جرائم الحرب والإفلات من العقاب

لا يبدو أن ثمة محاسبة أو مراجعة تجريها قوات التحالف الدولي، في ما يتصل بالأخطاء التي ترتكبها ضد المدنيين، خلال عمليات القصف التي تقوم بها، والأمر مثله يجري في أوساط (قسد). بل إن كثيرًا من القوانين التي أقرها المشرعون، في الولايات المتحدة على وجه الخصوص، يُحظر بموجبها مساءلة ومحاسبة الجنود والقادة، على ما يُنظر إليه، وفق القوانين الدولية، كـ “جرائم حرب”. وتشكل تلك التشريعات منظومة حماية متكاملة للقوات الأميركية، حيال أي مقاضاة محتملة حول العالم، أيًا كانت الدوافع والأسباب. وقد سنّ عدد من دول العالم تشريعات وطنية، تمنع مثول قادة سياسيين وعسكريين، أمام أي جهة للمساءلة؛ وبالتالي منع المحاسبة، كما يفعل النظام السوري اليوم، وكذلك الكيان الإسرائيلي.

حيثما حلت القوات الأميركية، تترك إرثًا مثيرًا من عدم الالتزام بقواعد حماية المدنيين أثناء الحروب، وحذت حذوها القوى الحليفة لها وأذرعها المختلفة. وقد جرت جرائم كارثية مهولة بحق المدنيين والمناطق السكانية بصورة عامة، وما تزال تحدث منذ غزو العراق عام 2003 وحتى اليوم، أي عمليات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في العراق وسورية. وتشير تقارير دولية إلى أن هناك إخفاقًا ذريعًا في المحاسبة والمسائلة، بشأن جرائم الحرب التي جرت في العراق، وإلى أن الولايات المتحدة وشركاءها، لم تقم بمسؤولياتها (واجباتها) بهذا الصدد، كما أوردت (هيومان رايتس ووتش).

لا تتصل المسألة بجرائم التعذيب والقتل والإخفاء القسري فحسب، فثمة جوانب أخرى كثيرة، ونتائج تلك الحرب على المدنيين هي من صلب الجرائم التي يتوجب المسائلة فيها. لقد قُتِل مليونَا عراقي، وشُرّد أربعة ملايين، فضلًا عن تدمير أحياء سكنية بأكملها، واقتلاع مجموعات بشرية من موطنها، واختفاء قسري لآلاف العراقيين. سياسات خاطئة أدت إلى تغاضٍ ممنهج عن سياسات القتل والتعذيب والتهجير، وفساد في كل شيء، إلى الوقت الراهن.

في عمليات التحالف الدولي ضد (داعش)، لا نتوقع أن تجري محاسبة أو مساءلة من أي نوعٍ، حول “الأخطاء” المتكررة التي ارتكبتها قوات (الحشد الشعبي) و(البيشمركة) والقوات العراقية التي شاركت في “تحرير” الموصل، وخلفت دمارًا شاملًا وتهجيرًا غير مسبوق.

في الرقة، استهداف منظم للأحياء السكنية والمرافق العامة، والمشافي القليلة التي لا تكفي حاجة المدينة في الواقع. وهو تدمير يأخذ بمبدأ سياسة الأرض المحروقة، وتأخذ به قوات (قسد)، مدعومة من طيران التحالف، وهو ما قامت به منذ انطلاق عملية (غضب الفرات)، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، عبر استهداف قرى الريف الشمالي، وصولًا إلى أطراف المدينة، بشكل تدريجي نحو المركز.

ليست هناك أرقام دقيقة لدى أي طرف، عن الأعداد الحقيقية للمدنيين الذين قضوا في الموصل، أو في الرقة حتى الآن. ومع ذلك يتحدث مسؤولو الولايات المتحدة في قيادة التحالف عن أضرار تطال المدنيين نتيجة العمليات الحربية في الرقة، وهي تصريحات أقل ما يمكن أن توصف به، بأنها غير صادقة، مراوغة وتخفي الحقائق. صور الدمار المهول لأحياء بكاملها، وانقطاع الاتصال بأشخاص وعائلات، ثم العثور على جثث بعض الضحايا تحت الركام، بعد أيام من الغارات، مؤشر على حجم الإيغال في ضرب المدينة بلا هوادة، دون أي اعتبار لوجود السكان العُزّل، مع افتراض غير دقيق، وغير مؤكد، بوجود مقاتلين من (داعش).

لا شيء يرشح من أرض الخراب غير الإعلان عن مواجهات وأرقام قتلى “دواعش” لا أثر لهم، الصور تحتفي بمقاتلي (قسد)، كأنهم في مشاهد سينمائية مملة سمجة، ومقاتلات يدبكن قبيل الذهاب إلى المعركة. لكن كثيرًا من الأهالي الذين تقول (قسد) إنها “حررتهم”، يختفون بعد التقاط الصور.. صور لا تخفي حجم الخراب، لكنها تُغيّب أحوال الناس في الرقة.

مايكل رايتني، بريت ماكغورك، ستيفن تاونسند قائد قوات التحالف الدولي في سورية والعراق، ونائبه روبرت جونز، وكارن داكر منسق الدعم والاستقرار بين التحالف و(قسد) و(مجلس الرقة المدني)، جميع هؤلاء -كلّ من حيث موقعه- يعملون بإمرة دونالد ترامب، هم مسؤولون بشكل مباشر عما يجري من انتهاكات واسعة بحق المدنيين في الرقة، وفي مناطق سورية وعراقية أخرى. تحت إشرافهم ومتابعتهم، ترتكب جرائم حرب موصوفة، يتم التغاضي عنها والتغطية عليها بشكل أو بآخر، فيما تحمل تصريحاتهم ولقاءاتهم تضليلًا، لا لبس فيه، بشأن تضخيم أعداد مقاتلي (داعش)، ما يُبرر -ربما- إمطار المدينة بكل هذه المقذوفات المهولة.

هؤلاء معروفون بالنسبة إلينا، يضاف إليهم قادة “حزب الاتحاد الديمقراطي” بزعامة صالح مسلم، والأجهزة الأمنية والعسكرية الملحقة به، والمنفذة لسياسته في شمال سورية.

وعلى الضفة الأخرى بوتين وخامنئي والأسد، وأدواتهم، مجرمو حرب من طراز رفيع، ترفع لهم القبعات في “العالم الحر”، وليس من سبيل كي تأخذ العدالة مجراها.

منذ محاكمات نورمبيرغ الشهيرة، لم تجر محاكمة مجرمي الحرب، بصورة جدية وحقيقية، في أي مكان من العالم، وتم إجهاض كل المحاولات التي تمت، سواء ما يتعلق بحروب البلقان، أو في القارة الأفريقية، أو مجرمي الحروب الإسرائيليين الذين تتم ترقيتهم إلى مراتب سياسية عليا، تحكم الكيان الإسرائيلي.

لم تجرِ، في الولايات المتحدة وبريطانيا، أي مساءلة حول الجرائم التي ترتكبها قوات بلادهم، أو القوات والميليشيات التي تعمل بإمرتهم، في مناطق النزاعات حول العالم، وفي العراق بشكل خاص.

في حرب دول التحالف ضد الإرهاب، أسفرت معركة الفلوجة عن تدمير80 بالمئة من المدينة تدميرًا مُمنهجًا، وصاحب ذلك التدمير نتائج كارثية. جرى ذلك بسبب أمرين: هما تضخيم أعداد (داعش) في المدينة، ولجوء التحالف إلى سياسة التدمير الشامل، بهدف القضاء على الإرهاب. وفي الواقع، الاستراتيجية ذاتها تتبع اليوم، في ما يُسمى بعملية “تحرير الرقة”، ومصيرها سوف يكون أكثر كارثية من سابقاتها، وليس ثمة من يقول للأميركيين: أوقفوا قتل المدنيين.

لقد شكلت نجاة مجرمي الحروب من المحاكمة ظاهرةً عالمية، ترعاها الدول الكبرى التي تمتلك مقدرة فرض المحاسبة، وتركت بذلك الأبواب مشرعة أمام المستبدين، من قادة وأنظمة ومنظمات إرهابية، ليواصلوا ارتكاب الجرائم دون أن ينتابهم قلق احتمال المحاكمة. تتحمل الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من مسؤولية الجرائم التي تطال المدنيين؛ لأنها ترتكب في ظل دعمها وحمايتها، ولأنها القوة الدولية الأشد فاعلية في الحيلولة، دون سوق مجرمي الحروب إلى العدالة.

الحرب على الإرهاب لا تستقيم في ظل الإبقاء على النظام الأسدي، وحمايته، والتوجه نحو ضمان استمراره؛ ذلك أن نظام الأسد منتجٌ للإرهاب بحق السوريين، وفي سجلّه اليوم المئات من جرائم الحرب الموثقة ضده، وإعادة تأهيله هي درجة من درجات السماح باستمرار جرائم الإبادة المنظمة، في سورية والمنطقة.