هل هُزِمَت الثورة السورية حقًّا؟

ليس عنوان هذه المقالة بإحدى حِيَلِ الصحافة الصفراء، لاستدراج القارئ إلى فخّ محتوى، عادةً ما يكون رخيصًا وينطوي على خيبة أمل المتلهّف للعثور على ضالّته، وراء ما تقترحه العناوين، كلّا، ليست تلك غاية هذا العنوان الذي يستقي شرعيته من إشارة الاستفهام التي تقف في نهايته؛ بل إنَّ غرضَ التساؤل المفتوح هذا فتحُ الباب أمام تساؤلاتٍ أخرى، ربما تندرج في إطارِ السؤال ذاته. كما أنَّ طرحَ سؤالِ كهذا، اليوم، ليس باجتراحٍ جديدٍ على حقلِ الواقع السوري، بمقدّماته وراهنه ومآلاته، بل هو سؤالٌ ما انفكّ يبرز إلى واجهة النقاش، كلّما تحرّكت رياحُ السياسة أو تغيّرت الرايات على الجبهات.

على أنّ من الواجب القول إنَّ المُعسكر الذي ينتظر لحظة “إعلان هزيمة” الثورة السورية منذ بدايتها، كانَ دومًا السبّاق إلى طرح سؤالنا هذا في صيغةٍ تقريريّة يقينيّة، عرفنا نمطها البدئيّ من خلال عبارة اجترحها جمهور النظام ودَرَجَ على ترديدها، كلّما شعر بالقلق واحتاج إلى طمأنينةٍ تبعِد عنه شبح الثورة وما يستتبعها من أفكار، كان هذا الجمهور يُهدّئ من روعه بحُقنةٍ كُتِب عليها: «خلصِت وفشلت»، ذلك أنَّ مُسكّنات “الإعلام الوطني” الاعتيادية لا تُجدي نفعًا حينما يصبح الداء مزمنًا، إذ بدا واضحًا أنَّ هذه المجاميع البشرية التي أخذت إلى الشوارع لم تكن تبحث في الواقع عن “سندويتشات ملفوفةٍ بالدولارات” كما أنَّ أثر “حبوب الهلوسة” التي تتعاطاها بدا مديدًا أكثر مما احتملته مُخيّلةُ المؤسسة الإعلامية للنظام السوري وأجهزته الأمنية.

كذلك يتردّدُ صدى السؤال حتى على الجبهة الأخرى لموقعة الحرية السورية، تحديدًا في صفوف نسقٍ من أولئك الذين يُتقِنون القفز بين المراكب، في الوقت الذي يعتقدون أنه مناسب، ولهؤلاء قرون استشعار فائقة الحساسية، تجدهم يُبدّلون المواقع، حسبَ اتّجاه الأهواء وتغيّر المعادلات. لم يكن هؤلاء ثوريين أصلًا، وإنّما كانوا سياسيين أو بالأحرى متطفّلين على الحقلَين: الثوري والسياسي. وجدوا في الواقعة الثورية ما يوائم أهواءَهم في حينه؛ فانخرطوا في العمل -وليس في الجُهد- العام عبر هياكلَ فوقيّةٍ أُنشِئَت من قِبل فاعِلين خارجيين اقتضت مصالحهم -وليسَ مطالبُ الشارع السوريّ- أن يكونوا في هذا الموقع أو ذاك. كانَ دور هؤلاء كارثيًّا على الحراكِ الثوري في جوهره؛ إذ إنهم خَطَفوا الثورة لصالح السياسة، فتشوّهت العلاقة وباتت الثانية تصنَعُ الأولى، بدلًا من أن تكونَ العلاقة معكوسة في الحالة السورية التي تتّسِمُ بفقرها السياسي لظروف لا يتّسع المجال لسردها هنا.

كان من شأن ذلك أن يسرّع وتيرةَ الحرب التي بادر إليها النظام من طرفٍ واحد، وراح يجهَد باحثًا عن أنداد يوظفهم في تسويغ حربه المفتوحة على المجتمع السوري المنتفض. شكّلت الحربُ طوقَ نجاةٍ بدا وكأنه الوحيد، ليتعلّق به النظام الذي لم تسعفه أدوات دولته البدائية البربرية في تطوير استجابةٍ أقلّ عنفًا وتدميرًا تجاه أزمته التي لا مُبالغة في وصفها بالوجودية. في هذا السياق، اختصرت القنابل البرميلية جوهرَ النظام وفلسفته السياسية، ليس ثمّة من تكثيفٍ أبلغ منها لتوضيح بنية هذا النظام وخياراته. وبعد ما يزيد عن ستّ سنوات، يبدو النظام وجمهوره ورعاته الخارجيون أكثر ارتياحًا لفِكرة دمج الثورة بالحرب، إذ إنَّ العرض الذي خطّط له النظام اقتضى بالضرورة خلفيةً من مدنٍ مُدمّرة وأرضٍ محروقة وشعبٍ مُنهَك، تلك بيئة مثالية لنشاط دولة العصابات التي تخشى أنّ توقف آلة الحرب سيكشفُ عن جسامةِ جرائمها، والأهم من ذلك، سيضعها أمام استحقاقاتٍ ليست يسيرةً أمام حاضنتها الشعبية التي استنزفتها حدَّ الإنهاك، وهي تُمنّي نفسها بالنّصرِ الموعود.

إذن، كانت الحربُ استراتيجية وقد وعاها النظام جيّدًا، وبذَلَ ما تيسّر من طاقاتٍ لتكريسها وإدامتها وتوسيع نطاقها، كانت حربُ النظام وسيلةً وغايةً في آنٍ معًا؛ فقد كفِلت له تغذية سرديّة نزعِ الطابع الشعبي والمدني عمّن تمرّدَ عليه، ومن ثمّ تحطيمه بأبشعِ ما يُمكن للمخيلة البشرية أن تقترحه من وسائل. لم يعبأ النظام بكلفة الحرب ولم ينشغل كثيرًا بما بعدها، حتى وإن اقتضى ذلك تخريب النسيج المجتمعيّ السوري ودمار بنيةٍ تحتية أفنى السوريون أعمارهم في تشييدها، فبالنسبة إلى النظام، وفّرَت هذه الحربُ غطاءً لتبرير الهمجية المنقطعة النظير التي راحت تتفاقم بمرور الوقت، كما حدّت من مخاطر التصدّع الداخلي في صفوف النظام وجمهوره.

أمّا على الجهةِ الأخرى، فقد بدا أنَّ السياسة هي الأخرى راحت تتشكّلُ وفقًا لخرائط المعركة وديناميّاتها، كانت التبعية والارتهان للخارج هي السّمة الأبرز للنشاط السياسي في شكله الرسمي، فضلًا عن الفساد الذي غرقت فيه المؤسّسات التي نصّبت نفسها مسؤولةً عن مصاير السوريين وممثّلةً لمطالبهم، وفي الوقت الذي كانت فيه مدن وبلدات سوريّة تكابد تحت وطأة الحصار وندرة ما يسدّ الرّمق، كان ناشطون وسياسيّون سوريّون يرفلون في تبديد ما يتقاضونه من آلاف الدولارات، بِاسم السوريين وباسم مأساتهم، كان لهؤلاء أيضًا مصلحة حيويّة في إدامةِ الحرب؛ فالتقت رغبتهم برغبة النظام، سواء بإرادتهم أم من حيث لا يشعرون.

لا غرابةَ إذًا حين يتقاطع هؤلاء، الجمهورُ ونظامه من جهة، وأمراءُ السياسة والحرب من جهةٍ أخرى في ترويج مقولة “الثورةَ انتهت”، إذ إنَّ استنتاجهم هذا إنّما يستند إلى قراءتهم الذاتية لمُجمَلِ الحدث السوري، وهي قراءة تتصل بما هو آنيّ ونفعيّ دون إغفالها أهمية استثمار ما يوفره الإنشاءُ من طاقةٍ لتزييف الواقع وحَرفِ الأنظار. التقطَ هؤلاء بمجسّاتهِم التي أتينا على ذِكرها، في مطلعِ هذه الورقة، حاجةَ السوريين كبشرٍ عاديين إلى التقاط أنفاسهم واستعادة بعض من جوانب حياتهم التي تلتهمها الحرب التي يعلم الجميع تمامًا من الذي أطلَقَها، وعلى أيّ نحوٍ سارت، حتى أفضت إلى ما هي عليه اليوم من رداءة.

يخبرنا التاريخ أنَّ الثورات قلّما تُهزَم، احتاجت الثورة الفرنسية إلى عشر سنواتٍ لتقطف ثمارَ نضالاتها، كما أننا لا نعلم حقًا ما إذا كانت النابوليونيّة هي فِعلًا ما أرادته الثورة الفرنسية، حينما انقدحت شرارتها. غيرَ أنّ قدْرًا من التفاؤل الذي تستحقه ثورة السوريين اليتيمة يدفعُني إلى القول إنَّ الثورات تنتصر بمجرّد حدوثها أصلًا، لا هزيمة في الثورات المجتمعية، ثمّة تحوّلاتٌ فقط وتحدّيات. واليوم، بعد ما تقدّم من أطوارٍ ومن تحوّلات، ليست التحديات التي تواجه السوريين بأقلّ وجودية مما كانت عليه منذ آذار/ مارس 2011، إذ يريد السوريون استعادةَ ثورتهم في مشهدٍ بات من الصعب فيه تمييز الصديق من العدو. تبدو الثورة السورية وكأنها على وشكِ أن تبدأ مرّة أخرى. تِلك إجابتي عن سؤالي أعلاه.