نحو مدخل اجتماعي للتربية والتعليم

تلح الحاجة في سورية، اليوم وفي المستقبل، إلى مدخل اجتماعي لدراسة نظم التربية والتعليم التي أفسدتها “التربية القومية الاشتراكية” وثقافتها العنصرية، أيّما إفساد، وإعادة بنائها على مبادئ المساواة والحرية والعدالة، لأن التربية والتعليم من أهم الشؤون الاجتماعية، وهي المصدر الرئيس لرأس المال المعرفي والثقافي الذي يتوفر عليه المجتمع؛ فالتربية والتعليم هما الوسيلتان اللتان يحسِّن بهما المجتمع شروط حياته الخاصة، ويجدِّدها باستمراروتكمن وظيفتهما في عملية التنشئة الاجتماعية المنهجية للأجيال الجديدة. (دركهايم 1996). والمدرسة صورة مركَّبة، وإن مصغرة، عن المجتمع الذي توجد فيه، والبيئة التي توجد فيها، والمجتمع الذي سيكون، والبيئة التي ستكون.

وإذ نتحدث عن نظم تربوية وتعليمة، بصيغة الجمع، إنما ننطلق من واقع التنوع في المجتمع السوري الكلي، فإن النماذج التربوية – التعليمية، التي تختلف من مجتمع إلى آخر، تختلف في المجتمع الواحد باختلاف البيئات الاجتماعية واختلاف المرجعيات الثقافية، وتتباين وفقًا لتباين سلّم القيم الاجتماعية والمهنية، في كلّ منها، ضمن الشرط الاجتماعي – التاريخي للمجتمع الكلي، أي ضمن علاقة المجتمعات الصغيرة بالمجتمع الكبير، وهي علاقة تفاعلية بالضرورة، للمبادلات المادية أثر كبير فيها، على الرغم من كل ما يقال عن “التحاجز الاجتماعي” أو “نقص الاندماج” الاجتماعي، الوطني أو القومي، ولا فرق.

وتجدر الإشارة إلى أن شروط التبادل المادي غير متكافئة، بين المدن والحواضر السورية، وبين هذه المدن والحواضر ومحيطها الزراعي. لهذه الشروط غير المتكافئة أثرٌ عميق في عمليات التبادل الثقافي، في ظلّ توزيع غير عادل للموارد المعرفية والثقافية، علاوة على الشروط غير المتكافئة بين الجماعات الإثنية/ اللغوية، ومنع الجماعات غير العربية من تعلم لغاتها وتعليمها، وتجديد ثقافتها. ولكن لا يمكن تجاهل الآثار الإيجابية لتعميم التعليم الرسمي ونشر المدارس في جميع أنحاء البلاد، وإنتاج شبكات متنوعة من العلاقات الاجتماعية، كان للمعلمين والمعلمات دور أساسي فيها، ولا سيّما أبناء المدن والحواضر وبناتها الذين كانوا يعينون في الأرياف، قبل أن تحقق المناطق الهامشية كفايتها التعليمية. وقد تناول الأدب الدور التنويري لهؤلاء.

لا بد من ملاحظة أن التربية والتعليم كانا، منذ أقدم العصور، ولا يزالان، أداتين اجتماعيتين رئيستين لتحويل المواليد الجديدة من كائنات طبيعية، أنجبتها مؤسسات طبيعية (الأسر) إلى أفراد معترف بهم أعضاء في الجماعة المعنية أو المجتمع المعني، سواء كان هذا الاعتراف مشروطًا، كما في الجماعات البطركية، كالعائلات الممتدة والعشائر والجماعات الإثنية – المذهبية، أو غير مشروط، كما في المجتمعات الديمقراطية الحديثة. وكان للتعليم شكلان: تكوين المعارف، الذي تتكفل به هيئات دينية أو مدنية، وتكوين الخبرات، الذي كانت تقوم به العائلات (توريث المهنة) والجماعات المهنية أو الطوائف الحرفية، التي يتزعم كلًا منها “شيخ الكار” أو “المعلم” أو “الأسطى”؛ ما يدل على انفصال المعرفة النظرية عن العمل أو الخبرة العملية، حتى زودت المدارس والمعاهد والجامعات بالمختبرات والورش والوسائل التعليمية المختلفة، وجاءت “المعاهد المتوسطة” التي تجمع -أو يفترض أنها تجمع- بين المعرفة والعمل.

إذ نجحت هذه المعاهد في ذلك، في البلدان المتقدمة، فإن نجاحها عندنا ما يزال ضئيلًا، نتيجة ضعف الروابط بين التعليم والتنمية من جهة، والانفصال التاريخي بين المعرفة والعمل من جهة أخرى. وما تزال المعارف النظرية في واد، والعمل المنتج في واد آخر، ليس بينهما سوى وشائج ضعيفة وعلاقات واهية، تدل على ذلك ندرة الكشوف العلمية وبراءات الاختراع وضعف القدرة على توطين التكنولوجيا وتبيئتها، والعجز عن المشاركة الإيجابية في تقدم المعارف والعلوم ونمو الثقافة العالمية، على الرغم من تفوق سوريات وسوريين في جامعات الدول المتقدمة ومعاهدها وفي مراكز البحوث العلمية والتقنية. وهذا مما يكشف عن هشاشة النظم التعليمية وتأخر الجامعات ومراكز البحوث وفسادها.

وإلى ذلك، من الصعب فهم التربية والتعليم، اليوم، بمعزل عن “النظرية الاجتماعية”، أو الرؤية الاجتماعية للنخبة التي تشرف عليهما تخطيطًا وتنفيذًا، وعن الفلسفة الاجتماعية السائدة التي يتبناها المجتمع، وهذه فلسفة ضمنية دومًا، قد تطفو على وجهها “نطريات” فلسفية، يسعى أصحابها إلى “تطبيقها” على المجتمع، كالليبرالية أو الماركسية. فعلى صعيد النظرية الاجتماعية لا تزال “النظريات الاجتماعية” الحديثة تنهل، إلى هذا الحد أو ذاك، إما من المصادر الكلاسيكية، وإما من كارل ماركس، أو ماكس فيبر أو إميل دركهايم، أو منهم جميعًا. وإذ تقترن كل نظرية اجتماعية بنظرية سياسية، لا بد من تقصي آثار النظام السياسي في التربية والتعليم. فليست السياسة/ السياسات التربوية والتعلمية سوى مركب من النظرية الاجتماعية والنظرية السياسية.

نفترض أن هذا المركب هو “نظرية” المجتمع المدني، منظورًا إليها في سياق تطورها التاريخي. فإذا كان المجتمع المدني يعني، في مكان معين وزمن معين، النزعة الجمهورية الدستورية، ويعني في مكان آخر الروح التطوعية المحلية المدعومة بمعايير غير رسمية من التضامن والتعاون المتبادل، فإن كلًا من هذين التوجهين الفكريين يسعى إلى تنظير المجتمع المدني بوصفه ميدانًا للفعل الحر، الديمقراطي، الذي يحد من غلواء تدخل سلطة الدولة (إهرنبرغ، 2008). ولذلك نعتقد أن التربية والتعليم يتموضعان في المساحة المشتركة بين هذه التوجهين، إذ لا غنى عن دور الدولة ولا غنى عن المبادرات المجتمعية. ولا يخفى تنازع الفئات الاجتماعية المختلفة على توجيه التربية والتعليم هذه الوجهة أو تلك. فلا بد -وهذه الحال- أن توفر النظم التربوية والتعليمية قدرًا من التناسب والتوازن بين دور الدولة ومطالب الفئات الاجتماعية وتوقعاتها من التربية والتعليم.

تكمن أهمية التربية وضرورتها، من المنظور الاجتماعي، في تحقيق قدر مناسب من الاتساق والتكامل بين البعد الفردي والبعد الاجتماعي في شخصية الفرد، على قاعدة الانتماء الجذري، الواعي وغير الواعي، إلى النوع الإنساني وتاريخه، وفقًا لمثال الإنسان (المرأة والرجل)، أو نموذج الإنسان، الذي يتطلع المجتمع إلى تحقيقه، والذي يعيِّنه سلم القيم الاجتماعية ومبادئ التنشئة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. ويمكن القول: إن مثال المرأة، الذي تعمل الجماعة والمجتمع على تحقيقه، أحد أهم روائز التربية والتعليم. ومن اللافت أن ثمة اتفاقًا كبيرًا بين المجتمعات الصغيرة والمجتمع الكلي، في سورية، على هذا المثال أو النموذج، نموذج الحرمة التابعة، بخلاف درجة الاتفاق على نموذج الرجل. والأرجح أن نموذج الرجل هو مزيج من الأب الطبيعي ومثاله الرمزي، (البطل)، الذي تكرسه الثقافة السائدة، وتتكفل التربية والتعليم بإنتاجه وإعادة إنتاجه، على أحد وجهيه: المتبوع والتابع، وفقًا لآليات الاصطفاء، وأنماط الولاء، والامتيازات المقابلة لها.

“إن هدف التربية -عند كنت وميل وهيربارت كما عند سبنسر- هو قبل كل شيء، تحقيق النمو الأمثل للملكات الفردية الخاصة بالنوع الإنساني، والعمل على إيصال هذه الملكات إلى أعلى درجة من الكمال الممكن. ولكن هذا التصور لا يتفق مع الحقيقة الواقعية؛ فالفلسفة الكلاسيكية كانت تتجاهل دائمًا النظرَ إلى الإنسان في زمان ومكان محددين” (دركهايم، 1996)، ومن ثم، فإن التعارض ليس بين الاجتماعي الخاص والإنساني العام، لأن هذا الأخير لا يتجلى واقعيًا إلا في الخاص، الجماعة أو المجتمع، والفردي، إذ الفرد الإنساني الواقعي، زيد أو هند، هو أو هي النموذج الكامل للإنسان، لا للإنسان الكامل. التعارض في الواقع هو بين تصورين للإنسان: تصور مثالي، يشمل كل فرد (ذكر) على الإطلاق، بغض النظر عن زمان وجود الفرد أو مكانه، وبغض النظر عن كينونته الاجتماعية الواقعية، وتصور واقعي، يرى الإنسان في كينونته الاجتماعية، ذكرًا وأنثى، في زمان ومكان محددين؛ لذلك تختلف مبادئ التربية وأهدافها باختلاف هذه التصورات. ولنا في صورة الإنسان أو نموذج الإنسان لدى فلاسفة العقد الاجتماعي دليل ساطع على ذلك، نعني صورة الإنسان المجرد (الذكر) أو مثال الإنسان، الذي سيكونه المواطن، أو الشخص القانوني، في الدولة القومية (الوطنية) الحديثة، التي يتساوى مواطنوها (الذكور) في الحقوق المدنية والسياسية.

غير أن النظر إلى الإنسان في كينونته الاجتماعية – الزمكانية، التاريخية، لا يرمي إلى تفضيل الغايات الاجتماعية (الوطنية أو القومية) على الغايات الإنسانية العامة، أو تفضيل المبادئ والقيم الاجتماعية (الخاصة) على المبادئ والقيم الإنسانية (العامة). وقد أشرنا، غير مرة، إلى أن الإنسانية أساس الوطنية ورافعتها، وإلا كانت الوطنية أو القومية عنصرية فحسب، على نحو ما كانت النازية والفاشية وغيرهما، كالستالينية والبعثية. واعتبرنا تساوي المواطنات والمواطنين في الكرامة الإنسانية والجدارة والاستحقاق، وفي المكانة الاجتماعية، أساس المساواة في الحقوق المدنية والسياسية المشروطة باعتبار النساء والرجال أشخاصًا قانونيين وأخلاقيين، أي مواطنات ومواطنين، بغض النظر عن الصفات والخصائص الشخصية لكل منهن أو لكل منهم، وعن شروط الولادة والمواقع الاجتماعية، وإلا امتنعت المساواة.

فالمثال التربوي العام يرتبط بحضارة تسعى إلى تحقيق التوازن بين مختلف الجوانب. والخاصية الاجتماعية المميزة للتربية (والتعليم) لا تعني على الإطلاق وجود حكم مسبق، كما هي الحال عند تحليل القوى الأخلاقية التي تدفع المربين والمعلمين في اتجاهات مختلفة ومتعارضة. الصفة الاجتماعية للتربية والتعليم تتجاوز -أو يُفترض أن تتجاوز- ما يعد تقابلًا صوريًا وتفاضلًا قيميًا بين الفرد والمجتمع أو بين الذكور والإناث؛ إذ ليس ثمة فرد وفردية خارج إطار الجماعة والمجتمع، وليس ثمة ذكورة خالصة أو أنوثة خالصة في الفرد الإنساني. المجتمع هو الإنسان مموضعًا، يظهر في كل زمكان بصورة مختلفة. فليس هنالك أي أولية منطقية أو زمنية للفرد على الجماعة والمجتمع، أو العكس. فإذا كان بناءالشخصية المستقلة هو هدف التربية، وإذا كان التعليم يسعى إلى تحقيق التنشئة الاجتماعية، فإنه يمكن لنا أن نستنتج أنه يمكن تفريد الشخصية واحترام فرادتها وخصوصيتها في إطار التنشئة الاجتماعية.