تاريخ يكتبه الحذاء

عمومًا، وعبر التاريخ، في مختلف الثقافات العالمية، يُعدّ الحذاء العسكري من الرموز الأكثر تعبيرًا عن الطغيان والاستبداد، وهو أحد العناوين المهمة للخسّة والنّذالة التي تُلصق بالجنرالات والديكتاتوريين الذين يستخدمون البوط العسكري في إذلال معارضيهم، ولا سيّما السياسيين منهم.

بالعودة إلى الوراء قليلًا، نجد أن هناك أحذية كانت عبر التاريخ رمزًا للضحك والفُكاهة مثل حذاء “أبو القاسم الطنبوري”، الذي كان كلما أراد التخلص منه أعيد إليه. وحذاء آخر كان له ذكرى جميلة في ذاكرة الشعوب، وهو حذاء “سندريلا” الشهير الذي حولها من خادمة إلى زوجة للأمير، لكن هناك أحذية أحدثت ضجة بين الناس، وأثارت لغطًا قويًا بين مؤيد ومعارض، حيث اعتبر البعض أن الحذاء هو وسيلة من وسائل التعبير عن الرفض أو التأييد، وآخرون اعتبروا ذلك وسيلة وضيعة وغير حضارية للتعبير عن الرفض أو التأييد، وربما يكون حذاء الصحفي العراقي (منتظر الزيدي) هو من الأمثلة الحية على ذلك في التاريخ الحديث، وذلك عندما قذف هذا الصحفي الرئيسَ الأميركي، جورج بوش الابن، بحذائه أثناء المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع رئيس الوزراء العراقي سيئ الصيت نوري المالكي، في بغداد في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2008، يومَها ارتفعت شعبية الزيدي وحذاؤه إلى درجة التقديس، واعتُبر حذاؤه رمزًا للكرامة المهدورة على يد الأميريكين، وأنه وسيلة للتعبير عن المخزون النفسي والسياسي، لدى العراقيين، ضد الاحتلال الأميركي. لكن في المقابل انتقده الكثيرون، وذلك احتجاجًا على هذه الوسيلة الوضيعة في تحريك عواطف الجمهور، وأن ذلك ليس إلا “فشّة خلق، وزوبعة في فنجان”، وأن الهدف منها هو البحث عن الشهرة ليس إلا، وأن مقاومة الاحتلال لا تكون بهذه الوسائل غير الحضارية.

وللتذكير فقط، فإن هذا الصحفي انتهى به الأمر إلى الارتماء في أحضان بشار الأسد وحسن نصر الله، لينضم إلى جوقة المطبّليين والمزمّريين في تيار المقاومة والممانعة. (انظر إلى كلمته في أحد المهرجانات، في حلب، إلى جانب بثينة شعبان – كريم بقردوني – جورج قرداحي – ناصر قنديل والشيخ أحمد حسون)(1).

ومن الأحذية التي كان لها وزن سياسي، وأحدثت هي الأخرى ضجةً كبرى في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حذاء الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف، عندما نزع حذاءه وضرب به بقوة على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، متوعدًا ومهددًا الدول الإمبريالية، أبّان الحرب الباردة في ستينيات القرن الماضي، واعتُبر آنذاك، لدى اليسار العالمي، رمزًا للقوة والتحدي في وجه الغطرسة الإمبريالية، لكن آخرين كان لهم رأي مخالف، إذ اعتبروا أن استخدام الحذاء في منبر دولي دلالة على التخلف والعجز ليس إلا.

لكن شتان ما بين هذه الأحذية وحذاء الجندي العربي السوري، حيث إن لحذاء هذا الجندي قصة أخرى، لدى مؤيدي النظام و”منحبكجية” تيار المقاومة والممانعة؛ إذ إن هذا الحذاء ارتقى، في نظر هؤلاء، إلى مرحلة أعلى، وأصبح تقبيله وضمّه ووضعه على الرأس وإقامة النصب التذكارية له من مستلزمات التعبير عن المقاومة والصمود، وتعبيرًا عن التفافهم حول زعيم الأحذية وراعي (العلمانية والأقليات!).

لاشك في أن الكثيرين يذكرون تهافت هؤلاء المنحبكجية على تقبيل الحذاء العسكري، أمام وسائل الإعلام وعلى شاشات التلفزيون، وكانت رائدتهم في اكتساب هذا (الشرف) الإعلامية التونسية، صديقة صاحب الميادين والمفتونة بزعيم (المقاومة)، كوثر البشراوي، وتبعها في تلقف هذا (الشرف) الممثل السوري، المعروف بنفاقه وانبطاحه، زهير عبد الكريم (وقد يكون غاضبًا لأن البشراوي قد سبقته للحصول على هذا الشرف)، ثم أخيرًا وليس آخرًا الفنانة السورية أنطوانيت نجيب التي لم تكتفِ بوضع حذاء الجندي السوري على رأسها، بل امتدت “شهامتها” لتضع بوط عناصر “حزب الله” أيضًا.

امتدت السبحة ليرى المواطن السوري صورة الحذاء العسكري على شكل إعلانات في الطرقات العامة مع شعار: (لنداوي جراحكم) تصوّروا هذا الدواء!. وكذلك لتتكحل عيون من يريد الدخول إلى مدينة اللاذقية بالنصب التذكاري على مدخل المدينة، والذي هو عبارة عن حذاء عسكري ومجسّم لرصاصة (قام محافظ اللاذقية أحمد الشيخ عبد القادر قدرة بإزاحة الستار عن النصب، بحضور أمين فرع حزب البعث محمد شريتح، في آب/ أغسطس 2013)، هذا الحذاء الذي أصبح رمزًا للمقاومة وغباره شفاء لمرضى الرمد، كما قال خطيب الجامع الأموي الكبير، مأمون رحمة، في إحدى خطبه عام 2015: “نحن نتشرّف بالغبار على حذاء جندي الجيش العربي السوري، ومن أُصيبت عيناه بالرمد فليضع على عينيه ذاك الغبار”(2).

السؤال لماذا بالذات الحذاء دون غيره من لباس الجندي؟ لماذا مثلًا لا تكون الخوذة هي الشعار والرمز؟ خاصة أن موضع الحذاء هو بالقدم وموضع الخوذة هو في الرأس، الحقيقة أن ذلك يحتاج إلى دراسة نفسية، هي ليست من اختصاصنا، لكن يمكن القول إن إبرازهم لهذا الرمز ومحاولتهم تقديسه، ربما يعبر عن مستوى الانحطاط والعبودية وعدم التفكير الذي تعوّدوا عليه خلال حكم آل الأسد وعصابته.

من المؤكد أن مواقف هؤلاء قد تبدو عادية، لكن الذي حزّ في نفسي وجعلني أقف مشدوهًا هو موقف أحد رفاق الأمس، الذي تقاسمت معه مرارة السجن في عهد المقبور حافظ الأسد، هذا الرفيق الذي آثر الصمت خلال كل هذه السنوات، وعندما نطق راح يتغنّى بحذاء الجندي العربي السوري طالبًا من الجميع تمجيد ما فعله هذا الحذاء ضد العصابات المتطرفة، وهو بذلك يضع نفسه وتاريخه مع الجوقة التي تقول: “إن من ينقصه الشرف عليه أن يمسح جبينه بغبار البوط العسكري المقدس”. الحقيقة أنني حزين على هذا الرفيق وأمثاله، وكنت أتمنى لو أنه حافظ على صمته وسمعته وتاريخه.

لا شك أن كل من يريد أن يرى، سيجد أن الصراع في سورية أساسه وجوهره هو صراع بين عصابة حاكمة بالحديد والنار وحلفائها من جهة، وبين الشعب السوري وانتفاضته التي أذهلت العالم من جهة أخرى، مع إدراكنا أن الثورة السورية انحرفت عن مسارها الذي قامت من أجله، وسُرِقت من قبل أمراء الحرب الذين هم، بشكل أو بآخر، الوجه الآخر للنظام، لكنني أعتقد أن التغنّي بالحذاء العسكري هو مسألة أخلاقية قبل أن تكون سياسية خاصة، والجميع يدرك ما فعله حذاء النظام السوري وميليشياته وجيشه من جرائم ومجازر وتعفيش على طول البلاد وعرضها.

 

(1) – https:llwww.youtube.c0mlwath?v6kho-YNNuA

(2) – shahed-ayan.comlarlnewslshowl685