خفض التصعيد: القتلة لا يصنعون السلام

منذ أن بُدئ الحديث عن مناطق خفض التصعيد أو خفض التوتر، بدت هذه التركيبة غير مفهومة للكثيرين، فهي ليست اتفاقية هدنة يتم إقرارها بحضور وسيط بين أطراف متحاربة، وإن كانت من حيث المبنى والمعنى تشبه ما يتوخى الوصول إليه في اتفاقات الهدن، إلا أن الجديد في هذه التقنية الجديدة التي بدأت قبل أشهر هو أنها تحدد مناطق جغرافية بعينها، وتستبعد مناطق أخرى، حتى وإن كان بين تلك المناطق تداخلٌ جغرافي مثلًا، وهي أيضًا لا تفرض إنهاء الأعمال العسكرية، لكنها تخفف من حدّتها في محاولة للوصول لاحقًا إلى اتفاق سلام شامل، كما تقول روسيا التي أطلقت هذه التقنية وتسعى إلى تعميمها؛ وبطبيعة الحال فإن الاتفاقيةَ التي ترعاها موسكو -إن حدثت- تستثني موسكو كليًا من الأعمال الحربية التي تقوم بها؛ فهي “شريك ضامن”، كما تصف نفسها، وسوف تتولى بالضرورة مراقبة الانتهاكات من قبل الفصائل المتصارعة على الأرض، لكنها لن تسجل الخروقات التي يرتكبها الطيران الحربي متعدد الجنسيات الذي يحلق في الأجواء السورية، وهي لا تريد أن تدخل نفسها في هذه التفاصيل المعقدة كي لا تضع نفسها في مأزق أمام التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، ولا نعتقد -والحال هذه- أن موسكو سوف تنشغل كثيرًا بإحصاء الغارات الجوية التي تنفذها الطائرات التابعة لنظام دمشق، فما يهمها -كما بات واضحًا للجميع- هو الخروج دائمًا بصورة المنتصر القادر على إدارة اللعبة على الأرض، بالطريقة التي يرغب فيها.

نقطة أخرى ينبغي الإشارة إليها، وهي أن مناطق خفض التوتر -كما أسلفنا- تضع حدودًا واضحة بين المناطق، وترسم خرائط كفيلة بتبديد أي محاولة لاستعادة الثورة المسلحة كيانها المتماسك الذي كانت تظهر عليه في السنوات الثلاث الأولى من عمر الكفاح المسلح، وهو ما يتحقق تباعًا وتساهم في تعزيزه، بطبيعة الحال، الخلافاتُ الكبيرة التي نشأت بين تلك الفصائل، وما قامت به لاحقًا الميليشيات الجهادية التي تُستثنى مناطقُ تواجدها من تلك الاتفاقات؛ ما يحوّل تلك المناطق إلى بؤر صراع دائم ومحتمل، كما أن اللوائح التي تصنف تلك الميليشيات على أنها إرهابية تجعل من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- توقع أن تمتد مناطق خفض التوتر إليها؛ ما يعني بالضرورة أن توقعَ سلام شامل، على كامل الأراضي السورية، أمرٌ ليس منطقيًا، أقله ريثما ينجلي غبار المعارك الدائرة حول وفي مدينة الرقة، التي ستمتد بالضرورة إلى محافظة دير الزور لطرد تنظيم (داعش)، ثم الالتفات لاحقًا للتخلص من أشباهها المتمركزين في إدلب، وهذا يفتح الباب واسعًا على شهور طويلة من الانتظار والترقب، كما يفتحه أوسع على توقع عشرات المجازر التي سترتكب في تلك المناطق، إدلب تحديدًا، مثل تلك التي تحدث كل يوم تقريبًا في محافظتَي دير الزور والرقة، بحجة القضاء على تنظيم “القاعدة” والمقصود به (جبهة فتح الشام/ النصرة)، وهو ما تقول واشنطن إنها سوف تسعى لتحقيقه، طال الزمن أم قصر.

ظاهريًا، قد تبدو تلك الاتفاقات وكأنها سوف تصب في مصلحة المدنيين، وسوف يتوقف عداد موتهم اليومي، مع خفض التصعيد، لكن الواقع يشير إلى أن الأمور لم تتغير كثيرًا، وإلى أن المستفيد الوحيد من كل ما تقوم به روسيا هو نظام دمشق الذي يُعاد تأهيله بطريقة منظمة، بالإضافة إلى حلفائه على الأرض من الميليشيات الطائفية التي تديرها طهران، والتي سيكون بإمكانها التحرك بحرية أكبر، والوصول إلى مناطق كان متعذرًا عليها الوصول إليها من قبل، علمًا أن هذه الميليشيات، وعددها بات أكبر من قوات نظام دمشق، لا يوجد من ينوب عنها في أثناء توقيع اتفاقات خفض التصعيد، والنتيجة أن الأمر لا يعنيها، تمامًا كما حدث من قبل، إبان توقيع اتفاق الهدنة أواخر العام المنصرم، وقد استغلت تلك الميليشيات الهدنةَ لتبسط سيطرتها على بعض مناطق في وادي بردى، ووقتها لم يسجل مركز حميميم الذي تديره موسكو أي خروقات، فلماذا نتوقع أن يبدأ بتسجيل تلك الخروقات الآن؟

المؤسف أن أطرافًا في المعارضة السورية، المفككة وغير القادرة على طرح تصور واحد متكامل، تعدّ تلك الاتفاقات (وآخرها اتفاق ريف حمص الشمالي) بمثابة انتصارات سياسية وعسكرية تحققها، وتعدّها لَيًّا لذراع النظام، من خلال جرّه جرًّا إلى القبول بوقف إطلاق نار جزئي، وهم يعلمون تمامًا أنه في حال قام النظام أو ميليشياته بخرق تلك الاتفاقات؛ فإنهم لن يجدوا من يردعهم أو يحاسبهم، بينما إن أطلقت رصاصة واحدة، ولو عن طريق الخطأ، من فصائل المعارضة المسلحة؛ فإن أبواب جهنم قد تفتح على تلك المناطق.

كيف يمكن أن نصدق أنّ روسيا التي قتلت من السوريين عشرات الآلاف دفاعًا عن مصالحها التي يرعاها نظام دمشق، والتي كانت السبب الرئيس لبقاء ذلك النظام واقفًا على قدميه بعد أن كان آيلًا للسقوط، باتت بلمسة ساحر حريصةً على دماء السوريين؟ هل مطلوب منا أن نصدق أن قاتلًا، يداه مضرجتان بدمائنا، صار ملاكَ سلام يريد حمايتنا؟!