عن الديمقراطية والقوى الحاملة لها

مما لا شك فيه، أنّ موجة “التحول الديمقراطي” التي كان من المفترض أن تؤتي ثمارها، في العالم العربي، قد أصبحت في مكان آخر تمامًا، مكان أبعد ما يكون، ليس عن التحول فحسب، بل عن الديمقراطية نفسها، إذ يكفي أن نتأمل حال وواقع وأيديولوجيات وممارسات القوى والأحزاب والفصائل المهيمنة على الأرض عسكريًا، وعلى فضاء السياسة، لندرك في أي قاع نرقد اليوم، سوريًا وعربيًا.

إن محاولة الإجابة عن أسئلة من نوع: أين هي القوى في سورية أو ليبيا أو العراق أو لبنان أو اليمن اليوم؟ هل ثمة مشروع ديمقراطي حقيقي له حوامل اجتماعية على الأرض؟ تكفي لتفضح وتعرّي المآل الذي نرقد فيه اليوم، بما يكشف لنا إشكالية ومفارقة كبرى، فإذا كانت الثورات التي اندلعت في “ربيع العرب” أعلنت عن الديمقرطية كشعار وهدف لها، فأين هي هذه القوى اليوم؟ ولمَ تبدو الساحة خالية منهم، فيما الإسلام السياسي، بكامل أنواعه وأشكاله، يتسوّد المشهد ويتقاسمه مع الاستبداد وعناصر الثورات المضادة؟

حين انهار الاتحاد السوفياتي؛ انهارت معه منظومة القيم والأيديولوجيات التي كان يمثلها في فضاء السياسة، إذ باتت مقولات من نوع: التحول نحو الاشتراكية، الثورة الاشتراكية، الديمقراطية الشعبية.. مفردات تنتمي إلى عصر مضى، فيما يسطع عصر جديد، بدأت مفرداته تتدفق: الديمقراطية الليبرالية، الانتخاب الحر، تداول السلطة، حرية الإعلام، المجتمع المدني.. هنا وجدت القوى السياسية (سلطة ومعارضة) نفسها أمام عصر وواقع جديد، فإمّا أن تدخل فيه وتستمر، وإما أن تخرج من العصر والتاريخ؛ فعملت مدفوعة بتلك التحولات على إجراء المراجعات لتتبنى الديمقراطية، كلّ منها على طريقته: الأنظمة المستبدة بدأت تتحدث عن “العرس الديمقراطي” والإصلاح ومحاربة الفساد وضرورة توطين الديمقراطية شرط أن تؤخذ الخصوصيات العربية بالحسبان، بينما أضافت المعارضات لفظة الديمقراطية إلى أسماء أحزابها وأيديولوجياتها المتكلسة. هكذا وجدنا الإخوان المسلمين في سورية يتحدثون عن الديمقراطية، وأيضًا وجدنا كافة القوى المعارضة العلمانية والقومية واليسارية تتبنى الديمقراطية، إنما على مستوى الشكل فحسب، إذ لم تتحول الديمقراطية -وهي ممارسة يومية داخل الحزب، وبين القمة والقاعدة- إلى أسلوب عمل وممارسة يومية؛ بل بقي “العقل القديم” يحكم مع تجميل الظاهر بمفردة الديمقراطية، لإحراج الأنظمة المستبدة ليس إلا. وهذا ما كشفته لنا سيرورة الثورات العربية، إذ حين “جد الجد” كما يقال، تكشفت الممارسات عن إقصاء و”استبداد ثوري” من جهة، وعن استعداد للذهاب نحو الأقصى في التحالف مع كيانات وفصائل لا تعادي الديمقراطية فحسب، بل تتبرأ منها وتكفّر كل من يقول بها.. هنا لم نكن أمام انتقال من موقع إلى موقع لهذه القوى التي تبنت الديمقراطية، بل هي أساسًا لم تكن ديمقراطية بأي شكل من الأشكال؛ الأمر الذي وضعنا في الربيع العربي أمام معادلة: ثورة ديمقراطية بلا قوى ديمقراطية.

ولأنّ تبني الديمقراطية هذا، لم يتلاءم مع أي ممارسات عملية لتوطينها شعبيًا، بمعنى أن يكون لدينا قوى وشرائح اجتماعية تؤمن بالديمقراطية وتمارسها بشكل يومي، بدءًا من الأسرة إلى المدرسة إلى التعليم والحياة العامة؛ فإنه يمكن القول إن القوى الاجتماعية التي قامت بالثورة وشاركت فيها، كانت تفتقد الكثير من الثقافة الديمقراطية، وهذا أمر طبيعي في ظل ظروف الاستبداد الذي عمل كليًّا على تقديم مظهر “حداثي علماني” (وما يزال)، فيما تعمل أجهزته الأمنية تفتيتًا وتخريبًا في النسيج الاجتماعي، عبر تفعيل الوعي الطائفي والديني والغرائزي والقومجي، لإبقاء هذا الوعي الدوني ورقة تفعلها حين تشاء، وهو ما فعلته مع بدء الثورات، فيما كانت القوى المعارضة محكومة بقدرتها على صعوبة العمل في ظل الاستبداد من جهة، وبوعيها التبسيطي والبراغماتي للديمقراطية الذي تحدثنا عنه أعلاه؛ الأمر الذي عنى أن الثقافة الديمقراطية التي سبق للمفكر الراحل جورج طرابيشي أن تحدث عنها، لم تكن موجودة أساسًا، وإن وجدت تكفل القمع السلطوي بإفنائها عبر القتل والتصفية المباشرة، فيما تكفل التخوين والتكفير وتشويه السمعة الذي قامت به قوى تقدّم نفسها باسم الديمقراطية بإسكات الباقي، الأمر الذي جعل الساحة فارغة؛ فامتلأت بأشباه الثوريين والإسلامويين والإرهابيين الذين قدموا من كل حدب وصوب.

الخطير اليوم، ليس غياب هذه القوى فحسب، بل العمل بشكل حثيث وواع على وأدها من الجذور عربيًا، إذ يعمل معسكر الثورة المضادة اليوم على الإمساك بناصية الأمور مجددًا، ففي مصر تتكفل آلة السيسي العمياء بقتل واعتقال ونفي كل صوت معارض، فيما آل الوضع التونسي إلى تقاسم هش بين النهضة وأبناء بورقيبة، فيما ارتد المخزن المغربي عن كل وعوده الإصلاحية، بالتوازي مع فجور وقح بات يطبع تصرفات هذه القوى التي ما كان لها أن تتصرف بتلك الطريقة لولا صمت وتواطؤ ومشاركة الغرب الذي بات يجعل من “محاربة الإرهاب” معيارًا للنظر إلى الجنوب، وليس الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هذا اليأس لا يعني أبدًا أن الدائرة مغلقة، إذ لم يغلق التاريخ يومًا ولن يغلق، فالاستبداد والظلم يولّد الثورات، وما نشهده اليوم، في الريف المغربي والأرياف التونسية، خير دليل على ذلك. ولكن الأكيد أيضًا، أنّ الثورات -مهما كانت مطالبها محقة- لا تصل إلى أهدافها، ما لم تحملها قوى اجتماعية تمتلك الوعي الجديد، وبالتالي الممارسة الجديدة، لإيصال الثورة إلى برّ الأمان، أي إلى التحول الديمقراطي المفقود.