سورية و”النظّارات” الدولية

منذ أن انتقلت ثورة الشعب السوري، وردّ الجماعة الحاكمة العنفي عليها، إلى حقل السياسات الدولية والإقليمية؛ أصبح الموقف من سورية مسألة خاضعة لتعدد مصالح الدول، ومع ظهور الأصوليات العنفية السنية والشيعية، بوصفها وسخًا تاريخيًا تخوض معركة ماضوية مضرة جدًا في تحديد مصير سورية، صار مصير النظام الحاكم موضوعًا ثانويًا لكثير من الدول الفاعلة.

تجب الإشارة أولًا إلى أن السياسة العالمية لا تضع نظارات السوري المكافح من أجل حريته وكرامته كي ترى مستقبل سورية، أو نظارات العراقي الذي يبحث عن خلاصه ليروا فيها خلاصه، ولا تضع نظارات الفلسطيني المكافح ضد الاحتلال والعنصرية الصهيونية لتحدد موقفها من تقرير المصير الفلسطيني، بل إن جميع الدول تضع نظاراتها المحلية لترى فيها الآخر.

هذه المسألة يجب أن تكون حاضرة في وعي السوري والفلسطيني والعراقي، ويكمن الغباء السياسي في هذه البلدان في النظر إلى العلاقات الدولية وسياسات الدول انطلاقًا من الوقوف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع الداخلي، متناسين مصالح الدول وأجندتها الخارجية المتعلقة أساسًا بسؤالها الداخلي: ما المصلحة في اتخاذ هذا الموقف أو ذاك؟

تظنّ الجماعة الحاكمة في دمشق أن روسيا جاءت للدفاع عنها، وقد وصل الأمر بأحد “المثقفين” إلى أن يكتب الشعر دفاعًا عن النظام، وأن يُرحّب ببوتين، وأن يمدح إيران التي تبعث بحرسها الثوري ليقتلوا في سورية والعراق كرمى لعيون حكام سورية والعراق، وقس على ذلك. يظن حكام العراق أن أميركا ضامنٌ لبقائهم في السلطة، كما تظن المعارضة السورية أن أميركا والغرب وتركيا في خدمتهم.

أكتب هذا انطلاقًا من ردات فعل سابقة على تصريح رئيس فرنسا المنتخب ماكرون الذي قال إن الأسد عدو للشعب السوري لكن ليس عدوًا لفرنسا، وإن أولوية باريس هي الالتزام التام بمحاربة الجماعات الإرهابية وضمان ألا تصبح سورية دولة فاشلة.

إن قادة أوروبا وأميركا وروسيا وإيران وتركيا و”إسرائيل” يعرفون هذه الحقيقة -بشار الأسد عدو لشعبه وليس للدول- دون أي شك، لكن سياساتهم على الأرض لا تنطلق من هذه الحقيقة بل من السؤال السابق: ما المصالح التي تتحقق لنا من تدخّلنا في سورية؟ أيهما أفضل لنا، سورية مقسمة إلى دويلات أم سورية الموحّدة الفدرالية التابعة؟ سورية الدولة الفاشلة كما هي الآن، أم سورية الدولة الممكنة؟ استمرار الحرب أم إنهاء الحرب؟ بقاء القوى الأصولية العنفية الشيعية والسنية وصراعها أم التخلص منها؟ هل بقاء بشار الأسد في الحال التي هي عليه أفضل لنا، أم إيجاد بديل مشابه لا حول له ولا قوة؟ وقس على ذلك الأسئلة الشبيهة المتعلقة بالعراق.

فضلًا عن هذه الأسئلة، فإن هناك صراع المصالح بين الدول نفسها، فهناك صراع روسي – أميركي، وصراع تركي – أميركي، وصراع روسي – إيراني.. إلخ. وكل هذه الصراعات سيكون لها أثر على مستقبل سورية والعراق.

لهذا؛ فإن ماكرون قد نطق بالحقيقة عارية من أي قناع: بشار الأسد ضد شعبه وليس ضد فرنسا. والحقيقة نفسها يمكن أن يقولها نتنياهو: بشار الأسد ضد شعبه وليس ضد “إسرائيل”، وبالتالي سؤال الدول هو: هل بقاء الجماعات الحاكمة في العراق وسورية مفيد أم غير مفيد؟ بل هل (داعش) مفيدة إلى حين أم غير مفيدة؟

فيما سؤال الإنسان الطبيعي الساعي إلى حريته في العراق وسورية هو: كيف الوصول إلى وطن وشعب ودولة ومواطن وحرية.