مقاربة في مفهوم الهوية الوطنية

قبل الحديث عن الهوية الوطنية، لا بد من مرور بعجالة على مفهومي الوطن والوطنية.

تحمل كلمة الوطن معانٍ كبيرة وسامية في نفوس أبنائها، وهو اسم يُشير إلى الأرض الأم التي يعيش عليها جماعة لفترة تاريخيّة طويلة، ويُعدُ الانتماء من أهم مقوّماته وهو الانتساب الفعلي إليه، وينتج عن ذلك نشوء هويّة ذات صبغة وطنيّة للأفراد الذين عاشوا فيه.

أما الوطنية، فهي مفهوم يدلّ على حسّ الانتماء إلى الوطن والولاء له. وهي مشاعر المحبة والولاء والعطاء التي يحملها الإنسان في قلبه تجاه وطنه ويترجمها سلوكًا وأفعالًا واقعةً على الأرض، إلى جانب كونها تعني الاستفادة من خدمات الوطن واستثمار مقدّراته.

ما الهوية؟

تُعرَّف الهوية في الفلسفة بأنها حقيقة الشيء المطلقة التي تشتمل على صفاته الجوهريّة التي تميّزه عن غيره، كما أنها خاصيّة مطابقة الشيء لنفسه أو مثيله، أي أنها مجموعة من السمات التي تسمح بتعريف موضوع معين، مع إدراك أن هناك تجددًا في ظهور عناصر جديدة عند التحديد والتعريف، وأن السمات التي تنطلق من معايير نموذجية تسمح بمعرفة العناصر التي تشكل وحدة الهوية.

وجاء في كتاب (الكليات) لأبي البقاء الكَفوي: أن ما به الشيء، باعتبار تشخصه، يسمى هوية، وقال أيضًا: إن الأمر المتعقل من حيث إنه مقول في جواب (ما هو) يسمى ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار يسمى هوية.

وفي كتاب (التعريفات) للجرجاني: الهوية هي الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق.

وسواء اعتمدنا المفهوم اللغوي لكلمة (هوية)، أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي، فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير، وهو يشتمل: (الامتياز من الغير، والمطابقة للنفس، أي خصوصية الذات، وما يتميز به الفرد أو المجتمع عن الأغيار من خصائص ومميزات، ومن قيم ومقومات.

نخلص من ذلك إلى أن مفهوم الهوية الوطنية في كل جماعة هي الخصائص والسمات التي تتميز بها، وتترجم روح الانتماء لدى أبنائها، ولها أهميتها في رفع شأن الأمم وتقدمها وازدهارها، وبدونها تفقد الجماعات كل معاني وجودها واستقرارها، بل يستوي وجودها من عدمه. وهذه السمات تعبّر عن كيانٍ ينصهر فيه أفرادٌ منسجمون ومتشابهون بتأثيرٍ من هذه الميزات والخصائص التي تجمع ما بينهم. ومن منطلق هذا الشعور الوطني؛ فإن كلّ فردٍ يستمد إحساسه بالانتماء والهويّة، ويشعر بأنه ليس مجرّد فرد نكرة، وإنما هو مشتركٌ مع مجموعةٍ كبيرة من الأفراد في عددٍ من المعطيات والأهداف والمكوّنات، إضافةً إلى انتمائه إلى ثقافةٍ مركبة من جملةٍ من الرموز والمعايير والصور.

عناصر الهوية

إن تحديد هوية مجتمع ما يقتضي العودة إلى جملة من العناصر التي يمكن تصنيفها بعناصر مادية وتاريخية وثقافية ونفسية واجتماعية، في إطار تنظيم متكامل، وتمثل (الهوية) وحدة كلية متقاربة ومتكاملة لتشكل عبر ذلك كله حقيقة اجتماعية تنطوي على عناصر مثل البيئة الحيوية والتاريخ والديموغرافيا والأنشطة الاقتصادية أو غيرها من الأنشطة المختلفة، وعلى التنظيم الاجتماعي والذهنية، وهذه العناصر تشكل أنظمة إدراكية وتقويمية.

وتتحدد مقومات الهوية بـ: اللغة، الثقافة، الانتماء، وبالولاء للوطن، ومواجهة التحديات، والتعايش المشترك.

كما توجدُ مجموعةٌ من العوامل التي تُؤثّرُ في بناءِ الهويّة عند الأفراد؛ ومن أهمها:

– المجتمع، وهو أولُ العوامل المُؤثّرة في بناءِ الهويّة.

– الانتماء: هو الارتباط بالمكان الذي يعتمد على دور الهويّة في تعزيز مفهومه عند الأفراد، والجماعات.

وهناك عناصر للهوية الوطنيّة لا بد من توفرها، وقد يختلف بعضها من أمّة إلى أخرى كالتاريخ، والموقع الجغرافي، ويربطهم كذلك الرباط اقتصاديّ، والحقوق المشتركة، حيث يتمتع أبناء الهوية الوطنية الواحدة بالحقوق ذاتها، كحق التعليم، وحق التعبير عن الرأي، وحق الحياة بكرامة وعزة على أرضهم، وحق الملكية، وحق العمل، وغير ذلك من الحقوق التي تجسد معاني الهويّة الوطنية. وعليهم تأدية الواجبات الفرديّة والجماعية التي يتعين على المجموع الوطني القيام بها.

الهوية الثقافية

هناك ترابط وثيق بين الهوية والثقافة، فلا هوية من دون ثقافة تستند إليها وتؤسس لها، وهما عنصران متلازمان من عناصر الذات، ومكونان متكاملان من مكونات الشخصية الفردية والجماعية. أي أن لكل جماعة هوية تتميز بها، ولها ثقافة معلومة تُعرف بها.

إن الهويّة الثقافيّة لمجتمعٍ ما تُعدّ القدر الثابت والجوهري والمشترك من الميّزات والسمات العامة التي تميّز كل حضارةٍ أو مجتمعٍ من الآخر، وهي عبارة عن ثقافةٍ ما، أو هويّة لمجموعةٍ ما أو شخصٍ ما. ويتماثل مصطلح الهويّة الثقافيّة مع مصطلح سياسة الهويّة، حيث إنّ الهويّة هي ذات الفرد، وتتضمن في معناها عددًا من القيم والمعايير، إضافة إلى هذا، فهي تعني التناسق بين العقل والهويّة عن طريق نبذ التعصّب والتطرّف العرقي والطائفي في شتّى صوره وأشكاله. وتعرّف أيضًا بأنها مركبٌ متجانسٌ من التصورات والذكريات والرموز والقيم والإبداعات والتعبيرات والتطلعات لشخصٍ ما أو مجموعةٍ ما، وهذه المجموعة تشكّل شعبًا بهويته وحضارته التي تختلف من مكانٍ إلى آخر في العالم.

إن الهويّة الثقافيّة هي المعبّر الأساسي عن الخصوصيّة التاريخيّة لمجموعةٍ ما، أو أمةٍ ما، إضافةً إلى نظرة هذه المجموعة أو الأمة إلى الكون والموت والحياة، وإلى نظرتها إلى الإنسان ومهماته وحدوده وقدراته، والمسموح له والممنوع عنه. إذًا فإنّ الهويّة الثقافيّة هي عددٌ من التراكمات الثقافيّة والمعرفيّة، تأتي انطلاقًا من تقاليد وعادات في العائلة والمجتمع المحيط بها.

وتغطي الهويّة الثقافيّة ثلاثة مستويات فرديّة وجماعيّة ووطنيّة أو قوميّة؛ بحيث يتمّ تحديد العلاقة بين هذه المستويات بنوع الآخر المواجه لها، والعلاقة بين أطراف الهويّة الثقافية، وهم الأفراد والجماعات والمجتمع.

الهوية والعولمة

على الرغم من أنّ اتجاهات العولمة تسير نحو التأثير السلبي على الهوية والسيادة معًا، فإنها تولد إحساسًا يؤدي إلى مزيد من الوعي بالخصوصية الثقافية والحضارية.

ومن تعريفات الهويّة الثقافية، نستنتج أنّه يستحيل وقوعها تحت مقولة العولمة، وذلك لتعدد الثقافات حول العالم، حيث إنّه لا توجد هناك ثقافة عالمية واحدة، ويستحيل أن تتواجد في يومٍ من الأيّام، لكن الموجود عددٌ من الثقافات المتعددة والمتنوّعة، على مستوى الأفراد والجماعات والأمم، وتعمل كل ثقافةٍ من هذه الثقافات بصورةٍ عفويّة وتلقائيّة، أو عن طريق تدخلٍ من أصحاب هذه الثقافة، بهدف الحفاظ على مقوّماتها وكيانها الخاص.

وفي دراسة للمفكر الأميركي صمويل هنتجنتون، صاحب كتاب (صراع الحضارات)، نشرها في مجلة (شؤون خارجية) تحت عنوان (الغرب: متفرد وليس عالميًا)، يقول: إن روح أي حضارة هي اللغة والدين والقيم والعادات والتقاليد، وإن التغريب الثقافي في المجتمعات غير الغربية يؤدي إلى مزيد من تمسك تلك المجتمعات بثقافاتها الأصيلة، ولذلك على الغرب أن يتخلى عن وهم العولمة.

ونخلص إلى القول إن الهوية الثقافية والحضارية لجماعة ما، تجعل للشخصية الوطنية أو القومية طابعًا تتميز به من الشخصيات الوطنية والقومية الأخرى.

الهوية والديمقراطية

تُعتبر الهوية، وهي الشعور بالانتماء، ظاهرة إنسانية أصيلة، وأي جماعة، حينما تمر بحالة من التمزق السياسي والاجتماعي والاقتصادي، تُعَبر عن هذا التجاوز بالهوية الثقافية. لكن هذه الهوية لا تنتصر الانتصار الكلي، بسبب أن الهويات الدينية والإثنية تظل حاضرة بهذا الشكل أو ذلك، بسبب غياب دولة المواطنة الديمقراطية، وبسبب أن السلطة السائدة لم تعر الهويات، في حق التعبير عن نفسها، أي شأن.

إن الديمقراطية هي الشرط الأول لانتصار الهوية الكلية من خلال حق الهويات في التعبير عن نفسها ثقافيًا وسياسيًا، وقمع الهويات هو الشرط الأساسي لظهور الهويات المتعصبة، سواء كانت دينية أو إثنية أو ما شابه ذلك، والتعصب يدمر الصيغة السياسية – الثقافية ذات المنحى التعددي.

وبالعكس، في النظام الديمقراطي يتاح للجميع التعبير عن الهوية، وبالتالي تتحول الهوية إلى هوية هي الأخرى ديمقراطية، وتصبح جزءًا لا يتجزأ من الهوية الكلية، وشكلًا من الثراء الثقافي للمجتمع.

إن الهوية الديمقراطية لجماعة ما تعني: فصل الأيديولوجيات (دينية أو غير دينية) عن الدولة، وسيادة القانون، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، والمجتمع المدني، والمؤسسات النيابية، والحرية الفردية.

تطور الهوية

تتشكل الهويات، وتكتسب صلاحيتها من خلال سلسلة متواصلة من التفاعلات، واكتسابها ينطوي دائمًا على عملية البناء وإعادة البناء، واكتشاف سمات إضافية باستمرار، إنها عملية دائمة السيرورة على امتداد حياة الأفراد والجماعات تتوق إلى النظر نحو المستقبل، عملية تتغذى بالتاريخ لتشكل بعدها استجابةً مرنة متحولة مع تحوّل الأوضاع التاريخيّة والاجتماعيّة، وبذلك تكون الهويّة نسبيّة متغيرة مع حركة التاريخ والانعطافات التي يتعرّض لها. ولقد طرحت جدليّة ثبوت الهويّة أو تغيرها على محك النقاش والمساءلة، وأثبتت الجدالات العلمية أن هويّة أي أمةٍ أو مجتمع ليست أمرًا سرمديًّا أو ثابتًا –وفق رؤية المفكّر المغربي محمّد عايد الجابري- بل هي مرتبطة بكافة المؤثّرات الخارجيّة، إضافةً إلى التداول العلمي للثقافات والأفكار، ولارتباطها بالصراع على السلطة، وهذه الصراعات تؤثّر فيها -بشكلٍ مباشر أو غير مباشر- لعبةُ التوازنات والمؤثرات الخارجية المحيطة.

ونخلص إلى أن الهويّة عبارة عن كيانٍ يمكن أن يتطور، ولا يمكن تحديدها كمُعطى نهائي، وتمتاز هذه الهويّة بغناها الناتج عن تجارب أصحابها، وكمّ المعاناةِ التي مرّوا بها ونجاحاتهم وانتصاراتهم وتطلّعاتهم، إضافةً إلى احتكاكها الإيجابي أو السلبي بالهويّات الأخرى التي تتداخل معها، بشكلٍ أو بآخر.

إن الهوية الوطنية هي قضية انتماء وولاء تعني شعبًا محددًا، ومن لا هوية له لا وجود له في الحاضر، ولا مكان له في المستقبل. وإنّ حمايتها وتنميتها هي قضية التزام وطني وتاريخي ومستقبلي بالقيم الحضارية، وهي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع، أفرادًا وجماعات ومؤسسات، كما تستوجب منا جميعًا تكثيف الجهود، بهدف المحافظة عليها كموروث وطنيّ للأجيال القادمة.

وهي كمنظومة اجتماعية وأخلاقية، ترتبط بتفاصيل حياة الشعب ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، تقوم على استحضار جوهر وجوده، واستقراء أسباب بقائه، حفاظًا على هذا الوجود من تحديات التشتت والإمِّحاء والتفكك والإلغاء، من خلال تعزيزها العمل الجاد والمبادرة المنتجة.

وأخيرًا، إنّ للوعي بالهوية الوطنية والالتزام بها آثارًا عظيمة، تنعكس على الفرد والمجتمع والوطن بشكل عام، وتتمثل في قوةِ النسيج الاجتماعي، ونهضة في العلم والمعرفة، وقوة في الاقتصاد، واستغلال جيد للعقول المبدعة، وتطوير دائم وبنّاء للوطن، ولحوق بركب الحضارة، وهيبة للوطن والمواطن، إذا اعتز الكل بهويته الوطنية، فأحسن فهمها، وأجاد لغة التعبير عنها.