آليات عمل البنية الداخلية لسلطة آل الأسد

أسست سلطة آل الأسد، إضافةً إلى أدوات العنف المتعددة وآليات التفكيك المجتمعي، منظومةَ الولاء على آليات فسادٍ، تديرها الأجهزة الأمنية وتعيد من خلالها توليد منظومة الولاء. كما تأسست على قاعدة القوانين الناظمة التالية للأداء السلطوي: أولًا، أحادية السلطة واختزال مؤسسات الحكم برمتها بشخص رأس النظام وقراراته ورغباته. ثانيًا، اشتراط الولاء المطلق والطاعة العمياء لكل أوامر الرأس الحاكم الأوحد ورغباته ورؤاه. ثالثًا، ضمان ولاء الأتباع بإشراكهم بالفوائد والمكاسب، بصفتها مغانم معارك ومكاسب هيمنة النظام، بحيث يصبح مقياس الولاء مدى رضوخ الأتباع للحصة المعطاة لهم من المغانم.

وكان هناك ثلاثة أركان تقوم عليها الدولة الأمنية التسلطية، وتمكّنها من إنتاج مجتمعها الجماهيري، هي: الإرهاب والأيديولوجية والإعلام الموجّه. وثمة عدة مبادئ تضمن هذه الأركان وتعززها، هي: مبدأ الاحتكار الفعّال للسلطة والثروة والقوة، واحتكار الحقيقة، واحتكار الوطنية، ومبدأ الغلبة والقهر، ومبدأ شخصنة السلطة؛ وفي هذه الحال تحل الأوامر محل القوانين، والامتيازات محل الحقوق، والولاء والمحسوبية محل الكفاءة والجدارة والاستحقاق.

ويمكن تمييز أربعة مستويات في هرم سلطة الأسد: أولها، أساسي ويتعلق بالمسائل الحاسمة بالنسبة إلى نظامها -كالأمن والشؤون الخارجية– تتركز الخيوط المهمة كلها في يدي رأس النظام، لا ينازعه فيها أحد. وثانيها، رؤساء شبكات الاستخبارات والأمن المتعددة، التي تعمل باستقلال بعضها عن بعض، وتتمتع بحرية واسعة، وهي تشكل عيون الأسد وأذنيه. وهناك قادة التشكيلات المسلحة النخبوية الحامية للنظام (الحرس الجمهوري، والقوات الخاصة، والفرقة الثالثة المدرعة، وسرايا الدفاع قبل عام 1984)، وهي مسؤولة أمام الأسد مباشرة. وثالثها، قيادة حزب البعث، التي تعمل كهيئة استشارية للأسد، تراقب –عبر الآلة الحزبية– تنفيذ سياساته. ورابعها، الوزراء وكبار موظفي الدولة والمحافظين وقادة المنظمات الشعبية.

مع العلم أنّ دولتين تمايزتا، منذ وقت مبكر من حكم سلطة آل الأسد: دولة ظاهرة عامة، لكن لا سلطة حقيقية لها (مجلس الشعب، مجلس الوزراء…). ودولة باطنة خاصة، حائزة على سلطة القرار فيما يخص مصاير السوريين والعلاقات بين السكان وتحريك الموارد العامة، فضلًا عن العلاقات الإقليمية والدولية. وتتكون الدولة الباطنة من الرئيس (والأسرة الأسدية) ومن الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية ذات الوظيفة الأمنية، ومن أثرياء السلطة الكبار. وهي ليست مرئية من قبل عموم السوريين، ولا نفاذ لهم إلى آليات القرار فيها.

وفي تشخيص هذه السلطة يخطئ من يعتقد أنها تمثل نظامًا طائفيًا خاصًا بطائفة ما، فهو ليس نظام الطائفة العلوية، أو نظام حكم الطائفة العلوية، لأنه -ببساطة- لم يكن في خدمتها، ويمكن اكتشاف ذلك من الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التي تظهر أحوال السوريين من أبناء هذه الطائفة. بل على العكس، كانت الطائفة العلوية -وما تزال- في الأسر، وكان السوريون “العلويون” -وما يزالون- محتجزين رهائن بيد آل الأسد.

لقد أشاعت هذه السلطة حالة من السلبية والعزوف عن الشأن العام؛ فغابت لدى غالبية السوريين المبادرة الذاتية والتفكير المستقل، وحصلت حالة من القطيعة بين عموم أفراد المجتمع والنخبة السياسية، في السلطة والمعارضة معًا، بعدما بطشت السلطة بقوى المعارضة، وأنهت أي تعبير عن حياة سياسية طبيعية، من دون أن يعفي هذا أحزابَ المعارضة من مسؤولياتها وأخطائها. وأفضت حالة الانفصال والقطيعة إلى إنتاج التكلّس ومراكمته في مفاصل المجتمع والسياسة، وإيجاد بنية مجتمعية راكدة فارغة من أيِّ حافز للاجتهاد والإبداع، وأعادت إحياء روابطها الفرعية، ما قبل الوطنية، من عشائرية وقومية وطائفية وغيرها.

ترافق ذلك مع نزع السياسة من المجتمع، باعتبارها فاعلية مجتمعية حرة ومجالًا عموميًا للمجتمع، وهي أحد أرقى الأشكال التنظيمية لوحدة المجتمع؛ الأمر الذي أدى إلى تغييب قسري كامل لدور المجتمع في السلطة. إنّ الدولة الأســـدية لم تستولِ على الدولة، أو نظام الحكم فقط، على ما تفعل النظم الديكتاتورية عادة، بل استولت أيضًا على الفضاء العام المجتمعي، أو بالأصح همّشته أو محته، إلى حــد كبير، حتى لم يعد يظهر منه إلا ما تريده وتبيحه، أو ما يخدم شرعيتها واستمرار وجودها.

المشكلة في هذا الوضع الشاذ أنه أبقى السوريين في حيّز الهويات الفرعية المغلقة، الإثنية والطائفية والمذهبية والعشائرية، ولم يسمح لهم، في الوقت ذاته، بالتبلور والتعبير عن ذاتهم، أي أنه أبقى السوريين مجالًا لتلاعبات وتوظيفات السلطة، وضمن ذلك وضعهم في مواجهة بعضهم.

وفي سياق كل ذلك، عززت التماهي بين السلطة والدولة، فمع تدهور وضع الدولة الدستورية، وسيطرة النزاعات المتعددة على النفوذ والسلطة؛ اخترقت السلطة الدولةَ ووجهتها، وصارت إرادة السيد الأوحد الذي يتحكم بالنظام هي القانون الذي يحكم الدولة نفسها، وصار الرئيس “سيد الوطن”، أي صاحبه ومالكه والمتصرف به.

لقد سجلت الممارسات الطائفية حضورًا علنيًا متزايدًا، في سنوات بشار أكثر من أبيه، بفعل تدهور أجهزة التعبئة الاجتماعية البعثية. ومن العوامل المعزّزة لصعود الطائفية واقعة التوريث نفسها، كتأسيس لسلالة وكارتسام لدستور باطن يقضي بأنّ الحكم وراثي في البلد، وأنّ بشار -بوصفه وريثًا لأبيه- لا يمكن أن يكون رئيسًا دستوريًا منتخبًا، وأنّ واجبه كوريث هو أن يورّث الحكم لابنه من بعده. ومع تراجع وظائف الدولة الاجتماعية (وليس سلطتها القمعية) وصعود دور الثروة بفعل “لبرلة” الاقتصاد، صعدت القرابة والطائفية أيضًا.

وبالرغم من أنّ المجال السياسي بقي مقيّدًا تقييدًا شديدًا، عبر أجهزة أمنية قمعية؛ فإنّ المشهد الاجتماعي السوري كان أمام ولادة جيل جديد، أخذ يتمتع بأدوات عولمية باتت مدهشة لذهنية التواصل، وبدأ يبدي تململًا واسعًا من الآفاق القائمة في سوق العمل التي لم تعد قادرة على استيعابه، حيث الثروة والفساد تدار من قبل شبكات المحسوبية. وعلى الرغم من الترميمات التي انتهجتها السلطة لإعادة إحياء القطاع الخاص، فإنها -برأي هذا الجيل- لم تكن تعني استرجاع شبكات رأسمالية مستقلة؛ وبالتالي انفتاح آفاق اقتصادية–اجتماعية بديلة، بل غالبًا ما نظر إلى هذه السياسات من زاوية أنّ جوهرها قائم على خلق طبقات تجارية جديدة طفيلية، وبصفتها هذه تكون تابعة لها في علاقات غالبًا ما تكون متكافلة مع قيام كوادر الدولة من ذوي السطوة بدور الرعاة إن لم يكن الشركاء.

على هذه الأرضية، وفي غياب أيّ قيادة سياسية وثقافية قادرة، انفجر المجتمع في ثورة من القعر، فاجأت الجميع ببطولتها وعزمها، بل فاجأتهم بعفويتها وعاميّتها؛ فاستكملت الثورة الإطاحة بالقديم لكن ولادة الجديد ما تزال متعثرة بشكل مقلق. وبذلك فنحن أمام عقد اجتماعي ينهار، من ضمن ما يتطلبه انهيار التحالف بين رجال الأعمال في المدن مع السلطة؛ وبالتالي انهيار أساس شرعية هذا النمط.