الموت بتهمة الشكلانية!

عرف السوريون المسرح، منذ نهاية القرن التاسع عشر، على يد الرواد الأوائل، رواد عصر النهضة العربية التي كان الفن المسرحي من أهم تجلياتها الثقافية.

لكن أحمد أبو خليل القباني، يُعدّ المؤسس الفعلي للفن المسرحي في سورية عام 1871 (وهو تاريخ عرض أول مسرحية له في مدينة دمشق: “الشيخ وضاح ومصباح وقوت الأرواح”)؛ إذ اعتبرت أول مسرحية -سورية وعربية- تتوفر فيها شروط وعناصر العرض المسرحي المتكامل.

كما قدّم -بعد ذلك- مسرحيات وتمثيليات نالت إعجاب الجمهور الشامي، فأسس فرقته المسرحية الأولى في دمشق (من 1879 إلى 1880)، لكن مسرحه كان -أيضًا- نموذجًا رائدًا للمواجهة مع الاستبداد السياسي: المتمثل بالسلطة العثمانية، والاستبداد الديني: المتمثل بالسلطة الدينية. تلك المواجهة الشرسة التي لم تستمر أكثر من سنة ونيف، وأجبرَته أخيرًا (بعد حرق مسرحه)، على الرحيل مع فرقته، إلى مصر، عام 1884.

واللافت، في هذا التاريخ الثقافي الغني، أنه كان في مواجهة دائمة مع السلطتَين: السياسية والدينية، وربما الاجتماعية كذلك!

كانت المقاهي والأندية الرياضية (حيث يجتمع الناس) أولَ شكل من أشكال العمل المدني والشعبي. وكان القباني -في البداية- متابعًا ومعجبًا بـ “العروض” التي كانت منتشرة في مقاهي “دمشق”، مثل الحكواتي ورقص السماح و”المولوية” و”كركوز” و”خيال الظل”. واللافت -أيضًا- أن المثقفين والناشطين الاجتماعيين هم مَن كان خلف تأسيس أغلب تلك الأندية والمقاهي.

لُقّب أبو خليل آقبيق (وهذه كنيته الحقيقية)، بالقباني، لأن أجداده اشتغلوا بالقبّان، كما لُقّب -أيضًا- بالنشواتي، لأن والده اشتغل بالنشاء، ولذلك يقال إن الصبيان كانوا يلحقون به وهم يرددون هازئين معيّرين: “أبو خليل النشواتي يا مرقّص البناتِ” و: “أبو خليل القباني يا مشغل النسوانِ”؛ وذلك بتحريض من رجال الدين الذين عدّوا عملَه بدعةً وفتنةً، لأنه يرقّص البنات ويشغّل النسوان.

كم يشبه الأمسُ اليومَ! وكم تشبه تجربة القباني تجربةَ معظم المبدعين السوريين، مع أن الفارق كبير جدًا، في التطور الحضاري والتكنولوجي ووسائل الاتصال الاجتماعي، وفي طريقة تعامل الاستبداد مع الإبداع الفني والثقافي. فالاستبداد الحديث، لم يعد بحاجة إلى حرق المسارح، لأنها صارت ملكه، ولم يعد بحاجة إلى صبيان يلحقون بالمبدع، ويعيرونه بـ “ترقيص البنات”، فمنعه من العمل صار سهلًا، والسجن أو الإعدام -بتهمة بالخيانة والعمالة- بات ممكنًا. فقد ألقى جوزيف ستالين القبض على المخرج العبقري فسيفولد ميرخولد، بسبب توجهاته الفنية (الشكلانية)، ووجهت إليه تهمة “عدو الشعب”؛ ثم أعدِم في شباط/ فبراير 1940، بعد محاكمة صورية. وميرخولد أحد أبرز المخرجين في أوروبا، وصاحب نظرية “البيوميكانيك” أو تقنية الجسد -في التمثيل والإخراج- التي فتحت الآفاق واسعة أمام الحداثة في المسرح العالمي.

فهل سمع أحد بمبدع أُعدِم بتهمة (الشكلانية)، ومعاداة الواقعية الـ (جدانوفية)! وهل توجد مثل هذه الخطيئة العجيبة في تاريخ القضاء وسجلات العدالة، أو قواميسها؟

يوجد اليوم في دمشق مسرح يحمل اسم القباني، ويوجد في موسكو مسرح يحمل اسم ميرخولد، لكن الموت ما زال يهدد كلّ من سار مثلهما على درب الحرية.