العلمانية ليست إلحادًا

نحن اليوم في مفترق طرق خطير في الخيارات التي تتعلق بوجودنا ومستقبلنا، ولكي تكون خياراتنا صحيحة -إن امتلكنا فعليًا إرادة الاختيار- فلا بد من أن تكون مفاهيمنا صحيحة، وتقوم على الحقائق والوقائع، وليس على الأباطيل الأوهام.

“العلمانية” ربما تكون أكثر المصطلحات المثيرة للإشكالية والحساسية، فهي عندما تـُطرح في مجتمع متدين محافظ كمجتمعنا، تقترن صورتها غالبًا بالإلحاد والإباحية؛ مما يجعلها في تصورات معظمنا العدو الأخطر لنا في ديننا وأخلاقنا، وهذه القضية ليست مجرد سوء فهم عامي عفوي، فهذه المشكلة هي في هذا الإطار وحده ليست بسيطة على الإطلاق، وإنما هي انعكاس لحالة الاستنقاع الثقافي العميق الذي تغرق فيه غالبية شعبنا في أميتها المعرفية المتجذرة والمنتشرة، فما بالك إن ترافق هذا بدعاية ممنهجة مغرضة ضد العلمانية، من قبل قوى الإسلام السياسي المتطرف في شتى مواقعها، بين الحكم أو التبعية للحاكم أو منازعته على الحكم، التي غالبًا إما تدعي وتستغل الإسلام، أو تسعى لفرضه وفقًا لعصبياتها الشديدة الضحالة والضيق.

في هذه المقالة، سنتناول، على نحو واضح، موقفَ العلمانية من قضيتي الدين والجنس، ونبين البطلان الكامل لأطروحة تماهيها مع الإلحاد والإباحية.

العلمانية ليست أيديولوجيا محددة كالشيوعية مثلًا، ولا هي مدرسة فلسفية محددة كالوجودية أيضًا، وهي باختصار منهج فكري موقفي إنساني، يقوم على مبدأ حياد الدولة والمجتمع في كل الشؤون المعتقدية، الدينية والسياسية والفلسفية وسواها، وكل ما يترتب على تلك المعتقدات من ممارسات وإجراءات عملية ومسلكية، وبناءً على ذلك يدخل كل من الدين والإيديولوجيا والفكر في نطاق الحقوق والحريات الإنسانية الفردية، وهي مكفولة للجميع، بلا استثناء ولا تفرقة ولا حظر، ما دامت فعالياتها ومفاعيلها تتم على نحو سلمي، لا يتسبب بأي ضرر لا لصاحبها، ولا لسواه، ولا للدولة أو للمجتمع.

هذا يعني أن العلمانية ليست لديها أي عقيدة أو فلسفة حصرية، لا في مجال الدين والإلحاد عقائديًا، ولا في مجال الاشتراكية والرأسمالية اقتصاديًا، ولا في المحافظة والتحرر أخلاقيًا، وهكذا دواليك، فهذه الأمور كلها تنتمي إلى مجالاتها الخاصة، التي تعطي فيها العلمانية الحق للناس بأن يختاروا فيها بحرية وعقلانية ما يرونه صالحًا وصوابًا، وتفسح فيه مجالًا للتعددية والتنوع على أرضية تامة من المساواة والمسالمة.

في موقفها من الدين، لا تفرض العلمانية ولا تمنع أي دين أو معتقد، فالحرية الدينية والمعتقدية مكفولة للجميع، طالما أنهم في تدينهم أو لا تدينهم لا يتسببون بأي ضرر، وفي الوقت الذي تكفل فيه العلمانية هذا الحق لكل الناس، فهي تمنع الخلط بين الدين والسياسة، وتدخـّل الدولة في الدين وبالعكس، لما في ذلك من خطر على حقوق الناس ووحدة وسلامة الدولة والمجتمع، فتبنّي الدولة كليًا أو جزئيًا لدين أو عدة أديان دون سواها، وبناء على ذلك تمييز أصحابهم عن الآخرين، سيخل بحالة التساوي ومبدأ الكفاءة بين مواطنيها، ويشعر هؤلاء الآخرين بالغبن والانتقاص، ونقص المواطنة والانتماء المجتمعي، ويولد لديهم الغضب والنقمة، وقد يتطور ذلك إلى درجة العنف والصراع؛ أما تدخل رجال الدين في السياسة، فهو بدوره يفسح المجال لتسييس الدين واستغلاله في المصالح الشخصية والفئوية، ويؤدي إلى انقسام الناس على أساس ديني وطائفي، وإلى نمو العصبية والعنصرية بينهم، وينمي أخطار التطرف والتكفير، وما يمكن أن تقود إليه من اضطهاد أو صدام.

أما قضية الإلحاد، فالعلمانية لا تشجعها ولا تمنعها، بل تمنع فقط أي مسعى من قبل المؤمن أو الملحد لإيذاء الآخر، أو إجباره على معتقده.

فإن كان الأمر كذلك، فهل يحق لأي مؤمن الاعتراض؟ وبأي حق عندها يريد هذا المؤمن فرض معتقده على الآخرين، أو محاسبتهم على دينهم المختلف أو إلحادهم؟ وإن كان هذا المؤمن لا يرضى أي عدوان على معتقده وحقه في هذا المعتقد، فكيف يرضى لنفسه هذا العدوان على الغير؟ أو ليس حريًا به أن يترك البت في قضايا الدين والإلحاد لله، وأن يعيش في سلام واحترام مع المختلفين عنه محتفظًا بقناعاته وآرائه، وتاركًا لهم قناعتهم وآرائهم، وأن يجادلهم بالحسنى، إن اقتضى الأمر؟!

من حق كل مؤمن بالطبع أن يخاف على دينه ويغار عليه، ولكن رهاب العلمانية لا يقوم إلا على واحدة من أقبح الأباطيل والأكاذيب، التي تدعي أو تتوهم منع العلمانية للناس من القيام بعباداتهم، فكل مسلم أو مؤمن يحيا في الغرب العلماني يرى بعينه المجردة -إلا إذا كان لديه مشكلة في البصر أو البصيرة- أن الحقوق الدينية مضمونة ومحترمة هناك أكثر من أي دولة تقليدية مسلمة أو غير مسلمة لا تتبنى العلمانية، والدليل على هذا أن ثمة ملايين من المسلمين مثلًا يعيشون في الغرب، وإسلامهم أكثر احترامًا مما هو عليه في بلدانهم الأم، حيث يكفر الكثير من المسلمين بعضهم بعضًا، أو يتبعون في إسلامهم رجال دين مستخدَمين من قبل السلاطين الداخليين أو من قبل الطامعين الخارجيين، كما أنه ليس سرًا على أحد أن أضعاف مضاعفة أيضًا من المسلمين تحلم بالعيش في جنة الغرب الكافر، هربًا من جحيم وطنها (الإسلامي)!

أليست هذه حقيقة؟

أوليست حقيقة أيضًا أن كل مساعي إقامة الدولة الدينية، في كل مكان وزمان، أو فرض الدين بالإكراه كانت نتائجها كارثية، وتسببت بالكثير من الصراعات المدمرة والمذابح الوحشية، وهذا قد مر فيه الغرب الأوروبي؛ فتعلم من الدروس الفادحة الثمن وتجاوزه، أما نحن فما زلنا نعيشه ونُصرّ عليه، ونعاند ونتعامى!

كذلك هي حقيقة أن إبقاء المجال مفتوحًا للخلط بين الدين والسياسة، سيبقي الفرصة قائمة أمام كل انتهازي، ليمتطي الدين سياسيًا، والسياسة دينيًا، ويتلاعب بمشاعر الناس الدينية خدمة لمآربه الخبيثة، وهذه المآرب إما أنها لا تأبه بالانعكاسات الخطرة لهذه اللعبة الجهنمية على سلامة ومصلحة الوطن، وإما –وهذا هو الأخطر- أنها تتعمّد شرورها وتتقصدها!

هذا عن موقف العلمانية من الدين، فماذا عن موقفها من الجنس، وهو الآخر ما يزال يشكل لدينا عقدة، كعقدة الدين التي ما زلنا نعجز عن حلها بقبول الدين خيارًا حرًا لكل إنسان!

فما هو الموقف الحقيقي للعلمانية من الجنس والإباحية؟ ولا سيما أننا نرى في الغرب العلماني شكلًا سائدًا من العلاقات والممارسات الجنسية، لا يمكن وصفه في أعرافنا إلا بالإباحية؟!

هنا لا بد أن نكون حذرين في مواقفنا من هذه القضية الجد حساسة، وهي أكثر حساسية من الإلحاد نفسه، ويجب علينا أن نميز بين المبادئ والمفاهيم والوقائع!

لكي نكون صريحين، يجب أن نعلن بصراحة ووضوح، أن العلمانية –هي من حيث المبدأ- مع “الحرية الجنسية” التي تندرج في نطاق الحريات الإنسانية، والحرية الجنسية من حيث المبدأ، وهنا لا بد من التركيز الشديد على كلمة “المبدأ”، تعني حرية الإنسان في اختيار شريكه الجنسي، وشكل العلاقة المتفق عليه معه، أي باختصار أن شرعية أي علاقة تقوم على الإرادة الحرة في قيامها، وبالطبع في حدود عدم التسبب بالأذى العام والخاص، وعند هذه النقطة ينتهي دور العلمانية، فهي لا تحدد أشكال العلاقة المقبولة أو غير المقبولة بين الرجال والنساء، وتترك هذا المجال للثقافة والأخلاق الخاصة بكل مجتمع!

النمط السائد للعلاقات الجنسية في الغرب، هو من حيث المبدأ يقوم على مبادئ الحرية العلمانية، لكنه من حيث الشكل والمضمون يتنافى مع غاياتها، وهي تمكين الإنسان من بناء عالمه الإنساني الأفضل الذي يستطيع من خلاله أن يحقق أقصى درجات إنسانيته، فالشكل الجنسي السائد في الغرب هو عموما شكل استهلاكي، يحول الإنسان إلى سلعة جنسية، ويفقد العلاقة بين الجنسين معناها الإنساني، ويتسبب بالعديد من المشكلات الحقيقية على الصعيد النفسي للفرد والاجتماعي للمجتمع، ناهيك عن المخاطر الصحية البيولوجية، وهذه أمور يدركها ويعترف بها كلها الغربيون أنفسهم ولا يتجاهلونها! وهم لا ينتظرون منا أن نبحث لهم عن حلولها، ولا يأبهون بإعابتنا و(تعييرنا) لهم عليها، وبدلًا من ذلك يبحثون بجدية وعقلانية وصدق عن البدائل الأفضل لهم في كل من الجنس وسواه.

هذا الشكل الاستهلاكي للجنس السائد اليوم في الغرب هو جزء من ثقافة الاستهلاك اللا ثقافية المتفشية اليوم فيه، في جل ميادين الحياة، حيث يصبح الاستهلاك هو غاية الحياة ومعيار تطورها، وهذه الثقافة هي من نتاج الرأسمالية الغربية التي يشكل الاستهلاك إحدى دعاماتها الأساسية، وقد تعزز كل هذا في النمط النيوليبرالي للرأسمالية، الذي يحررها من كل ضوابط الدولة والمجتمع، بل يعطيها الإمكانية لإعلاء السوق فوقهما وإخضاعهما لها، وبالتالي سلعنة كل العلاقات بين الناس، بل حتى الناس أنفسهم!

مع ذلك فالغرب العلماني لا يفرض قطعًا على أي شخص أي سلوك جنسي لا يريده، سواء كان غربيًا، أم وافدًا إلى الغرب من ثقافات أخرى. ولكي يكون الكلام دقيقًا؛ سأقول بصفتي شاهد عيان درس في دولة أوروبية، وثمة الكثيرون مثلي ممن شاهدوا ويشاهدون ما شاهدت، إنني التقيت هناك بالعديد من الناس من الجنسين من أبناء هذه الدولة الأصليين الذين يرفضون الشكل السائد للجنس، ومنهم من يفعل ذلك بناء على قناعات دينية، ومنهم من يفعله على أساس فكري عقلاني محض، وهؤلاء الأوربيون اتخذوا هذا الموقف بإرادة حرة تمامًا، وفي بيئة لا تجبرهم على المحافظة الجنسية، ولا تدينهم على خرقها بتهمة الزنا وتنالهم بالفضيحة والعار.

لكن ماذا كان لدينا في الطرف المقابل؟

لقد كان لدينا طلاب جامعيون وطلاب دراسات عليا، وموفودون عسكريون، وعمال وتجار، وسواهم، من العرب والمسلمين، والعديد منهم كان لهم أبناء في مثل عمرنا عندها، وبعضهم لديه في بلده أكثر من زوجة، أو متزوجًا في المغترب، وكان معظم هؤلاء يرمون في الغربة أخلاقهم الجنسية المحافظة بلا أسف وراء ظهورهم، وينهمكون في ما يسمونه إباحية جنسية، ويعتبرونه حرامًا ورجسًا وعارًا، وهذا السلوك لم يكن يقتصر على الذكور وحسب، فحتى الإناث كانت نسبة منهن -وإن كانت أقل- يسلكنه بدورهن، في الوقت الذي ليس لدى الغربي -رجلًا كان أو امرأة-  مثل هذه الاعتبارات الإدانية لسلوكه الجنسي الذي يعتبره عاديًا، وهو على الأقل متصالح فيه مع نفسه، أما أبناء عروبتنا وإسلامنا، فمعظمهم في الغرب يصبح في سلوكه الجنسي غربيًا أكثر من الغربيين أنفسهم، وكأنه بذلك يعوض سنوات حرمانه في شرقه، أو يستغل فرصة وجوده المحدودة في الغرب، وكان البعض من هؤلاء يصل في فلتانه الجنسي وغير الجنسي إلى درجة مذمومة بالمعايير الغربية نفسها، فما بالك بمعايير الشرق! وجميع هؤلاء عادةً بعد انقضاء فرصتهم في الغرب، عندما يعودون إلى شرقهم، ينفضون الغبار المتراكم عن جبة الفضيلة، ويرفعون راية الشرف بعد ترقيعها وكأن شيئا لم يكن!

هذا إن دل على شيء، فهو يدل على هشاشة إرادتنا الأخلاقية، وضعف مصداقيتنا في القيم التي نتبناها، ويدل أيضًا على تناقضنا وعدم تصالحنا مع ذواتنا، وقابليتنا الكبيرة للكذب على أنفسنا وممارسة النفاق.

هذا لا يقتصر على الجنس وحده، بل يكاد يكون سمة عامة، تتسم بها كل مجالات سلوكنا، فنحن لا نقيم أخلاقياتنا ومبادئنا على الإرادة الحرة والخيار الواعي، بل نفعل ذلك إما بالتقليد الأعمى، أو تحت الضغط والإكراه والتهديد بالعواقب الوخيمة! إن أخلاقيتنا هي عمومًا أخلاقية الجاهل أو الخائف، ولذا لا عجب في هشاشتها وسهولة خرقها.

على أي حال، كل عربي أو مسلم عاش أو يعيش في الغرب، يعلم جيدًا أنه لا أحد هناك يفرض عليه أو على سواه أي شكل لا يريده من العلاقات الجنسية، ولكنه إن كان صريحًا وجريئًا، بما فيه الكفاية، فسيعترف بأن أكثرية شباب العرب والمسلمين في الغرب ينخرطون عن طيب خاطر في ما يسمونه إباحية جنسية.

مع ذلك، فالعلمانية لا علاقة لها بهذه القضية، ونمط تطور الجنس الغربي ليس النموذج الحتمي المقترن بالعلمانية، فهناك دول عديدة في العالم تبنت العلمانية، ولم تتفش فيها ظاهرة الجنس الاستهلاكي بتاتًا، ومن تلك الدول اليابان وكوريا الجنوبية والهند وتركيا وغيرها، وشعوب هذه البلدان لم تفقد من جراء خيارها العلماني لا مثلها الروحية ولا قيمها الجنسية، وحافظت على خصوصياتها الدينية والثقافية.

في الختام ربما يجدر بنا أن نُسائل من ينشرون دعاية اقتران العلمانية بالإلحاد والإباحية، هل أنتم صادقون مع أنفسكم في ما تدعون؟!

كل الوقائع تؤكد بطلان ادعاءاتكم، فإن كانت العلمانية لا تهدد دين المسلم وأخلاقه في عقر دارها، فهل ستهددهما في عقر داره؟!

لكن حقيقة موقفكم واضحة ومفهومة، وأنتم تخافون من العلمانية، لأنكم في حقيقتكم تخافون من مواجهة العقل والعلم والحرية والاعتراف الكامل بالإنسان، وهي مبادئ وغايات العلمانية في الوقت نفسه، أما أنتم، فلا تختلفون عن الديكتاتوريات السياسية، التي تقوم على أسس مصادرة حرية الشعوب وتجهيلها، لتحويلها إلى قطعان، وبغير ذلك لا تقوم!

وكما يحارب الطواغيت السياسيون، باسم الوطنية، الوعيَ والإرادةَ بشتى السبل والذرائع ليرسخوا ديكتاتوريتهم، فالديكتاتوريات الاجتماعية والدينية والأخلاقية تفعل الشيء عينه، فالديكتاتور هو الديكتاتور، وما أكثر ما يتشابه ويتحالف الديكتاتوريون! وشعار ممارسة الوصائية الكاملة على الشعب القاصر الفاقد المناعة وحمايته من الغزو الثقافي، يرفعه الكل، ولا يكتفي برفعه فقط، فهذا لا يكفي ولا يجدي نفعًا إلا بجعل الناس فعليًا قاصرين وبلا مناعة، ليمتلك أسيادهم بذلك الذريعة والإمكانية للتحكم بهم كما تقتضي مصالحهم ونزواتهم.

إذا ما نظرنا إلى ديننا وأخلاقنا وتقاليدنا الاجتماعية؛ فسنجد ببساطة وبشكل صادم للغاية، أنها بتاتًا لا تقوم على الإرادة والوعي! فماذا لدينا في الدين إلا اتباع التقاليد السالفة المتخارجة مع العصر والحداثة، وإشهار سيف التكفير بوجه كل من يخالف أو يختلف؟ وماذا لدينا في الجنس إلا الكبت والعيب والخوف، وإشهار هراوة التعهير بوجه من يعترض؟ لقد جعلنا الدين خطًا أحمر ملتهبًا كنار جهنم، وجعلنا الجنس رهابًا وهوسًا وسعيرًا لا يهدأ، كما جعل الحكام الوطن كابوسًا يهدرون باسمه الحقوق المعنوية والمادية للناس، ويرفعون باسمه سلاح التخوين ضد كل معارض، وفي المحصلة؛ حطمنا توزان الإنسان وإنسانيته معه، وحوّلنا الأوطان إلى زنازين أو محارق.

في مثل هذا الفقر المدقع في تربيتنا الدينية والوطنية والجنسية والأخلاقية والإنسانية عمومًا، وهو متعمد من قبل الغالبية العظمى من أصحاب القرار والمتحكمين بالسياسات ومرتبط بمصالحهم، تكون العلمانية بالطبع عدوًا لدودًا؛ لأنها تعطي الإمكانية الإرادية والعقلانية والعلمية للاختيار الصحيح والتنشئة السليمة، وهذا ما يرهبه المتحكمون والمستغلون.

العلمانية هي منهجية تعتمد على مبادئ الحرية والعقل في بناء الدولة والمجتمع، والعاقل الحر عندما يسعى لبناء مجتمعه ودولته الخاصين، لا يقلد الآخرين، لكنه يستفيد من تجاربهم، والعلمانيات الآسيوية المذكورة أعلاه لم تستنسخ تجارب الغربيين، وطورت خياراتها الخاصة، وبإمكاننا نحن أيضًا فعل ذلك إن كنا صادقين! ولا أحد منا يستطيع أن ينكر ما حققته العلمانيات الغربية من سلام في مجتمعاتها وتطور في نظمها وازدهار في اقتصادها، أما نحن فما زلنا نتصارع ونقتل وندمر بعضنا البعض باسم الطائفة والقبيلة والعرق!

فهل سنمضي في طريق الحرية والعقل إلى السلام والازدهار، أم سنستمر في محاربتهما باسم الدين والأخلاق، وكل ما حولنا وما نحن فيه من صراع ودمار وانهيار يشهد ويؤكد بأن من يرفض الحرية والعقل، هو –كائنًا من كان وأينما كان- بلا دين ولا أخلاق ولا إنسانية!