عن المجتمع المدني

إن التحولات الهائلة التي حدثت في أوروبا، في القرون الوسطى، وانطلاقها نحو النهضة على كل الصعد، أزاحت الدين المسيحي من التداول بعد نضوج الواقع، وبعد جملة من العوامل التي فرضتها حركته وتفاعلاته.

الحدث الأهم والجذري هو التحول العميق في مفهوم السلعة، والانتقال من الإنتاج البسيط القائم على الاستهلاك الذاتي إلى الإنتاج المعد للتصدير الذي أسّس اللبنة الأولى التي أدت إلى اهتزاز العالم القديم، وانهيار مقوماته وقيمه وقناعاته وأفكاره.

إن السلعة المعدة للتصدير كانت نتاج صراع طويل في بنية المجتمع، وآليات تفاعل البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية الصاعدة مع بعضها، وإعادة قراءة الدولة والمجتمع وفق مفاهيم جديدة، منها السيادة والعقل السياسي، والموقف من الدين، وبروز كتاب وفلاسفة من رحم الواقع الجديد، ونتاج له، وفاعلين فيه؛ ما أدى إلى طرح مفاهيم جديدة تتعلق بالدولة والمجتمع والفكر والفلسفة والعلم.

إقصاء الدين عن السياسة كان اللبنة الأولى لتحرر الدولة من القيود، وإفساح المجال لتنظيم علاقتها بالمجتمع، وفق أسس جديدة قائمة على تأمين مصالح نخب جديدة ناهضة، لها رؤيتها ومصالحها وأهدافها البعيدة والقريبة، كما أنه فسح المجالَ للصراع بين الدولة والمجتمع دون حمولات سياسية خارج عنها، كالدين والمذهب، وشقّ طريقه نحو تأكيد ذاته، وبروز مفهوم المجتمع المدني كميدان هاضم للعمليات السياسية والاجتماعية.

تجدر الإشارة إلى أن المجتمع المدني بنيان هش وضعيف، أي أنه تحت السياسي، يستمدّ بقاءه من السياسي، ويتلقى الدعمَ السياسي والمادي والمعنوي منه، ونستطيع القول إنه مطلبيّ، لا يستطيع الاستمرار إلا في ظل الدولة العلمانية الديمقراطية، بمعنى أنه يحتاج إلى داعم له، يفسح المجال له بأن يتحرك ويؤدي وظائفه، أي يأخذ القبول من الدولة لاستمرار نشاطه وبقائه.

إنه بنية متكاملة أو حزمة واحدة، وُلدت نتاج واقع اجتماعي سياسي، يعتمد على قواعد فكرية وثقافية تعترف بالآخر المختلف، وتسمح بمزاولة السياسة وما تحت السياسة، في عدة دول كالدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزلندا، أي في دولة المواطنة.

إن قواعد الثقافة والتفكير تحدد قواعد اللعبة السياسية والواقع الاجتماعي السياسي، وقدرته على التفاعل وهضم كل ما يقع تحت السياسي، أي المجتمع المدني؛ وتدفعه ليكون عونًا للسياسي الرئيسي ورديفًا قويًا لمنح المجتمع التوازن السياسي والاجتماعي، ودفعه نحو تطوير قدراته وتفاعله الإيجابي، ورفده بالطاقات ليكون صلة وصل بين الدولة والمجتمع، وركيزة أو طبقة يستند إليها الطرفان في تطوير قدرات المجتمع، وربطه ببعضه وبالمجتمع وبالمؤسسات المنبثق عنه.

إن دور المجتمع المدني كرافعة أمرٌ مهم وضروري، ولم يأت من فراغ، ونستطيع القول إنه تكثيف ثقافي أو حامل لحمولات المجتمع والدولة ومدخل وعون للتعددية الفكرية والسياسية وتناغم متناسق مع السياسي.

إنه مجموعة من الفاعليات المتعددة كالنقابات والأندية الرياضية والمنظمات الحقوقية والإنسانية والنشاطات الثقافية والفنية والفكرية والجمعيات التي تدافع عن حقوق المستأجر والمرأة والطفل والحيوان وغيرهم. إنه أحد إفرازات الحداثة الرأسمالية، منذ نشأتها وحتى هذه الساعة، يعتمد على مجموعة قواعد يصونها الدستور والقوانين الناظمة له في فضاء الدولة الديمقراطية العلمانية، أي نتاج واقعنا المعاصر الذي لا غنى عنه، بل إنه حاجة ضرورية لتفعيل السياسة وإدارة الدولة والمجتمع؛ ليتناغما ويرفدا الواقع بفاعلية حقيقية.

أضحى المجتمع المدني أكثر من ضرورة، في هذا العصر؛ لأن الدولة المعاصرة لم تعد قادرة وحدها على إدارة ملفات كبيرة وخطيرة كالسياسة الداخلية والخارجية معًا، والمهمات المعقدة التي تقع عليها، وعليها أن تحلها وتنظمها وحدها بالمؤسسات التقليدية القديمة.

كما هو معروف، كانت مهمة الدولة هي التحكم في المجال العام لها، بيد أنها في البلدان المركزية تعمل على إدارة الكثير من الملفات الخارجية المعقدة، وتوزيع بقية مهماتها على الداخل.

قلت سابقًا إن الدولة، في بلدان صانعة القرار السياسي الدولي، سياسيةٌ على الصعيد الخارجي، ومطلبية ومتناغمة مع متطلبات الداخل، لتقترب كثيرًا من مهمات المجتمع المدني لحد التطابق، مع الأخذ بالحسبان أن هذه الأخيرة ليس لها قدرة على سن القوانين والتشريعات إلا بما يخصها تحديدًا.

إنه ضرورة لا بدّ منها، أشبه بالطبقة الوسطى، أو صلة وصل، بين النخبة السياسية والمالية والنفوذ، وبين الشرائح المهمشة أو الفقيرة، أي كالإسفنجة، يعمل على امتصاص التناقضات بين الدولة والمجتمع، ويُعرّي الاختلافات الفكرية والسياسية ويعيد التوازن لهما، ويعمق الرؤية ويفتح الطريق.

إنه في آلية حركية ونشاط مستمر، بحيوية السياسة والدولة، والمجتمع الذي يبني نفسه بنفسه، بمرونة السياسي، ورفده ودعمه، وبناء إنسان حضاري يؤمن بالقيم المدنية كالمساواة والعدالة ونبذ العنصرية والكراهية.

إن وجود مجتمع متطور يحتاج إلى عقل وبنية نفسية متطورة قادرة على إدارة ملفات صعبة، ونشاط منضبط، وله سقف يتفاعل فيه مع آلية حركة الدولة والمجتمع، ويتبادل الخدمات معهما في المجال الثقافي وتقديم العون والمشاركة والمساعدة، وهناك قطاعات تطوّعية تحمل أعباء هائلة على عاتقها، خاصة أثناء الكوارث الطبيعية أو الأزمات السياسية والاجتماعية، وتعمل في الظل كالجندي المجهول في المعارك المصيرية، وأغلبنا رأى مساهمات المجتمع المدني: كيف قدم مساعدات هائلة للدولة على احتواء مجيء اللاجئين السوريين ومساعدتهم وتقديم العون لهم.

لهذا نقول إن له فلسفة ثقافية وعلمية ومنهجية وفنية، أي إنه ثقافة أفقية منتشرة على المستوى الأفقي للدولة والمجتمع، أي إنه نشاط متعدد الاتجاهات ولا يرتبط بمركز واحد بالرغم من أنه تحت سياسي.

إن غياب المجتمع المدني الحر، في البلدان الاستبدادية، هو نتاج غياب الدولة الديمقراطية العلمانية، كما هو الحال في بلادنا القائمة على التكوين الهرمي للدولة التي تعتمد على تراتبية القوة.

إن الدولة الهرمية هي نتاج ثقافي، أو تكثيف ثقافي قائم على منظومة أحادية التفكير والممارسة، ومُنتجة لأشكال كثيرة من الدكتاتورية، كالملكية أو الجمهورية الشكلانية التي تستبيح كل ما يقع تحت يديها، سواء أكان إنسانًا أم حيوانًا أم نباتًا.

لهذا، فإن المجتمع كله يكون بيد رأس الهرم السياسي، ويلتصق بشكل مباشر بقدرة الحاكم وتكوينه النفسي والعقلي وإمكاناته الشخصية ومزاجيته ومزاجه في توجيه ودفع الحكم بالاتجاه الذي يريد، سواء كان سلبًا أو إيجابًا، مع تعطيل المجتمع المدني بالكامل، وتهميش المجتمع عبر إخضاعه.