“شبيحة” الأسد في تونس

ثمّة رهط من السياسيين التونسيين ينصبّون أنفسَهم اليوم أوصياء على الثورة السوريّة، حداثيون و”داعشيون” على حدّ السواء، فهم إمّا من “شبيحة” الأسد مستندين في ذلك إلى السرديات البائدة، عروبيّة كانت أم ماركسية، وإما من الأصوليين القتلة من حملة بيارق الله المنتسبين إلى السرديات الصحراوية. هذا النّوع يريد قدر الإمكان، وبشتّى الطرق، جرّنا إلى معادلة مقيتة، تقول إنّه لا خلاص للشعب السوري إلا باصطفافه وراء الفصائل الرجعيّة أو وراء دمويّة الأسد.

ليس ثمّة غرابة في أن تسعى الحركات الإسلاميّة المتشدّدة إلى قطع أوصال خرائط الدولة السوريّة، فمشروعها لا يمكنه أن ينمّ إلا عن سلوك دمويّ؛ لذلك هي لم تتورّع إطلاقًا في صناعة وحوش آدميّة، وتصديرها إلى هناك بتعلّة تأييد الثورة السوريّة، وعلى الأغلب هي لم تساهم فعلًا في ذلك، بل طمست طبيعة الصراع القائم بين نظام دكتاتوريّ وشعب يبحث عن الحرّية والكرامة وحياة اجتماعيّة وسياسيّة أفضل؛ ما جعلها تدخل الحظيرة التي رسمها “الأسد” سلفًا: أَنْ تُشوَّهَ الثورة ليجد في ذلك مشروعيّة بقائه بصفته -فيما بعد- الرمز الوطنيّ والعربيّ والمقاوم للإرهاب.

مثلما ورّط الأسد جحافل الدم والقتل الإرهابي لصالح مشروعه، تمكّنت هي الأخرى من توريط الحركات التقدمية في ملعبه، إذ بِاسم مقاومة الإرهاب، هبّ الحقوقي والاشتراكي والبلشفي والعروبي نصرة لذلك الطاغية. وإنه لمن المفارقات أن يحجّ الآن أكثر من وفد تونسي إلى دمشق، ليُعلن شكلًا من أشكال المبايعة للأسد، سواء اتحاد الشغل الذي كان له دور حاسم في كنس الطاغية التونسيّ (بن علي)، أو جملة من البرلمانيين المنتسب أغلبهم إلى الجبهة الشعبيّة اليسارية، بزعامة نائبة حطّت عليها في الأمس خيام النّوائب والنوائر بعد اغتيال زوجها الشهيد “محمّد البراهمي”.

يدرك هذا الطيف المنتسب إلى اليسار أن سردياته انتهت، وأن لعبة المرجع النظري صارت خردة أيديولوجية محض، لذلك نحن نراه اليوم، بدلًا من السعي لتجديدها، يراهن على سلوكه النضالي الميداني العشوائي، ولكنّه في ذلك يتحرك دون أدنى حراسة فكرية تُؤمّن تحركاته، وتوجّهها إلى مدار صحيح، فإذا به يخبط في مواقف عمياء، أقرب إلى الإعلامي ورجل المخابرات ومخابر تبييض الأموال في بنوك المجتمع المدنيّ، منه إلى ذلك الثوريّ الذي ينقذ الثورة من كلّ قاطع يقطعها عن طبيعة الصراع الحقيقي. أكثر ما يثير السّخط، في سلوك هذا النموذج من السياسيين التونسيين المنتسبين إلى الحداثة، هو دفاعهم بشكل انتحاريّ عن الثورة التونسيّة، بينما نراهم الآن يستكثرونها على الشعب السوري، بتعلّة أنّ ما يحدث في سوريّة ليس ثورة بل حربًا ضدّ النظام السوريّ وشعبه.

إنّ حجج هؤلاء، لهي حجج متداعية بإطلاق، إذ هي لا تنمّ فعلًا عن مصالحة مع الشعب السوري أو مساندة له، بقدر ما تحرّكها نزعة الهزيمة والفشل الذريع في أن يكون اليسار خطًا ثالثًا يكسر المعادلة القائلة بضرورة الاصطفاف وراء الإرهاب أو دمويّة الأسد. هذا العجز في اختراقها هو ما جعل هذا اليسار يبحث عن نوع ما من النجاة، فإذا به يجد في النظام السوري شرعيّة وجوده. وعلينا أن ننتبه، من أنّ هجرته هذه -بصفتها انحيازًا ضدّ الإسلاميين والطائفة الإرهابية برمّتها- ليست الأولى التي تحكّمت في سلوكه “النضالي” المزعوم؛ فبالأمس القريب، اعتقد اليسار التونسيّ، في حربه ضدّ حكومة الترويكا الإسلامية في تونس، أنّه لا مجال للانتصار إلا بالتحالف مع الطيف الليبراليّ والتقدّمي، فإذا به يتورّط من جديد ليضفي المشروعيّة النضالية على بقايا النظام التونسي القديم الذي أعاد ترميم أجهزته في شكل أحزاب جديدة، أهمّها حزب “نداء تونس” الذي فاز بالحكم فيما بعد، وظلّ اليسار في نهاية المطاف حطبَ تلك المعركة.

ينمّ هذا السلوك اليساريّ عن عجز واضح في بناء المستقبل أو حتّى استنطاقه، فإذا به يرتدّ بضرب من الحنين إلى تشغيل “مظلوميته” القديمة الباحثة عن الطغاة، بعد أن بات واضحًا أنّ أقصى فعل نضالي له هو الإقامة في متاهات السجون والغناء تحت سياط الجلاد. لذلك لا غرابة أن نراه اليوم، مثلما أضفى الشرعية على عودة صقور الفساد وبقايا النظام التونسي القديم، يرتمي في حضن الأسد، وكأنّه الآن بعد بؤس استنطاقه سردياته الثورية المزعومة لم يعد له غير مشترك الانتساب إلى الحداثة الملغومة، بصفتها الآن تمثّل “استحداثًا سلفيًّا” ولا تمثّل تقويضًا للسلفيات والسرديات الصحراوية الإرهابية.

إنّ هذا النموذج التونسيّ الذي ينصّب نفسَه وصيًّا على الثورة السوريّة أكثرَ من بعض السوريين، لا يدلي بالتعاطف مع الشعب السوري، كما يريد أن يسوّق لنفسه، بقدر ما هو نزعة “بافلوفيّة” وانتقاميّة ضدّ التيّارات الشوفينيّة والأصوليّة هنا في تونس، تلك التي ساهمت -بشكل أو بآخر- في تصدير حيوانات آدميّة مدرّبة على الفتك إلى سوريّة، كي تنشب أنصالها في جسد الثورة. ونظرًا إلى غياب الخطّ الثالث السوري الذي من شأنه إعادة الصراع السوري إلى طبيعته الحقيقيّة وتصحيح مسار الحراك الاجتماعي هناك؛ فإنّ هؤلاء لم يجدوا في غير “الأسد” وسيلتهم بغاية تغذيّة حسّهم الانتقاميّ.

لقد مثّل حجيجهم إلى سوريّة ومقابلة نظامها الذي لم يتورّع في تمزيق خرائط بلده، جدلًا شاسعًا في الأوساط النقابية والسياسية التونسيّة، حتّى إنّهم لم يتورّعوا بدورهم في تخوين كل شخص أو نقابيّ أو متابع للقضية السورية أو مهتمّ بالشأن العام السياسيّ، يعارضهم، بل وصل بهم الحدّ إلى اتهامه بشكل دوغمائيّ بالتعاطف مع “تنظيم الدولة الإسلاميّة”، وحرمانه من الإدلاء برأيه الخاصّ.

هذا السلوك الذي يجري الآن من قِبل “شبيحة الأسد” التونسيّة ضدّ المختلفين معهم، هو سلوك أمنيّ بامتياز، إذ إنه يسارع إلى التخوين والاتهام أكثر من فتح باب الحوار والنقاش. وعلينا ألا نصاب بالدهشة أيضًا، فهو سلوك متوقّع من قبل هذه الطائفة اليساريّة التي عوّدتنا -منذ مدّة طويلة- على تقديس الحزب لا الوطن، وتقديس الزّعيم لا جموح القواعد، وتقديس الصنم لا تشغيل الرمز، وتقديس الحقيقة لا فنّ السؤال، وتقديس الحنين لا شهقة الحب، وتقديس الكلام لا الجموح والفعل، وتقديس النصّ لا تكثيف التجربة، وتقديس الممكن لا محاربة المستحيل، وتقديس الحدث لا صنعه، وتخوين الرفيق لا محاورته، وقتل الاستراتيجي باسم التكتيك، وبناء التماثيل للشهداء لا الثأر لهم.

هؤلاء هم “شبيحة الأسد” في تونس، يا لهذه التراجيديا التي تجعل مجرمَ الأمس واليوم بطلَ اليوم والمستقبل!