متى نتصارح؟

يكثر الحديث، في هذه الأيام، عن قبول الآخر المختلف رأيًا ومفاهيمًا ومرجعيات وولاء وانتماء، وذلك في إطار عملية إعادة بناء الثقة وصنع السلام، بين مختلف المكونات التي ساهمت سنواتٌ طويلةٌ من مآسي المقتلة السورية في تعميق الهوة بينها. وإلى جانب النيات المحلية الصادقة، ولكن غير المقتدرة ماليًا، تتضافر جهود المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، المتمكّنة ماديًا، على تشجيع اللقاءات غير الرسمية بين السوريات والسوريين، آخذين بالاعتبار معايير دقيقة، إلى حد المبالغة والاصطناع، للتنوع الجندري والإثني والديني والطائفي.

جهودٌ ضرورية، إن رغب فعلًا جميع السوريين يومًا في السعي إلى بناء غدٍ مشتركٍ مختلفٍ واضح المعالم والقواعد، قادر على طيّ صفحة الماضي القريب. وبالتالي؛ فعلى هذه الجهود أن تتعمّق وتبحث عن التجذّر في الممارسات السياسية والاجتماعية والثقافية لمجتمع (مجتمعات) وصلت الانقسامات فيه -عموديًا وأفقيًا- إلى درجة جعلته “متفسخًا” وعديم الترابط. وصار العداء الظاهر أو الباطن منتشيًا برسوخه، وصار المقت المشترك محورًا للمزايدات والإضافات، وصار التخوين والتكفير ومنح الشهادات بالإيمان وبالوطنية وبالإنسانية، فعلًا مباحًا لمن أراد اليه سبيلًا.

لم يعد من المفيد كثيرًا، والموت والتدمير يجريان على هذا المستوى “المتقدم والمتطور”، أن نعود في تحليلاتنا وفي استنتاجاتنا كثيرًا إلى مسؤولية النظام السياسي القائم أو الأنظمة السياسية التي تعاقبت على البلد وعاقبته شعبًا وتراثًا واقتصادًا وثقافةً واقتصادًا. كما أن استمرار الحديث والتمحيص عن، وفي التصحّر السياسي وانعدام الثقافة السياسية وافتقاد الانتماء الوطني على حساب التقوقع الطائفي والمذهبي والقبلي والمناطقي والديني والإثني، لن يفيد إلا في توثيق حالة قائمة، صار من السذاجة أن نغفل عن أسبابها وجذورها ومحرضاتها.

لم يعد نافعًا استرجاع “مآثرنا” -الحقيقية نادرًا والكاذبة غالبًا- في التعايش والمحبة المشتركة والوئام الذي يظن بعضنا أنه كان سائدًا يومًا في أيامنا القريبة الماضية، منذ بدء تشكل الكيان السياسي دون أي عقد اجتماعي واضح المعالم أو تحديد مفاهيمي للانتماء المواطني. رعايا كنا -ولم نزل- لكيانات وهمية وحدود حقيقية، وضعتها لنا قوى متعددة ومتشابكة غير محصورة بالاستعمار الموسوم “ظلمًا وبهتانًا”، بكل موبقات حيواتنا القائمة. فنحن، ومن قام علينا سياسيًا ودينيًا وتقليديًا، مسؤولون أساسًا عمّا آلت اليه أحوالنا الدافعة إلى الخيبة. إذًا، أن نجلس لنُكرر “الكذب” الإيجابي، متحدثين عن جارنا العزيز ذي الدين المختلف، أو عن شريكنا الغالي المنتمي إلى إثنية مختلفة، أو عن صديق مدرستنا الوفي من مذهب مختلف، فهذا لن يصل بنا إلا إلى جدار وهمٍ متجدد، ما فتئنا نختبئ وراءه لنبتعد عن مساءلة حقيقة علاقاتنا المشوبة بالشك وبالحذر وبالضغينة على نسب متفاوتة، منذ عقود وعقود، وربما قرون.

فكم منا مَن يسرد الحكايات عن جاره المختلف، وعن مدى صداقتهم وعمق أواصر الصحبة فيما بينهم. وكم منا من يستعرض أقاصيص عن رفيق دراسته المختلف في الدين وعن أنه لم يكن يعرف هذا الاختلاف، ولم يكن يميز بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. وكم منا من لم “يخترع” حكاية خيالية عن بكاء شيخه على وفاة مطران الآخر والعكس بالعكس. وكم منا من لم يختزل التاريخ المعاصر بسردية فارس الخوري الذي كان أقرب إلى المسلمين من رجال مساجدهم، على الرغم من أنه مسيحي، كما كانوا -وما زالوا- يسردون.

أقاصيص فردية وحكايات ألف ليلة وليلة لا تبني وطنًا للجميع؛ فالتمييز مترسّخ في حنايانا الاجتماعية والثقافية وحتى اللغوية. إن قراءة متأنية لتاريخ العلاقات غير السليمة منذ قرون سيُبعدنا عن الخيال الروائي في اجتراع الأقاصيص الفردية وجعلها مرجعية لتاريخ لم نعرفه.

إن أردنا ألّا نبتعد كثيرًا في التاريخ، فلنتوقف عند مجازر 1860، ونتابع لنرى بأن التصنيفات المذهبية والدينية والعرقية عرفناها بشكل مبكرٍ جدًا. وبأن شيخًا دمشقيًا مرجعيًا ووسطيًا ومعتدلًا قد قال وكتب: “إن أبعد رجل مسلم في إندونيسيا أقرب إلى من فارس الخوري”. وبأننا كنا نفصل في الصفوف بين مسلم ومسيحي لدروس الديانة، وكان من بقي من اليهود يرتاحون في الباحات. فادّعاء بعضنا، بأننا لم نكن نعرف مَن هو المسلم من المسيحي في المدرسة، ادعاءٌ كاذب، ولا يمكن أن يكون قابلًا للاستهلاك البشري. وكم منا مَن لا يؤمن بأكذوبة مخابرات قيصر روسيا “بروتوكولات حكماء صهيون”؟ وقصص ذبح اليهود للمسلمين والمسيحيين ليصنعوا من دماءهم فطيرًا؟ كم منا مَن يقبل أن تتزوج ابنته أو ابنه، شقيقته أو شقيقه، من صاحب أو صاحبة دين مختلف؟ أو حتى مذهب مختلف؟

ما سبق قوله ليس مجرد لوحة سوداء ترمى في وجه الحذلقة المنحرفة عن الواقع، إنما هو في الأساس دعوةٌ إلى المصارحة وطرح الأمور على طاولة الحوار؛ فالحوار المبني على الكذب لا يجدي نفعًا ولا يبني وطنًا للجميع. والعلاج الصحيح يقتضي تشخيصًا صحيحًا، تليه مصارحةٌ هادئة، بعيدًا عن المظلوميات المنغلقة والمتشنجة.