في الحاجة إلى نخبة سورية جديدة

تبدو المآلات التي وصل إليها المشهد السوري كارثيةً على مختلف الصعد؛ فبعد أكثر من ست سنوات من الانتفاضة السورية، لم يعد للسوريين عامة، والنخبة خاصّة، أي دور مهم في تقرير مصير بلدهم، فقد أصبحت القوى الإقليمية والدولية هي صاحبة القرار الأول والأخير، في تحديد هذا المستقبل، من دون أن توجد قوة اعتراض وازنة من قبل الكيانات السياسية، بل إن معظم الكيانات السياسية التي تصدّرت -وما تزال- المشهد العام، قد أصبحت رهينة -بهذا القدر أو ذاك- للدول الفاعلة في الملف السوري.

وعلى الرغم من كل ما كُتب أو قيل، خلال السنوات الماضية، عن الحراك الشعبي العام ودوره في إبقاء جذوة الانتفاضة مستمرة، إلا أن جزءًا كبيرًا مما كتب عن ذلك الدور هو محاولة في اتجاهات عدّة، في مقدمتها تبرئة المعارضة السياسة، ونخبها، من الفشل الذي منيت به، خصوصًا لعدم قدرتها على قيادة الانتفاضة، وبلورة خياراتها، ورسم برامج عمل سياسية تقوم على قراءة التوازنات السورية الداخلية من جهة، والتوازنات الإقليمية والدولية من جهة أخرى.

إن بعض النخب السياسية في صدارة المشهد المعارض قامت بحركة مراوغة، الهدف منها نفي التهمة عن نفسها، وتمثّلت تلك الحركة المراوغة بوضع اللوم على الفقر السياسي للحراك الشعبي، انطلاقًا من حالة التصحّر السياسي الذي عاشته سورية على مدار عقود من الزمن، وإذا كان التصحّر السياسي واقعًا لا يمكن إنكاره، فإنّ إلقاء اللوم على ذلك الواقع لا ينفي التهمة عن النخب السياسية المعارضة، بل يؤكّدها، فإذا كانت تلك النخب مقتنعة بأن الفئات الشعبية لا تمتلك الحدّ الأدنى المطلوب من الوعي السياسي؛ فذلك يرتّب عليها خيارات مختلفة عن تلك التي مضت فيها، واتباع استراتيجية تأخذ بالحسبان المخاطرَ التي يمكن أن تفرزها حالة نقص الوعي السياسي، لدى الفئات الشعبية.

إن السمة الأبرز لدى النخب السورية -في النظام والمعارضة على حدّ سواء- هي نقص الوعي بالوطنية السورية، فإذا ما استعدنا استراتيجية الطرفين، للكشف عن ذلك النقص في وعي الوطنية؛ فإننا سنلحظ كيف قام الطرفان باستدعاء الخارج قولًا وفعلًا، وقدّما تبريرات لذلك الاستدعاء لا يمكن أن تصمد أمام العديد من المعطيات، وفي مقدمتها مكانة سورية الاستراتيجية التي تجعل منها محطّ أطماع إقليمية ودولية، بالإضافة إلى مصالح الأمن القومي الإسرائيلي.

لقد قامت النخبتان -الحاكمة والمعارضة- باستدعاء الأطراف المتصارعة في الإقليم، فلم يتوانَ النظام عن استدعاء إيران للقتال إلى جانبه، من دون الأخذ بالحسبان جملة المخاطر المترتبة على الوطن السوري بالدرجة الأولى، وعلى مصالحه نفسها بالدرجة الثانية؛ ذلك أن استدعاء النظام لحليفه الإيراني حوّله من شريك لطهران في سياسات المنطقة إلى تابع لها، كما أن تحالفات النخبة المعارضة مع تركيا ودول الخليج، بوصفهما في حالة تناقض وصراع -بهذه الدرجة أو تلك- مع المشروع الإيراني في المنطقة، قد حوّلت تلك النخبة لاحقًا إلى مجرد بيادق بيد الدول الداعمة، ولم تعد صاحبة مشروع وطني، يسعى للتغيير الديمقراطي.

إن مشهد النخبة السورية لا يقل مأسوية عن مجمل الأوضاع السورية، فكل الاتفاقات التي حدثت خلال المدة الماضية، من مثل “اتفاق خفض التصعيد”، و”اتفاق المدن الأربع”، و”اتفاق عرسال”، لم يكن للنخبة السورية دور فيها، إذ إنها حدثت نتيجة توافق اللاعبين الإقليميين والدوليين في الملف السوري، ومرّت من دون مواقف ذات مغزى تجاهها، من قبل النخب السورية؛ وهو ما يعكس درجة التبعية لدى مجمل النخب.

وإذا كان علم الاجتماع السياسي يدرس بشكلٍ أساسي دورَ النخبة، في كل مرحلة من مراحل التاريخ، فذلك للأهمية التي تمتلكها النخب، دون سواها من الفئات، في التأثير في مجرى الحدث، وتجعلها صاحبةَ مسؤولية تاريخية، وعلى الرغم من أن النخب تعكس مجملَ الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لمرحلة من المراحل، إلا أنها أيضًا -بوصفها أقلية- تتمتع بميزات مستقلة، وأهمها تحكمها بالسياسات والموارد، وهو ما يرتّب على خياراتها مسؤوليات خاصة، إذ إنه وفقًا لتلك الخيارات تتحدد الكثير من ملامح الواقع، وخصوصًا الواقع السياسي.

إن الواقع الحالي يضع أمامنا سؤالًا بالغ الأهمية، وهو: هل وَعتْ النخب السياسية السورية مكانتها ودورها التاريخيين، في سياق المأزق الوطني المستمر منذ الانتفاضة السورية في 2011؟.

إن منطق النخبتان -الحاكمة والمعارضة- كما سلوكهما، تأسس انطلاقًا من مصالح ضيقة لكلا النخبتين، وهي مصالح تتصل من قبل النخبة الحاكمة بالبقاء في سدّة الحكم، ومن قبل النخبة المعارضة بالوصول إلى سدّة الحكم، من دون اكتراث بطبيعة المأزق الوطني، وما يمكن أن ينتج عنه من تهتّك للنسيج الوطني السوري أولًا، ومن ثمّ لوحدة الجغرافيا السورية.

إن قراءة منطق النخب السورية، في تعاطيها مع المأزق الوطني، لا يهدف فقط إلى قراءة وتفسير الواقع السوري في كارثيته، بل إلى فتح السجال الوطني والسياسي حول إمكانية بلورة نخب جديدة، خصوصًا مع المتغيّرات المهمة التي عرفها المشهد السوري في الآونة الأخيرة، فترتيبات المرحلة المقبلة تحتاج إلى نخبة جديدة، ملتزمة بتوليد وطنية سورية، على أسس جديدة، وعدم ترك مفرزات الحرب تكرّس نخبًا من تلك الطبيعة التي عرفتها الدولتان الجارتان، العراق ولبنان، وهو ما تريده بالطبع معظم الدول الإقليمية والدولية التي تشتبك على ما تبقى من الوطن السوري.