(داعش) ينهار.. (داعش) يُبعث

تحرّرت الموصل، وستّتحرّر عاصمة الخلافة، وبقيّة المناطق التي يسيطر عليها أبو بكر البغدادي في سورية والعراق، وربما ليبيا. رافقت أشكال التحرير ممارسات طائفيّة وقمعيّة تؤكد على عودة (داعش) أو أحد إخوته مستقبلًا؛ فردة الفعل على العنف والإهانة والدمار الذي أحاق بهذه المدن ستكون عنيفة، كما كان التحرير إباديًّا. لم يتقبل الناس (داعش) ولا بقيّة أشكال الجهاديّة من قبلُ، وبعد الرفض حاربوها تحت مسميات الصحوات أو عبر الفصائل الوطنية، ولكن فجأة احتل المسلح، بالعتاد والمال الأميركي، المدنَ المذكورة أعلاه كتوكيلٍ عن أنظمة الحكم، كذلك سلّم المالكي الموصل ليحكمها السيد ذاته، ويُنهي الاحتجاجات الشعبيّة التي كانت تتصاعد، وليبرّر تشكيل الحشد الشعبي “الإيراني”. ما يُسهّل على (داعش) مهمته هو حجم المعاناة التي تقع على رؤوس الناس، من تهميشٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ وديني ودمار كبير لمدنهم وإغلاق كل أشكال التعبير المدني الحديث عن المجتمع، فضلًا عن حلّ الجيش وتفكيك الدولة القديمة 2003؛ وبالتالي تصبح هذه الجهادية تمثل الخلاص من واقعٍ، خصائصه الدمار وكل أشكال الحرمان والتهميش المطلق.

إذا كان (داعش) قد شُكّلَ لمنع المجتمع من التعبير عن نفسه حقوقيًّا، أي عبر مطالب تخص كافة أوجه حياة المدن أو حياة الشعب، وهو ما تجلى عبر الاحتجاجات، في العراق أو سورية في مختلف المدن بأشكال متعددة؛ فإن الخلاص من هذه (الشركة الأمنية/ داعش) يرتبط بتغييراتٍ كبيرة في السياسات الحكومية والعالمية. الأنظمة المحلية معنيّة بفهم هذا الأمر؛ فمن دون الاعتراف بالحقوق وحيازة الناس لها، لا يمكن رفض أي نزوع طائفي أو جهادي، على الرغم من أن الناس كارهون له، أي أن النظام العراقي والسوري وسواه مجبرون على التخلص من اللعب بورقة التطييف والبدء بسياسات لإيقاف النهب الفساد والتهميش، وتأمين فرص عمل لملايين العمال وإدماج الكتل المجتمعية في نظام الحكم؛ هذا شرطٌ أوليٌّ يُفضي إلى محاصرة الجهادية وكل أشكال التطييف.

تكمن المشكلة في طبيعة الأنظمة (مافيات للنهب والفساد، وأخيرًا أمراء حرب). هذه المشكلة بالتحديد هي التي تمنع إعطاء الحقوق وتأمين الاحتياجات؛ ففي العراق، منذ 2003 يتم تجاهل حقوق “السنّة”، وتم تشكيل نظام طائفيّ، وسُحقت أيّ تيارات سياسيّة وطنيّة، وفي سورية رفض النظام الاعتراف بالحقوق في الحريات والكرامة والعدالة الاجتماعية، منذ 2011 بل منذ عام 2000، وتم التأكيد على أنّ الطاعة هي شرط الحياة، وإلا فالدمار للمدن، والقتل للأهالي، والتهجير واللجوء وسوى ذلك كثير. هذا الواقع البالغ التعقيد هو ما يمنع نشوء حركات وطنية، وفي حال ظهورها؛ سرعان ما تتآكل وتتلاشى كما حدث لثوار 2011 في سورية.

صحيح أن الحركات الجهادية كانت موجودة قبل 2011، وكذلك حركات الإسلام السياسي والسلفية، وصحيح أن الوعي الشعبي في جانبٍ منه سلفيٌّ، وأيضًا النص الديني والتمذهب والطائفية تميّز بين المواطنين، ولكن كل هذه العناصر لم تكن فاعلة، ولم تكن هي شكل الوعي الوحيد، ولم تستقطب الشعب وتمايز بينه. عكس ذلك، فهناك إسلام وتديّن شعبيٌّ، وعلى الرغم من أن منظوره يتضمن تمييزًا بين الطوائف، لكنه يظل ضمن حدود الحساسيّة الدينيّة. وربما يشار إلى أن الأنظمة كانت تسحق المنظمات الطائفية، وبمجرد أن ضعفت تحركت تلك المنظمات وتصاعد تأثيرها وتبيّن أن الناس يحتضنونها. بوضوحٍ أقول: إن تلك الحركات -بما فيها الإخوان- هي حركات لا تمثل الناس، وهي حركات نخبويّة ووظيفيّة وتمثل دولًا خارجية، والرؤية الوطنيّة لديها معدومة، وكذلك لا حاضنة شعبيّة لها، ولهذا لم تشكل استقطابات حقيقيّة إلا عبر التوظيف الإقليمي أو الدولي؛ وبالتالي كانت وظيفتها المساهمة في سحق الثورات الشعبية، وفرض السيطرة الكاملة على المواطنين، فهي تمتلك مشروعًا أصوليًّا وطائفيًّا ورؤية كاملة للسيطرة على مختلف جوانب المجتمع، الأنظمة تعي ذلك والدول العظمى كذلك، وهذا ما سهل لها السيطرة في البداية. فئوية الجهاديات وعدم التوافق مع حاجات الناس المعاصرة هو ما يحقق مصالح الأنظمة، ويسهّل لها محاربتها والتخلص منها سريعًا، ويأتي ذلك لصالح الأنظمة المتهمة بالإرهاب والفساد، وبذلك تتجدّد شرعيتها المنهارة.

لا يمكن التخلص من (داعش) عبر تدمير المدن واعتبار سكانها إرهابيين لأنهم من السنّة، ولا عبر اتهام الدين بأنّه سبب لظهور الإرهاب، وكأنّ البدء بإصلاح الدين يُنهي الجهادية، وهذا استبدالٌ للسبب السياسي بسببٍ دينيّ. إن محاربة (داعش) تبدأ بجملة سياساتٍ سياسيّة واقتصاديّة وحقوقيّة، وبما يُشعِرُ المجتمع أن هناك مشروعًا حقيقيًا لمحاربته.

مشكلتنا الأولى: تكمن في الأنظمة الحاكمة، فهي في سورية والعراق ومصر وليبيا بمثابة أنظمة مافياوية بالكامل، وتستند إلى سياسات طائفية تُجذرُ الانقسام بين المواطنين، وتنهب الثروة العامة وتبحث عن توكيل عالمي للاستمرار والتأبيد.

المشكلة الثانية تكمن في الدول العظمى، فهي تمر بأزمات اقتصادية كبرى منذ 2008، وتتصاعد فيها تيارات يمينية، ويشكل غياب وجود حلول لأزمات تلك الدول سبّبًا مركزيًا لاعتماد سياسات “إرهابية”، عبر الحرب على الإرهاب وتدمير المدن ونهب ثروات المنطقة، كما تمّ في صفقة ترامب الأخيرة، واعتماد سياسات طائفية؛ فتصبح الحرب على الإرهاب حربًا على المسلمين. إن الدول العظمى لا تعترف بالثورات وبأهدافها، ولهذا دعمت بن علي ومبارك أولًا، ثم سَهلت رحيلهما حينما قويت الثورات، وقد تحالفت تلك الدول مع الإسلام السياسي (فروع الإخوان المسلمين) كبديل عنها وعن الثورات، وحينما لم تستطع الأخيرة أن توقف الثورات، دفعت تلك الدول والأنظمة المحليّة، بالتوافق بينهما، الجهاديةَ للظهور، ومثال “تنظيم القاعدة” بأفغانستان مثال نموذجي، حيث شُّكل أميركيًّا ومصريًا وسعوديًا لهزيمة السوفييت. وتشكل ظاهرة الجهاديين الأمميين أبرز ظاهرة على ذلك، فمعظمهم أتى من دول أوروبا أو أميركا أو روسيا أو الدول العربية والإسلامية، وذلك بهدفٍ وحيدٍ، هو اجتثاث الثورات وتدمير البلدان وإعادة استعمارها مجددًا.

التعقيد الذي أشرنا إليه، كأسبابٍ لوجود الجهادية، يؤكد عدم وجود حلولٍ للمشكلات التي ستلي “التحرير” والتخلص منها؛ وبالتالي فإنّ تحرّر الموصل والرقة ودير الزور ليس نهاية (داعش) ولا بقية إخوته، بل ربما يشكل “التحرير/ التدمير” سببًا جديدًا لبروز حركات جهادية أخرى.