميع الأعمال القتالية في ريف السلَميّة كانت تندرج في هذا الإطار.

عودةً إلى جمهورية لبنان، يبدو مُضحكًا تصريح رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، الذي دعا إلى الاحتفال بما أسماه “انتصارًا ثانيًا”، وكذلك تصريح رئيس حكومة لبنان الذي قال إن كل لبنان انتصر! وهناك نطرح السؤال التالي على الساسة في لبنان: إذا كان هذا انتصارًا فكيف تكون الهزيمة؟ إذا كان مكافأة من قتل جنودَ الجيش اللبناني هو نقلهم بحافلات مكيفة وحراسة طوال الطريق يُسمى انتصارًا؛ فكيف تكون الهزيمة؟

ربما على الحكومة اللبنانية والبرلمان أن يُقيموا مهرجانًا عظيمًا لمدة أيام سبع، يُقدّمون فيه للشعب ما لذ وطاب من طعام وطرب وشراب، لكن عليهم أن لا ينسوا دعوة عائلات الجنود اللبنانيين المغدورين الذين قتلتهم حكومة لبنان مرة ثانية، عبر تأييدها لصفقة العار.