فدوى سليمان.. الموت قهرًا

منذ تأكيد مقتل باسل الصفدي مؤخرًا على يد قوات النظام السوري، الأسئلة تتلاحق داخل مكعب الرأس المزدحم بالأحلام الموءودة.

أسئلة مؤرقة، ناقدة، مهلكة، قاسية.. أسئلة تضرب عميقًا، ليس في الروح على هيئة حزن يتملّك القلب على من نفقد فحسب، بل على مستوى الفكر والوعي أيضًا: لمَ وصلنا هنا؟ لمَ تموت أيقوناتنا وأصواتنا الجميلة، فيما يبقى “الجولاني” وأشباهه؟ لمَ خذلت أحلامنا؟ لمَ سقطت خيارات السلمية أمام السلاح؟ ولمَ سقط المشروع الديمقراطي أمام المد الجهادي؟

يأتي موت فدوى سليمان ليضيء جرح الأسئلة بملح يتعمّد الحفر عميقًا، ملح يلف أيامنا وأحلامنا التي ضاعت بأيدي “سوريين”، طالما عملت فدوى على الوقوف في وجه جنونهم وأحلامهم وهذيانهم “الثوري”، سوريين طالما وقفت فدوى في وجههم وفي وجه الطريق الذي توهموا أنه طريق نحو الثورة، فيما كان طريقًا نحو الخراب الذي حذرت منه زرقاء اليمامة مبكرًا، دون أن يستمع إلى صوتها أحد.

إذا كان باسل الصفدي وباسل شحادة.. قد قُتلوا على يد قاتل معلوم، لم يكن يتورّع عن إضافة اسم فدوى إلى القائمة لو تمكّن منها؛ فإن وفاة فدوى في المنفى الباريسي لم يكن موتًا طبيعيًا، وإن اتخذ صيغة الطبيعي، أي المرض، فهذا المرض الذي فتك بجسدها الصلب، لم يكن مرضًا بقدر ما كان نتاج تراكم القهر.. القهر الذي لازمها مذ صرخت أول صرخة حرية حتى لحظاتها الأخيرة، في مشفى باريسي بارد وجاف.

لا أعرف من قال إنّ الإنسان لا يموت دفعة واحدة، وإنما يموت بالتقسيط، فمع كل قهر وحزن وخيبة وفقدان يموت شيء داخلنا، وهكذا يراكم الموت خطواته داخل أرواحنا إلى أن تصبح نسبة الموت أقوى من نسبة الحياة؛ فيحصل الموت النهائي الذي نظنّ أنه جاء فجأة كالحب، في حين أنه كان يعيش معنا، ملازمًا لكل خطوة، منتظرًا لحظة الفتك بأحلامنا.

بعيدًا عن تنبؤ فدوى الدائم الذي كانت تسر به لأصدقاء مقرّبين، بأنّ عمرها سيكون قصيرًا، كعمر فراشة تحلق حول ضوء موتها/ ثورتها، قصيرًا كحياتها الصاعدة نحو درب المجد؛ فإن موتها كان نتاج تراكم القهر: قهر من المسار الذي سلكته الثورة نحو دروب لا تشبهها ولا تشبه ما نادت به وخرجت لأجله، القهر من الطائفية، القهر من الفساد الثوري، القهر من تنازع السوريين على لا شيء، القهر من تنازل “الثوريين” عن قيمهم الثورية، لقاء شهرة زائفة وأموال تبحث عمّن يباع، القهر من خذلان رفاق الدرب الذين تساقطوا، فيما بقيت تصعد وتصعد حتى وصلت ذروة قهرها، فانفجر الجسد وصرخ صرخته الأخيرة.

ثمة ما هو تراجيدي حتى الصراخ في هذا القهر، فالمرأة التي حملت من القوة أن تقول لا للاستبداد مذ صرخ السوريون حرية، والمرأة التي حملت الزيتون من الساحل السوري إلى دوما والقابون، لتقول إننا شعب واحد، والمرأة التي تجولت في بقاع سورية، من حمص إلى درعا، لتصرخ: لا للطائفية، المرأة التي كسرت جدران العائلة والقبيلة والطائفة حين تحولت إلى سجون تريد أن تأسر صوتها، المرأة التي ظلّت تبحث عن مكامن أمل حتى في منفاها الباريسي عبر تنظيم التظاهرات وغيرها من وسائل الدعم لإيصال صوت الثورة.. هذه المرأة التي جسدت القوة كاملة، المرأة التي لم يقدر عليها الاستبداد، ولن يقدر، قهرها تراكم قهر الخيبات الذي تجلّى على هيئة مرض انتصرت عليه وقاومته وسخرت منه، وعادت إلى نشاطها مرّة أخرى بعد شفاء مؤقت.. إلا أن القهر السوري المتراكم كان أكبر من القدرة على هزيمة إشعاع قوتها وقدرتها على هزم المرض؛ فكانت ضحية قهرنا وخذلاننا الذي ضيّع ثورة لم نعرف كيف نحافظ عليها، كما أراد صوتها الذي ظل يحمل السلام ويزرع الزيتون، أينما حل.

سيهزم الاستبداد يومًا، يا فدوى.. وستبقى شجرة الزيتون التي غرست في القابون.

الزيتون باق والاستبداد إلى زوال.