هل يتصالح السوريون؟

سألتُ شقيقتي مريم أم الشهيد تحت التعذيب الطبيب أيهم: “ماذا لو أقبلتْ عليك سيدة من الساحل، فقدت ابنها الذي كان يُقاتل تحت صورة الأسد؟ أجابت: سأُقبلُ عليها أيضًا؛ إن اعتذرت، لكن ليس قبل أن يلقى قتلة ابني جزاءهم العادل عن طريق محكمة دولية مستقلة”.

الشابة الحلبية مرسيل شحوار لخّصت مشاعرها تجاه قاتلي أمها على حاجز شعبة الحزب في السبع بحرات بدمشق: “أنا لا أحقد عليهم، ولكنني لا أستطيع أن أسامحهم، أنا عالقة في مسافة ما بين الألم والحقد والمغفرة”… يضيف راوي القصة الأخيرة سامر الجنيدي: “ما تعرّضت له مرسيل نقطةٌ في بحر القتل الأسود الذي تعرّض ويتعرّض له السوريون يوميًّا… هو مجرد فاصلة في كتاب”.

قبل أسبوع، طلبت صداقتي على (فيسبوك) فتاةٌ من القرداحة، وكان ذلك مفاجئًا وغريبًا، فكتبت لها على الخاص: “لقد فاجأني طلبك وأنت من القرداحة، وصفحتك تدلّ على تأييدك للأسد، فكيف يمكننا أن نبني صداقة بين نقيضين؟”. أجابت: “كوني من القرداحة لا ينفي سوريتي، وأنا أريد من أمثالك المتنورين أن يتعاونوا معي لرأب الصدع بين السوريين”. أرسلت لها رابط موقع قناة السالب والموجب الذي يحوي سبعين قصة مصورة وموثقة عن قتل أطباء وصحفيين وصيادلة وممرضين ومتظاهرين سلميين من قبل النظام، وقلت لها: “دعينا نُكمل حوارنا بعد أن تشاهدي بعض تلك القصص، ولست أدري إن كانت شاهدت وتجاوزت، أم لم تُشاهد، فهي لم تجب على سؤالي، وتابعت مسعاها دون كلل.

ما تريده ابنة القرداحة -مسقط رأس عائلة الأسد- هو المصالحة على طريقة: “عفا الله عمّا مضى، وتعالوا نُكمل المشوار في ظلِّ الأسد!”. بدا ذلك جليًا، عندما عرضت سؤالًا على حائط (فيسبوك): “حسنًا أيها الموالون للأسد، نحن ندين كل معارضتنا العسكرية والسياسية، ونرفض وجودها في مستقبل سورية، فهل تُدينون أنتم الأسد وترفضون وجوده وعائلته وأركان حكمه في مستقبل سورية؟ إن فعلتم مثلنا فهذه يدنا ممدودة إليكم”. لكن ذلك السؤال ظلَّ في محيط أحرار السوريين الذين تجاوبوا معه، لكنه لم يجذب إليه الموالين، ولم يردوا عليه، الموالون لا يستطيعون أن يُفكّروا ويُبدعوا طريقة للمصالحة، خارج إبداعات مؤسسات الأمن التي تكّلف بعضهم بمهمة طرح طرقٍ للمصالحة تؤدي كلها إلى حضن الأسد، منها مثلًا ما طرحه عبد الفتاح عوض الذي يُقدّم نفسه على أنه صحفي معارض إيجابي في الداخل، والذي يقول: “لو سألت أي سوري عن أمنيته الخاصة والعامة الآن، فماذا تتوقع الإجابة؟ ما قبل الأزمة كان السوريون يحلمون بأن تتحول بلدهم إلى بلد يشبه ماليزيا، ويناقشون أن تماثل دبي، على المستوى الفردي، كانت الأحلام بالبيت والسيارة ومباهج الحياة الأخرى، وأكثر ما كان يُضايقهم ارتفاع سعر المازوت من 15 إلى 25 ل.س. طبعًا لا حياة سياسية ولا كثير من حرية إبداء الرأي”، ويخلص عوض إلا أن أمنية السوريين الآن “ليست الحرية والكرامة ولا أيّ شيء آخر سوى… أن تنتهي الحرب؟ الواقعيون يدركون أن نهاية الحرب هو كاف وجدًا”. يتابع عوض: “السوريون فقط لديهم مصلحة بإنهاء هذه الحرب، وأي حديث عن سلاح مقدّس خارج الشرعية! هو استمرار لإشعال النار الملتهبة أصلًا”. ثم ينادي: “أيها السوريون… الآخرون هم الجحيم”.

يُلخّص موقف عوض هنا نموذج المصالحة التي توافق النظام، ولا يجرؤ بالطبع على تحميل نظام الأسد أيّ مسؤولية عن الجرائم التي ارتكبها، بل لا يطلب منه تقديم أي تنازل من أي نوع على طريق الإصلاح والديمقراطية.

في أمثلة المصالحة التي تمت بين السلطات القمعية والشعوب المضطهدة، يتبادر إلى الذهن اسمان لشخصين مسالمين حققا مصالحتين تاريخيتين في الهند وجنوب إفريقيا، وهما المهاتما غاندي، ونيلسون مانديلا، وأنتجت مصالحة الهند استقلالًا كاملًا عن إمبراطورية بريطانيا العظمى، وإقامة دولة ديمقراطية حديثة معاصرة، وأنتجت المصالحة الثانية انتصارًا مدويًا على أعتى دولة عنصرية في القرن العشرين في جنوب أفريقيا، لتتحول إلى دولة ديمقراطية يحتل فيها منصب الرئيس شخصًا أسود.

يقول الطبيب السوري والكاتب سامر الجنيدي: “نحن بحاجة إلى مصالحة؟ هذا مؤكد. نحن بحاجة إلى مصالحة المدينة مع الريف، والسنّي والعلوي، وبين مفهومَي الوطن كأرض والوطن كبشر. لكن من يستطيع أن يقود مصالحة مجتمعية حقيقية غير المدن؟ وأين مدننا؟ أين حمص؟ أين حلب؟ أين دمشق؟.

وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون قال: “من المستحيل أن يتصالح السوريون مع  بشار الأسد، وأضاف: “إنّ مجرّد التفكير باتفاق ملايين السوريين وإجماعهم على حكومة يترأسها بشار الأسد أمر مستحيل… إنّ أكثر من أربعمئة ألف سوري قُتلوا خلال السنوات الخمس الأخيرة، معظمهم على يد قوات النظام”.

يفخر الأسد بالمصالحات التي تمت في داريا والمعضمية والتل وبرزة والقابون والزبداني ومضايا وقدسيا على محيط دمشق، وكذلك في حي الوعر بمدينة حمص، وفي مدينة حلب وغيرها، ويعتبرها النموذج الناجح لوقف القتال والعودة إلى حضن الوطن، كل تلك المصالحات تمت بعد حصار تلك المدن لسنوات ودكها بعشرات آلاف الصواريخ والقنابل العنقودية والأسلحة الكيميائية، تحت عنوان (الجوع والموت أو الركوع). وتمت تلك المصالحات بعد أن هُجِّرَ معظم سكان تلك المدن أو قُتلوا أو ماتوا جوعًا أو مرضًا، وكانت الباصات الخضراء جاهزة لنقل من تبقّى منهم إلى مدينة إدلب التي يُسيطر عليها بشكل أساس تنظيم القاعدة (النصرة) المُصنّف عالميًا كتنظيم إرهابي؛ ما يعني أن مصير سكان إدلب لن يكون أفضل حالًا من مصير أهل الموصل العراقية والرقة السورية.

إن مفهوم المصالحة، في قاموس النظام السوري، هو إعادة شعب سورية إلى ما كان عليه قبل الثورة. بل بصورة أكثر ذلًا وفاقةً وقهرًا، وتحت ظلّ النظام الذي ثار عليه.