أدونيس.. اللهم لا تردنا إلى أرذل العمر

كتب الصديق مصطفى حديد على صفحته في (فيسبوك): “اللهم لا تردنا إلى أرذل العمر”، ووضع تحت العبارة رابطًا لمقال لأدونيس، نُشر في صحيفة (الحياة) بتاريخ 27 تموز/ يوليو 2017 بعنوان: “مقدّمة لفهرسٍ سياسيٍّ آخر”، يتهكم فيه الشاعر العبقري على “ثورات الربيع العربي” قائلًا إنها حققت -حتى الآن- المنجزات التالية:

أولًا- وسّعَت حدود هذا “الربيع” فصار الآن إسلاميًّا أيضًا.

ثانيًا- كانت الغالبيّة الكبرى من سكّان العالم العربيّ فقراء، عاطلين من العمل، أمّيين… إلخ. اليوم صارت أكثر فقرًا، وبطالةً، وجهلًا.

ثالثًا- كانت الغالبيّة أكثرَ ميلًا للكفاح من أجل التقدّم والتحرّر، وهي اليوم، على العكس، أكثر ميلًا للخضوع إلى “عقليّة” التخلّف والتراجع. تركيا المثل الأوّل. السودان مثلٌ آخر.

رابعًا- كان العرب أكثرَ سيطرةً على ذواتهم وأدواتهم وثرواتهم، فصاروا اليوم أكثر قربًا إلى ما يناقض هذا كلّه. صارت “ذاتُهم” لغيرهم، إذا تكلّمنا بلغة الفارابي: صاروا “أدواتٍ” و “آلات”.

خامسًا- الحضور العربيّ، اليوم، في العالم لا يقوم على التفرُّد العلميّ أو التّقنيّ أو الأخلاقيّ، وإنّما يقوم، بالأحرى، على “الثّروات” والفضاء الاستراتيجيّ، والعدد السكّانيّ.

سادسًا- أكّدَت “ثورات الربيع العربيّ” أنّها “تهديمٌ ذاتيّ” و “تبعيّة” شبه عمياء. بحيث بدا، تاريخيًا، أنّ العالم العربيّ ليس موجودًا على خريطة العالم إلاّ بوصفه “يأكل بعضُه بعضًا”، وبوصفه “تابعًا”، وبوصفه هوَسًا سلطويًّا، لا يترك أيّ مجالٍ حقيقيّ لحقوق الإنسان الفرد وحرّيّاته. ولا مكانَ فيه إلاّ لهذا الثّنائيّ: الآمِر والمأمور، المالِك والمملوك، السيّد والعبد.

يتمثّل هذا “التّهديمُ الذّاتيّ”، وهذه “التّبَعيّة” في مصير القضيّة الكبرى والرمز الأكبر: فلسطين. فقد هُمِّشَت هنا، وأُهمِلَت هناك، وأُلغِيَتْ هنالك.

سابعًا- أكدتْ هذه الثورات، على الرغم من هذا كلِّه، أنّ العالَم العربيّ خزّانٌ بشريٌّ عظيمٌ للطّاقات الإنسانيّة الفرديّة الخلاّقة في جميع الميادين. وأنّ هذه الطّاقات تتفوّق على أقرانها، أحيانًا، في مختلف بلدان العالم، لكن لا سبيل لها -لكي تحيا بحرّيّة- إلاّ الهجرة: كأنّها، على نحْوٍ مفارقٍ، لا “تتعرّب” ما لم “تتغرّب”. (انتهى كلام أدونيس).

نقلت هذه الفقرة من كلام أدونيس حرفيًا، حتى لا يقال إنني “أحرّف” الكلام أو أقتطعه من سياقه، فهذا هو السياق كله. الشاعر الذي وقف ضد الربيع العربي منذ بدايته، وهاجم الثورة السورية لأن الثوار “خرجوا من الجوامع”، يكمل مواقفه بهذه الكلمات التي لا تتميز من الكلام الشعبوي الشائع في بعض الشارع العربي إلا بـ “الفصاحة” التي أفضّل تسميتها “الفذلكة”.

أولًا: يتجاهل الشاعر الذي نادى، في يوم من الأيام، بحرية الإنسان كواحدة من أسمى القيم، الشعاراتِ التي أطلقتها ثورات الربيع العربي كلها، وبالأخص منها الثورة السورية. شعارات الحرية والكرامة والوحدة الوطنية، شعارات رفض الاستبداد والفساد، ورفض الطائفية والتمسك بالمواطنة المتساوية… كما يتجاهل أن الأنظمة المستبدة الفاسدة هي التي سببت تزايد تأثير الإسلاميين، بل إن النظام السوري مثلًا هو الذي أخرج الإسلاميين من سجونه، وشجع على تعزيز النزعة الطائفية المضادة لديهم، ليعطي الثورة السورية الطابع الذي يتحدث عنه أدونيس، وليسهل له القضاء عليها.

ثانيًا: ما الذي جعل “الغالبيّة الكبرى من سكّان العالم العربيّ فقراء، عاطلين من العمل، أمّيين… إلخ”؟ كما يقول الشاعر العبقري. أليست الأنظمة المستبدة الفاسدة التي نهبت ثروات سكان العالم العربي، واستأثرت بكل ما بنوه بعرقهم ودمائهم؟ أليس واقع كونهم فقراء وعاطلين عن العمل وأميين… إلخ هو الذي دفعهم إلى الثورة على حكامهم؟

ثالثًا: ما الذي جعل الغالبية الكبرى “أكثر ميلًا للخضوع إلى «عقليّة» التخلّف والتراجع”؟ أليس بطش الحكام ووحشيتهم في مواجهة الثورات السلمية؟ أليس الكيماوي، والبراميل المتفجرة، والتدمير الممنهج للمدن والبلدات السورية من جهة، ووحشية (داعش) وأخواتها، اللواتي لم يظهرن ويشتد عودهن إلا نتيجة لبطش النظام وهمجيته، من جهة أخرى، هو الذي زرع الخوف في نفوس الناس وساعد على الخضوع أو الهروب؟ ألم تسمع، أيها الشاعر الألمعي، بشعار نظام الأسد: “الركوع أو الجوع”؟!

رابعًا وخامسًا: أمّا أن العرب كانوا “أكثرَ سيطرةً على ذواتهم وأدواتهم وثرواتهم”، وصاروا بعد الربيع العربي أدوات وآلات، وأمّا أن “الحضور العربيّ، اليوم، في العالم لا يقوم على التفرُّد العلميّ أو التّقنيّ أو الأخلاقيّ”، فهذه بحاجة إلى تلميذ في المدرسة الابتدائية ليرد عليها. لا أعرف كيف سمح أدونيس لنفسه بأن يعدّ السيطرة على الذوات والأدوات، والتفرد العلمي أو التقني أو الأخلاقي… يبنى أو يزول خلال سنوات. ثم، هل ثورات الربيع العربي هي التي أدت بالعرب إلى هذه الحال، أم أن الحال هذه هي التي أدت إلى ثورات الربيع العربي؟

سادسًا: أرجو من القارئ الكريم أن يعيد قراءة الفقرة “سادسًا” في مقال أدونيس. ثورات الربيع العربي هي التي أكدت تبعية العالم العربي وهوسه وسلطويته، والأنكى أنها هي التي حددت مصير “القضيّة الكبرى والرمز الأكبر: فلسطين”، هي التي أدت إلى تهميش القضية وإهمالها وإلغائها!!! هل الثورات هي التي “أكدت” تبعية العالم العربي؟ ألم تكن التبعية واضحة لك قبل ذلك؟ ثم مَن الذي حوّل التبعية إلى احتلال مباشر؟ ألا ترى أيها “الداعية إلى الحرية والتحرر” أن نظام الأسد هو الذي استدعى القوات الإيرانية و”حزب الله” وغيره من الميليشيات التابعة لها لاحتلال الأرض السورية؟ وأن استدعاء تلك المليشيات الطائفية شجع على الطائفية المضادة؛ فجاء من هبّ ودبّ من متطرفي الأرض، ليحتل أجزاء أخرى من الأرض السورية، باسم الدفاع عن الإسلام والمسلمين؟ وأن النظام الأسدي هو الذي استدعى القوات الروسية لحمايته من السقوط المحتم؟ ثم قل لي بربك: هل كانت “القضية الكبرى والرمز الأكبر” في طريقها إلى الحل، وكان الشعب الفلسطيني في سبيل العودة إلى دياره، قبل ثورات الربيع العربي، فجاءت الثورات لتهميش القضية وإهمالها وإلغائها؟ أم أن الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب في الربيع العربي كانت قد باعت القضية الكبرى منذ زمن بعيد؟

سابعًا: أمّا أن الطاقات الإنسانية الفردية الخلاقة في جميع الميادين لا “تتعرب” ما لم “تتغرب”، فيُسأل عنها من هجّر تلك الطاقات، ومن حرمها من أن تتجلى في أوطانها.

هل هو أرذل العمر وحسب؟ لا أظن ذلك. هو الانحياز إلى النزعة الطائفية، والنخبوية المتطرفة، والتعالي على الشعب. هو أن الشاعر، الذي افتخر بشعره العربُ يومًا، قد انحط إلى درك من الإسفاف، لن تشفع معه فصاحة ولا فذلكة، حاول أن يخدع بها القارئ فيما تلى من النص.