شدّ الحبل بين موسكو وطهران ومصير الأسد

حين قَبِلَ بشار، دون تردد، إدخالَ روسيا إلى سورية بكل ما تستطيع، وبالشكل الذي تريد، لم يكن في حساباته أنّ تداعيات الأحداث ستؤثر على العلاقة بين مرجعيته الإيرانية الموجودة قبل انطلاق الثورة، وبين الوجود الروسي وأجندات موسكو في المنطقة وفي العالم.

كان هاجس السلطة الحاكمة في سورية، وهي تواجه ثورة الحرية، إنقاذَ نفسها بأي ثمن، حتى “إسرائيل” جرى توسلها للدعم، حين صرّح أقطاب النظام بأن تهديد سلطتهم بفعل الثورة “الإرهاب”، سيلحق الضرر بأمن “إسرائيل”. في الواقع العربي والسوري لا يؤدي التدخلان الروسي والإيراني إلى هزة دراماتيكية سريعة، تصدم الوعي والإرادة والثقافة الشعبية الوطنية والقومية، مباشرة، كما هي “إسرائيل”. غير أن احتدام الصراع في سورية أعاد وضع طهران وموسكو -في نظر الجزء الأكبر من السوريين- في مقام منبوذ ومكروه، فدمار البلد وتهجير أبنائه، وقتل مئات الآلاف من الشعب، قامت به طهران وموسكو ومعهم عصابات السلطة القاتلة.

منذ فترة برزت التعارضات بين الداعمَين الأساسيين لسلطة بشار، فمنذ نجاحهم في احتلال حلب وتهجير سكانها؛ قامت طهران عبر ميليشياتها بمحاولة ملء “الفراغ الأمني” هناك؛ فامتعضت موسكو وحذرت وفرضت خطتها للانتشار في حلب، وتكرر الأمر في الزبداني ووادي بردى، هنا نجحت ميليشيا “حزب الله” بأخذ حصة كبيرة من “الكعكة”. غير أن الأمر الجديد الذي واجهه تحالف الطرفين هو دخول إدارة ترامب، بفاعلية، على خط الصراع، سياسيًا وعسكريًا، وهو ما وضع موسكو في ما يشبه المأزق، لأنَ حاجتها الأعلى للقبول الأميركي بدورها في سورية خلقت اختلالًا في التوازن السياسي الروسي في إدارته للصراعات والتحالفات في الأزمة السورية؛ لأن طهران -بوصفها حليفًا لموسكو- ليست مقبولة في السياسة الأميركية إزاء المنطقة، وظهر هذا الأمر جليًا في الاتفاق (الأميركي-الروسي-الأردني) المعروف، حول محافظات جنوب غرب سورية، وعلى الأرجح ستتصاعد تناقضات موسكو مع طهران، في المسارات المقبلة -سياسيًا وعسكريًا- على الأرض.

هذا الواقع يطرح السؤال عن مصير سلطة بشار، وما يمكن أن يتركه تصاعد الصراع الروسي الإيراني من تأثيرات جذرية وحادة في بنية السلطة ووجودها وتماسكها؛ فعلى الرغم من هشاشتها وشكلية دورها في الترتيبات السياسية، كما في العمليات العسكرية، غير أنها تبقى ضرورة يحتاجها الطرفان في ادعاءاتهما عن “الشرعية” السياسية والقانونية للسلطة القائمة، فبِاسمها يقومان بتحريك أوراقهما وترتيب ملفاتهما. ولأن نظرة موسكو ومصالحها تختلف عن طهران ومصالحها، كما تختلف أدواتهما المعتمدة لتحقيق تلك المصالح؛ فمع كل تراكم في التعارض الروسي الإيراني حول سورية، يكون الانعكاس على سلطة بشار بالضرورة. وبقليل من المجازفة يمكن القول إن القوتين (الروسية والإيرانية) بقيامهما بحماية السلطة من السقوط، تحت تأثير ثورة السوريين، أسستا لخطر على السلطة يمكن أن يتصاعد إلى حدود تهدد بقاءها، بشكلها وهرمها، ولن يكون رأس هذا الهرم بمنأى عن هذا التهديد.

لا بد أن نلاحظ أنَ تناقضات الحليفين ينتج عنها ضغوط على بشار الذي يسعى كل طرف منهما (الروسي والإيراني)، للمصادقة على توجهاته وتكتيكاته من “السلطة الشرعية”، لتدارك الاصطدام المباشر بينهما، وليتسلح كل منهما بموافقة رأس الهرم وطغمته الحاكمة. في هذا المجال، يمكن الإشارة إلى أن شكلي التواجد العسكري والأمني (الروسي والإيراني) قائمان، في أحد جوانبهما، على تدعيم التأثير على قرار سلطة بشار، وليس فقط على العمليات القتالية ضد الثورة وضد الفصائل المسلحة “الإرهابية”.

تملك موسكو عناصر تأثير قوية على بنية السلطة وأجهزتها وقواتها، فالعدد الأكبر من الضباط القادة تدرب في روسيا، والسلاح الذي تستخدمه قوات السلطة روسيّ بشكل شبه تام، زد على ذلك أن الأجهزة الأمنية وقياداتها أُعدّت ودرِّبت في روسيا أو في (ألمانيا الشرقية)، قبل انهيار نظامها أواخر الثمانينيات، كما أن التكنوقراط الفني والإداري معظمه تربى وتعلم وتهيأ على أيدي الدولة في روسيا السابقة والبوتينية. وتشكل قاعدتَي حميميم وطرطوس عاملًا مهمًا في التأثير على الوضع السوري الداخلي، إضافة إلى مهماتهما في استعراض القوة لإجراء المساومات حول القضايا الدولية الساخنة. والقصد هنا أن روسيا تملك تأثيرًا على بنية السلطة من داخلها، وفي مراكز قراراتها الحساسة.

مقابل ذلك تملك طهران الميليشيات الطائفية، وعددًا من قوات الحرس الثوري، وبعض الاختراق للبنية الأمنية والعسكرية داخل السلطة، كما تملك المال الذي تغذي به سلطة بشار لتتمكن من الصمود، ولا يقل أهمية وخطورة أنها أسست شرخًا طائفيًا في بنية المجتمع السوري، باستنهاضها النزعة الطائفية عند السوريين الشيعة، وبقيامها بتشييع عشرات الآلاف من السوريين غير الشيعة.

بقليل من التدقيق بالمقدرات التي تتوفر لكلا الطرفين، يمكن توقع شكلين للتعامل مع سلطة بشار، لجذبه أو إخضاعه لإملاءات هذا الطرف أو ذاك. الروسي بوزنه الدولي المقبول كأساس للبحث عن حل للصراع في سورية، وبشبكة علاقاته مع أهم مؤسسات السلطة وأكبر عدد من رجالاتها، وأخيرًا بتواجده على الأرض، تحت عنوان “الإشراف على خفض التوتر”، ومثل هذه الأمور تمكن روسيا من لعب أوراق مؤثرة، بصمت وهدوء، لتقنع الطغمة ورأس الهرم بتوجهاتها في معالجة الأزمة، وحتى الآن تحقق ما تريد غير أن الطرف الإيراني لن يترك “الحبل على الغارب” كما يقال.

أدوات طهران للتأثير على انكفاء بشار، هي من النوع “الإرهابي” العنيف، ولا رصيد لها في الوضع الدولي، كما لا تأثير حاسمًا على بنيتها الرئيسية، مع ذلك لن تقف مكتوفة الأيدي، لأن رأسها مطلوب، ودورها في سورية مرفوض، فهي تستطيع، من جملة ما تستطيع، أن تحاول فرض سياستها بانقلاب مسلح، حتى وإن لم تضمن النتائج، فبطبيعتها الفاشية المغامرة، ليس مستبعدًا مضيها نحو أكثر السيناريوهات دراماتيكية، ولديها على الأرض عشرات آلاف الميليشيويين، وأكثرهم أهمية “حزب الله” اللبناني.

في كل الأحوال، فإن تداعيات الصراع والبحث عن حلول له، وما تأتي به الترتيبات المتلاحقة في الأراضي السورية، ستضع الطغمة الحاكمة أمام استحقاقات خطرة، ولا بد أن تدفع أجزاءً وقطعًا من جسدها وبنيتها وتشكيلاتها، تضحي بها عندما لا يكون لها خيار بالاستمرار دون ذلك، وربما يكون رأس الهرم هو القطعة الأهم التي يمكن أن يُضحّى بها مقابل بقاء الطغمة، وإرضاء الدول الكبرى، وتسويق الحل السياسي داخليًا بشكل يربك القوى المعارضة، وأيضًا يحوز على موافقة وقبول جزء منها لمثل هذا التحول.