عن غياب نظرية التغيير

إنّ الـتأمل في مسار الثورات العربية، والسورية منها، يوضح غياب البرامج النظرية أولًا، والعملية ثانيًا، للتغيير؛ إذ مقابل الكم الهائل من الشعارات والبيانات على الصعيد السياسي، والكم الكبير والملفت للتظاهرات والعمل الاحتجاجي، والمسلح أيضًا على الأرض، نلاحظ غيابًا واضحًا لسؤال: كيف يحصل التغيير؟ وذلك مقابل الحضور الكثيف للرغبة بالتغيير.

بل إن مراجعة لأفكار النخب (فكرية وسياسية)، خلال السنوات الست المنصرمة، توضح أن تفكير “وضع العربة أمام الحصان” هو الذي كان سائدًا، إذ كان الجميع متيقنًا من حتمية سقوط الاستبداد، دون أن يفكر أحدهم: كيف نسقط الاستبداد؟ وإن سقط، فكيف نمنعه من العودة؟

إن طغيان التفكير الرغبوي والكسول هو الذي أدى -في ما أدى- إلى النتائج التي نراها اليوم ماثلة؛ لأن تفكيرًا كهذا يبحث دومًا عن طريق التغيير “السهل”، والمزيف بطبيعة الحال، بدلًا من طريق التغيير الصحيح والصعب والطويل. إن التفكير الرغبوي، بالحصول على تغيير سهل، هو الذي قاد إلى الاعتماد على الخارج والدول الإقليمية والتنظيمات الإرهابية، لدى البعض، حين توهموا -في البداية- أنه يمكن استغلالها ضد النظام، ثم تراجعوا بعد أن أصبحوا ضحيتها، وبعد أن وقع الفأس في الرأس.

إلا أنّ الأمر قبل ذلك، يعكس كمّ الأوهام التي كانت تعشعش في الرؤوس، عن طبيعة الأنظمة وآليات إسقاطها. وطالما أننا نتحدث عن تفكير رغبوي؛ فإننا حتمًا نتحدث عن معارف خاطئة عن طبيعة النظام وبنيته وآلية عمله، وبالتالي طريقة إسقاطه التي ظنّ البعض أن أيامًا تكفي لإسقاطه، في مفارقة لا تستقيم مع العقل والمنطق، فالأنظمة -وإن سقطت رؤوسها- لا تسقط أُسُسها بين ليلة وضحاها؛ ذلك أنّ النظام السياسي هو نتاج بناء اجتماعي اقتصادي، لا يسقط إلا بإسقاطه أو بتغيّر الحوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي حملت ذلك النظام عقودًا، وهذا يحتاج إلى عملية تغيير طويلة الأمد، تتطلب استراتيجيات وآليات عمل تعي حجم المهمة الملقاة على عاتقها، في حين أن الارتكاس للثورة أو لحظة التغيير الأولى يؤدي -في ما يؤدي إليه- إلى عودة القوى القديمة إلى سدة الحكم مرة أخرى، تحت جناح الثورة المضادة، وهو ما شهدناه في مصر وتونس وغيرها؛ حيث ظنت القوى الثورية أن رحيل مبارك وبن علي يعني -في ما يعنيه- سقوط النظام، دون أن تدرك أن سقوطه ليس إلا بداية الطريق نحو سقوط النظام وتغييره، وهو الذي لا يكون (تغييره) إلا عبر تعبئة الفراغ السياسي، وإعادة إنتاج الأحزاب، وترسيخ البنى الديمقراطية التي لا تولد ديمقراطية دفعة واحدة، بل هي تحمل الكثير من أمراض الاستبداد، فكثير من وعي “الثورة” ذاته ملّوث بما هو ضد الديمقراطية، حتى وهو يطالب بها، ويحتاج إلى الكثير من العمل والوعي والتنمية الثقافية لتغييره. هذا ما غاب عن نخب التغيير وقادته؛ فخرج الوعي ما دون الوطني والطائفي والشعبوي، بدلًا من التقدم نحو ملء الساحة بوعي جديد؛ فخسرت الثورات معركتها الأولى، لأن للثورات المضادة تمويلها وتنظيمها، في حين عجزت القوى الثورية عن تنظيم نفسها، بفعل غياب الوعي بأهمية ذلك.

في سورية، نلحظ بشكل واضح النتائجَ الكارثية لغياب نظرية التغيير هذه، إذ إن مراجعة جادة لكل برامج القوى والهيئات والفصائل (سياسية وعسكرية) تبيّن عجزًا وقصورًا في الإجابة عن أسئلة: كيف نسقط النظام؟ وما هي الآليات العملية لترحيله والخلاص منه فعليًا؟

يغيب كل هذا لصالح الحضور الكثيف للشعارات والأيديولوجيا، وأيضًا الحضور المكثف للحظة ما بعد سقوط النظام، إذ قرأنا الكثير عن كيفية بناء المؤسسات وشكل الحكم ونوعه والهيئة الانتقالية وغيرها، دون أن يدرك هؤلاء أنه لا يمكن الوصول إلى هذه اللحظة إلا بعد إسقاط النظام الذي لم توضع آلية لإسقاطه فعلًا. وحين نقول آلية، نعني نظرية تغيير، تأخذ قوة النظام بالحسبان، عبر تحالفاته الدولية والإقليمية، والسعي لامتلاك قوة مضادة قادرة على أن توظف تأثيرها هذا في السياسة، فالقوة دون تمثيل سياسي لا تمثل شيئًا، والسياسة دون قوة على الأرض تدفع النظام إلى التنازل، لا تفيد شيئًا، فضلًا عن أن أيًا من القوى المحلية والإقليمية والدولية لا يأخذ أحدًا بالحسبان، ما لم يتملك تلك القوة. إن فصائل كـ (حزب الله) و(حزب الاتحاد الديمقراطي)، لم تتحول إلى أرقام صعبة في المعادلة السورية، إلا لأنها امتلكت القوة والسياسة في آن، حيث يوظف كل منهما قوته في إطار مطالب سياسية واضحة؛ فتستقيم له لعبة السياسة، ويعرف الخارج حينذاك كيف يتفاوض ويتنازل هنا وهناك. هذا ما افتقدته كل الفصائل السورية العسكرية والسياسية.

اليوم، تقف الثورة السورية في نهاية طور من أطوارها؛ حيث نشهد أفولَ العمل المسلح الذي أثبت فشله وعجزه، بعد أن كان العمل السلمي هو الطور الأول؛ لنكون أمام سؤال: هل تكون نهاية مرحلة السلاح هي نهاية الثورة أم أن ذلك سيكون فاتحة لمرحلة جديدة من النضال؟

التاريخ لا يغلق، فطالما هناك استبداد فهناك مقاومة، ولذا علينا البحث في ممكنات الواقع والقوى السائدة، وقراءتها من جديد لاستنباط نظرية تغيير، تأخذ كل ما سبق بعين الاعتبار، وتعمل وفق مبدأ التراكم، خطوة خطوة. إذا أردنا لهذا الاستبداد أن ينتهي، فعلينا أن نعلم أن لا شيء ينتهي من تلقاء ذاته، فالقديم يبقى مُعوّمًا إلى أن تصبح القوة الجديدة ناضجة وقادرة على الحكم؛ فهل سنعمل وفق ما يقودنا إلى الخلاص أم أننا سنظلّ نندب حظنا التعيس، في مواصلة الوهم الذي حملناه، وندفع أثمانه اليوم؟