حزب الشعب الديمقراطي السوري وخطاب صبرا

تباينت ردات الأفعال تجاه الكلمة التي ألقاها جورج صبرا، أمام المجلس الإسلامي السوري الأسبوع الماضي؛ فهناك من عدّها كلمةً وطنية بامتياز، وأعطى تفسيره الخاص لبعض العبارات، وهناك مَن نقدها موضوعيًا ورأى أن ما طُرِح يُمثّل رأيًا شخصيًا، وهناك من مارس الانتقاد من موقع تصفية الحساب مع طروحات (حزب الشعب) السياسية، من خلال إدانة الموقف التاريخي لـ (حزب الشعب) من التيار الديني والإسلام السياسي، وآخرون مارسوا النقد باعتباره موقفًا رسميًا للفريق الذي يُعبّر عنه السيد صبرا (الموقع).

من أجل التوضيح والمقاربة الموضوعية، أشير إلى عدد من النقاط:

1 – أنضج (حزب الشعب)، منذ زمن بعيد، رؤية سياسية نقدية وفق المنظور الديمقراطي، اعتمدها وطرحها بقوة أواخر عام 1978، في مؤتمره الخامس. ومع بدء أعمال الاغتيالات التي قامت بها الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين وتفجّر الأزمة العامة في البلاد (1979 – 1982)؛ أدان الحزب “مجزرة المدفعية” بوصفها عملًا إجراميًا بكل المعايير، لكنه رأى أنها نتاج نهج الاستبداد والتمييز الطائفي للنظام، وأن أعمال العنف التي وقعت كانت عنفًا مضادًا لعنف النظام، ودافع الحزب عن رؤيته، وانخرط في التحرك الديمقراطي الذي أطلقته النقابات المهنية والعلمية في بياناتها ومطالبها، منذ بيان نقابة محاميّ دمشق عام 1978، وكذلك ما فعله الكتّاب والصحفيون في مواقفهم الجريئة المميزة (علي المصري، ممدوح عدوان، ميشيل كيلو، أحمد دحبور..) وأيضًا. الإضرابات التي عمت معظم المدن السورية، في آذار/ مارس 1980، بل إن “التجمع الوطني الديمقراطي” الذي تشكل من خمسة أطراف، وكان الحزب من أبرز مؤسسيه، أصدر بيانًا حينذاك، عُمّم على نطاق واسع في سورية، يُطالب بمواجهة الأزمة وعلاجها من جذورها؛ فدعا إلى سحب قطعات الجيش من المدن ومنع زجه في مواجهة الشعب، وإلى رفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية، والعمل من أجل التغيير الديمقراطي الجذري، والدعوة إلى انتخابات حرة لجمعية تأسيسية، تكون مرتكزًا للانتقال السلمي نحو الديمقراطية، وتضمّن البيان التأكيد على الشعار الذي طرحته الحركة الوطنية في نضالها ضد المستعمر “الدين لله والوطن للجميع”.

2 – العلاقة مع الإسلام السياسي، وتحديدًا مع حركة (الإخوان المسلمين)، كانت من أكثر المسائل التي تعرضت إلى حملات تشويه أو اتهام أو تشهير، وربما كلمة جورج صبرا أيقظت الكثير من الأحكام المتعسفة التي روّجت لها السلطة الأسدية بالأساس، وشيطنت (الإخوان المسلمين)، وجعلت من لا يشاركها معركتها ضدهم شريكًا للشيطان.

للتذكير، اعترفت السلطة السورية بدايةً، بلسان (الجبهة الوطنية التقدمية)، بوجود أزمات كبيرة في البلاد (بيان الجبهة التقدمية عام 1979)، وحاولت امتصاص النقمة الشعبية الواسعة تجاه نهجها وسياساتها، ثم انتقلت سريعًا إلى اعتماد الحل الأمني في نيسان/ أبريل 1980، واعتبرت أن هناك مؤامرة عالمية يُنفّذها (الإخوان المسلمون) من خلال الإٍرهاب، وأصدرت المرسوم التعسفي رقم 49 في العام نفسه، المرسوم الذي يُجرّم كل منتسب إلى حركة (الإخوان المسلمين) ويحكم عليه بعقوبة الإعدام، ويُسجَّل لـ (حزب الشعب) في ذلك الحين، انسجامًا مع النهج الديمقراطي، وقوفه المبدئي ضد المرسوم واعتباره غير شرعي، كما اعتبرت السلطة الأسدية كل من يعترض عليها يكون في حلف (الإخوان المسلمين)، ووضعت البلاد والعالم أمام خيارين؛ وبالتالي حاولت أن تطمس الخط الثالث الذي عبّرت عنه الحركة الديمقراطية، وبطشت بها، وحلّت النقابات المهنية للمحامين والأطباء والمهندسين، وقامت باعتقالات وملاحقات واسعة شملت مئات الكوادر السياسية والنقابية وناشطي حقوق الإنسان، بما في ذلك القسم الأعظم من كوادر الحزب، في حملة تشرين الأول/ أكتوبر 1980، وتتالت الحملات خلال عقدين، وكان أشرسها خلال عقد الثمانينات.

انتقد الحزب (وأيضًا التجمع الوطني الديمقراطي) خطابَ النظام، واعتبره يعمل على ليّ الحقائق ويبتعد عن جوهر الأزمة ببعدها السياسي، ودعا إلى تشكيل جبهة وطنية عريضة من أجل التغيير الديمقراطي، لم يستبعد منها أحدًا، على أن يكون المعيار هو القبول بالبرنامج الوطني الديمقراطي الذي يطمح لبناء دولة الحق والقانون والمواطنة ويُلغي كل أشكال التمييز ويُكرّس فصل السلطات والمؤسسات الديمقراطية، ويعمل من أجل نهوض اقتصادي يتحقق فيه بُعد العدالة الاجتماعية.

لم يستجب (الإخوان المسلمون) لهذه الدعوة، بل لعبوا دورًا سلبيًا في الإضراب العام الذي عمّ معظم المدن السورية باستثناء دمشق؛ وهذا ما سهّل على السلطة الأسدية الانقضاض، في ذلك الوقت نيسان/ أبريل 1980، على المعارضة بكل تلاوينها، وعلى الشعب الحاضن الأساس للمعارضة، وممارسة القمع على ملايين الناس في مدن الوسط والشمال، بعد أن زجّت الجيش والوحدات الخاصة في معركتها، وارتكبت الجرائم التي توّجتها بمجزرة حماة الكبرى عام 1982. وكانت الأخطاء الكبرى التي وقع فيها (الإخوان المسلمون) حينئذ، في حساباتهم السياسية وأوهامهم، وعدم تمييز موقفهم عن “الطليعة المقاتلة” للإخوان المسلمين، التي مارست بطريقة عنفها وخطابها وجهًا آخر من أوجه النظام، وانتهت بعد سنوات معدودة إلى عقد صفقة معه ما زال يلفّها الغموض، وما زالت تلك المرحلة لم تخضع للنقد الذاتي والمكاشفة أمام الرأي العام.

3 – قامت العلاقات بين (حزب الشعب) من جهة، وحركة (الإخوان المسلمين) وتيارات الإسلام السياسي من جهة أخرى، من خلال تشكيل “إعلان دمشق” عام 2005، إذ أعلن (الإخوان المسلمون) تأييدهم له، واستمرت هذه العلاقات في ظروف الثورة منذ عام 2011؛ في مؤسسات المجلس الوطني والائتلاف، ثم تعرضت لإشكالات على صعيد الممارسة.

أدت العلاقة المختلّة مع هذه الأطراف التي هيمنت على مراكز القرار في هذه المؤسسات إلى مفاعيل سلبية داخل الحزب، منذ أكثر من ثلاث سنوات، وأضافت عنصرًا جديدًا  في أزمة الاعتراض على الأداء السياسي والتنظيمي لقيادة الحزب التي تولت المسؤولية، بعد مؤتمره السادس عام 2005، وكانت هناك رغبة قوية لدى كوادره النشيطة والمنخرطة في العمل العام في تفعيل دور الحزب كمؤسسة، وتصويب أدائه عبر التحضير لمؤتمر طال تأخره عن موعده المستحق، وتمكينه لأداء الدور المطلوب، كأحد الأقطاب الديمقراطية في الثورة يُدافع مع نظرائه عن قيم الثورة التي تجسّدت بوضوح في أشهرها الأولى، ويقف سدًا في وجه الأجندات التي ترمي إلى مصادرتها وحرفها عن مسارها، بوصفها ثورة حرية وكرامة، في وجه كل صنوف الاستبداد.

4 – إن نقد وتفكيك خطاب جورج صبرا الذي طرحه علي الأتاسي كان في محله تمامًا، خاصة في مفهوم المرجعية الوطنية التي لا يمكن المساومة عليها أو المجاملة فيها، فالوقوع في الغلط السياسي الذي حصل، والذي افترض فيه الأتاسي أن يكون رأيًا شخصيًا، يسيء لـ (حزب الشعب الديمقراطي السوري) وتاريخه الذي أكّد دومًا على دولة المواطنة والكل الاجتماعي وحيادية الدولة، ولا يمكن اعتباره تمامًا رأيًا شخصيًا، كما ذكر الكاتب طارق عزيزة، لأن الموقع الرسمي تبنّاه إلى حد ما، لكنه بالتأكيد لا يُعبّر عن موقف الحزب ووثائق مؤتمره السادس، ولا عن رأي الهيئة القيادية المؤقتة، ولا عن الإطار العام لكوادر الحزب في مختلف المواقع، ولا عن تاريخ خطه السياسي لعقود، بل يُعبّر ربما عن رأي فريق محدود، والأمر يتجاوز الشأن الخاص الحزبي إلى المستقبل السياسي للبلاد ومصير الوطن.