في المصيبة السورية

للمصيبة السورية وجوه كثيرة ومتنوعة تطال كلّ شيء، وتتجلى إحداها -الآن- في قناعة كثيرٍ من السوريين بانعدام دورهم تجاه قضاياهم، أو إهمال هذا الدور، بوصفه دورًا صغيرًا لا أثر له في إحداث فرق في الواقع السوري.

يمكن تسمية هذه القناعة بـ “قناعة العجز”؛ لأنها تجزم بأن لا دورَ للسوريين في قضايا بلدهم المصيرية. وهي قناعة ترى دور القوى الكبرى فقط وتراهن عليها، ولكنها تهمل دور القوى الصغرى السورية، ومنها دور الفرد، وتنسف المراهنة عليهما. كما أنَّها ترى مسلكًا مستقيمًا واحدًا للحلّ فقط، يكون عن طريق القوى الكبرى وبواسطتها، وتلغي المسالك الأخرى الممكنة التي يمكن للسوريين ولغيرهم سلوكها.

إنَّها -بالمجمل- قناعة ترى خروج “القضيّة السورية” من بين أيدي السوريين، وتموضعها بأيدي القوى الكبرى فقط. وتخالف قناعة أخرى منذ ستة أعوام، كانت تؤكد على دور السوريين الكبير والعظيم في مصيرهم.

إنَّ “قناعة العجز” هذه مصيبة من جهتين: الأولى، لأنها تبرهن عجز الفرد السوريّ والقوى الصغرى السورية -علميًا وواقعيًا- ببراهين واهية. والثانية، لأنها تقود السوريين إلى الإحباط واليأس والتشاؤم، وتجعلهم في حالة انتظار للمجهول، واتكال سلبي غير منطقي على الغير؛ ما ينعكس سلبًا على “القضيّة السورية” إجمالًا.

وهكذا، نجد أنَّ “قناعة العجز” تتخذ أربع ركائز لها، وتستخدمها في الوقت نفسه، كوسائل مساعدة للبرهان على واقعيّتها وصوابها، وهي:

  • ضخامة إرهاب النظام السوري للسوريين، وما يترتب عليه من اقتناعٍ بأنَّ السوريين لا حول لهم ولا قوّة، في إحداث فرق وتغيير في هذا الإرهاب.
  • الفوضى العارمة في سورية، والاقتناع باستحالة تنظيم هذه الفوضى، من قِبل السوريين، أو حتى انتظام السوريين أنفسهم.
  • دور القوى الكبرى وتدخلها في سورية، بحيث ينعدم تحت ظلها أي دور لقوى سورية صغيرة، بما فيها دور الفرد السوري، حسب “قناعة العجز”.
  • استعصاء طرق الحلّ -أو قل: انعدامها- بحيث بات الزمن طويلًا والثمن فادحًا، فتتزود “قناعة العجز” بأدلة جديدة، تؤكد أن ليس بيد السوريين شيء يذكر.

هذا يعني أن التراكب والتداخل الواقع، بين هذه الركائز الأربع، يجعل “قناعة العجز” هذه، كأنها قناعة عامة ومبرهنة؛ إذ ترسخّت “قناعة العجز” إلى درجةٍ بات فيها الجواب بالنفي والسلب “مشروعًا” و”صحيحًا”، عند السؤال عن دورٍ للسوريين في مصير بلدهم، وإلى درجةٍ بات الجواب بالإيجاب عن مثل هذا الدور للسوريين موضعَ سخريةٍ، بوصفه جوابًا حالمًا ومثاليًا وطوباويًا.

فعليًا، لم تأت مثل هذه القناعة من الفراغ قط، بل استندت إلى ثلاثة تصورات “علميّة” و”واقعيّة”، هي:

  • تصوراتنا عن نتائج “العلم التقليدي” التي انتقلت إلى المجتمع والسياسة، والتي تراعي القوى الكبيرة وتهمل الصغيرة منها، وتنشدّ إلى سلوك الطريق المستقيم فقط، بوصفه أقصرَ الطرق بين نقطتين، وأقلّ تكلفة بشرية ومادية، وأقلَ جهدًا بشريًا، فلا تعير انتباهًا إلى تعدد وتنوع الطرق الأخرى الممكنة. وتقول إنَّه لا أحد باستطاعته ردّ ازدياد الفوضى أو توقيفها أو تنظيمها، وتنسى في الوقت نفسه الانتظام الذاتي للفوضى وأن “معقولية الكبائر ترتكز إلى عشوائيّة الصغائر”.
  • تصوراتنا عن القطبية الدولية والعلاقات الدولية التي ما زالت تُعلي، من شأن دور القطبين الأميركي والروسي، ولا ترى انعدام القطبية الدولية الذي يفسح المجال للقوى الصغيرة، كالشركات والقراصنة والتنظيمات الجهادية والمدنيين والمثقفين والأفراد، بأنْ تؤدي دورًا في مصير سورية والعالم. بالإضافة إلى تصوراتنا عن الشعب السوري، بوصفه عجينةً تصوغه الدول الكبرى على هواها، في الوقت الذي تبيّن فيه أنه ليس عجينة بممارسته معاندة تذكر للدور الكبير، الأميركي والروسي، على مدار الأعوام الستة المنصرمة.
  • تصوراتنا عن فاعلية البشر، بوصفها فاعليةً “خارجيّة”؛ بمعنى وضع الشرعية والقوة والحقيقة والثروة خارج البشر لا داخلهم. وهذا يسوِّغ امتهان الفرد وامتهان دوره؛ فتصبح الشرعية في التسلط على البشر لا في تفويض البشر فرديًا لممثليهم، والحقيقة في الوحي، لا في تفكير الفرد وممارسته، والقوّة في السلاح لا في تنظيم البشر وتوحيد الأفراد، والثروة في المواد الأولية، لا في العمل الفردي والجماعي الذي ينتج فائضًا.

وهنا، لا بأس من بعض الاستطراد، حول تصوراتنا عن العلم.

يؤكد “العلم التقليدي” على نتائج “الأنتروبيّة” entropy التي تقول بوجه واحد من وجوه الفوضى، وهو وجه الازدياد؛ فيستنتج أصحاب “قناعة العجز” أنَّ الفوضى ستزداد في سورية، وبالتالي لا دور للسوريين في انتظامها. وكذلك تفعل نتائج “النيوتونيّة” التي لا ترى سوى أثر القوى الكبيرة من وزن أميركا وروسيا، بينما تهمل أثر القوى الصغيرة وأثر الأفراد السوريين. كما أنَّها لا ترى سوى سلوك المسلك المستقيم والإجباري والحتمي والخطي، مهملة تعدد وتنوع المسالك الممكنة اللاخطيّة.

من هذا التصور العلمي، تستنتج “قناعة العجز” أنَّ القوى الكبرى فقط هي الفاعلة والمؤثرة، بينما القوى الصغرى مهملة ومعدومة التأثير، وتركِّز هذه القناعة على طريق واحد للحلّ فقط، ضاربة بجميع الحلول الممكنة عرض الحائط.

أما الآن، وقد تغيّرت جذريًا -مع الفيزياء الحديثة- معاني وتموضع مفاهيم الفعل والأثر والقوّة والفوضى، تلك المفاهيم التي كانت تُرشِد وتَسند “قناعة العجز” هذه؛ صار لزامًا علينا تغيير هذه القناعة من جديد، لا، بل قلْ تقويضها -إنْ صح التعبير- وذلك بأخذ المحرز العلمي الحديث بعين الاعتبار.

والحق يقال، إنَّ قناعة العجز هذه تعارض وتخالف العلمَ الحديث ومحرزه الجديد، من حيث إنَّ الأنتروبية يمكن لها أنْ تولِّد النظام من الفوضى (الانتظام الذاتي للفوضى)، بواسطة التناظر القائم بين الأفعال الصغيرة وبين الأفعال الكبيرة، أو درجة تكرار الفوضى الصغيرة في الفعل، والتي تنساب عبر المستويات والمقاييس المختلفة محدثة انتظامًا في الصورة الشاملة. وهذا مما يخالف وجه ازدياد الفوضى الدائم، ويعطي دورًا للقوى الصغيرة والأفراد في انتظام الفوضى.

وبالإضافة إلى ذلك، نجد اهتمام الفيزياء الحديثة بالأفعال الصغيرة وعدم إهمالها؛ لأنَّ مثل هذه الأفعال تلعب دورًا كبيرًا وغير متوقع في النتائج والمخرجات، عندما تتدخل في دخل قضية ما وتتدخل في شروطها الابتدائية. فالفيزياء “الكموميّة” والفيزياء “الفراكتاليّة”، تقوِّضان إهمال الفعل الصغير، وتنظران إلى أثر الفعل الصغير بوصفه مناظرًا للفعل الكبير، وتبرهنان على تضخّم الفعل الصغير إلى درجة كبيرة وغير متوقعة؛ وبالتالي فأي دور يؤثر في دخل المنظومة وشروطها الابتدائية، فإنه يؤثر في خرج المنظومة ونتائجها، كما تؤكدان أيضًا على سلوك جميع المسالك والطرق الممكنة، لا على الطريق المستقيم وحده.

وأخيرًا؛ فإنَّ الواقع السوريّ واقع مفتوح لدور القوى الصغيرة ودور الأفراد، كما هو مفتوح لدور القوى الكبرى؛ ما يعني أنَّ محاولة فهمه بتعابير آليّة -وإنْ كانت علمية- هي محاولة محكومة بالفشل. وهذا يعني أيضًا أنَّ معظم الواقع السوري، بدلًا من أنْ يكون منظمًا وثابتًا ومتوازنًا، يغلي ويموج بالتغيّر والفوضى والسيرورة، ويتيح مثل هذا الواقع تبادل ثلاث فعاليّات بين الأفراد، تحدث فرقًا في الواقع السوري، هي: المساعدة المتبادلة، الطاقة المتبادلة، والمعلومات المتبادلة.

وحسبنا هنا أنْ نساهم في تقويض “قناعة العجز” هذه، ونؤسس بديلًا علميًا وواقعيًا لها، يراهن على دور الفرد السوري، ودور القوى الصغيرة السورية؛ علّنا نخفف من المصيبة السورية.