أكراد سورية.. الواقع والمآل

على وَقع الاصطفافات الإقليمية والدولية الحادّة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط عامّة، وسورية بشكلٍ خاصّ، يعيش الأكراد السوريون على مفترق طُرُق، في موقف مشابه لما حصل إبّان اتفاقية سايكس-بيكو، ومعاهدتي سيفر، ولوزان.

فما هو واضح اليوم أنّ خريطة نفوذ جديدة تتشكّل في المنطقة، يقود دفّتيها كل من الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من جهة، والاتحاد الروسي وحلفائه من جهة أخرى.

“حركة المجتمع الديمقراطي” هي أحد أهم الكيانات الكُردية النشطة في سورية، وتضم تنظيمات عسكرية وأمنية ومجتمعية وسياسية، منها (حزب الاتحاد الديمقراطي) الذي يُعدّ الأكثر فاعلية في المشهد السياسي الكردي السوري.

تحالفت الحكومة السورية معها، في بداية الحرب السورية عام 2011 ، وسمحت لها بإنشاء قوة عسكرية وأمنية (متمثلة بـ “وحدات حماية الشعب” و”الأسايش”)، وتقاسمت معها النفوذ في المناطق ذات الغالبية الكردية، ما لبثت أنّ وسّعت “الحركة” من نطاق سيطرتها على مناطق السيطرة المشتركة بينهما، وأصبحت لديها، بعد معركة عين العرب “كوباني”، تحالفات مستقلة، وبالتحديد مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، تحالفٌ ما لبث أن تطوّر إلى اتخاذ “قوات سورية الديمقراطية” (تحالف يضم “وحدات حماية الشعب” وعدّة فصائل عسكرية أخرى) الحليف الرئيسي لقوات التحالف في معاركه ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، والذي حقّق انتصارات نوعية تمثّلت بالسيطرة على جغرافية واسعة، ضمن الشمال والشرق السوريين.

انتصارات أقضّت مضجع الحكومة التركية التي تتخوف من نشوء كيان كُردي على حدودها الجنوبية، يصبح منطلقًا للوصول إلى إقامة دولة كُردية في تركيا، خصوصًا أنّ “حركة المجتمع الديمقراطي” تعدّ امتدادًا لحزب العمال الكُردستاني الذي يخوض صراعًا مسلحًا مع الجيش التركيّ منذ عام 1984، وتعتقل السلطات التركية زعيمه عبد الله أوجلان، في جزيرة إيمرالي منذ عام 1999.

قصف الجيش التركي مواقع للقوات الكردية غير مرة، في عدد من المدن والبلدات الواقعة تحت سيطرتها، وكذلك قادت قوات (درع الفرات) للسيطرة على بعض المدن الواقعة بين “مقاطعتي” عين العرب (كوباني) وعفرين، في مسعى منها لمنع “وحدات حماية الشعب”، من ربط المقاطعتين، وإقامة “إقليم روج آفا”.

زاد من القلق التركي، تفضيل الولايات المتحدة للقوات الكردية على فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا في معركة الرقة الاستراتيجية، والتي تُعتبر عاصمة تنظيم “الدولة الإسلامية”، حيث طلب الرئيس التركي رجب طيب أروغان من نظيره الأميركي دونالد ترامب استبعاد القوات الكردية من المعركة، والاعتماد على فصائل سورية معارضة مدربة في تركيا، وقدّم له خطّة لاستعادة المدينة، لكن القرار الأميركي كان مُغايرًا لرغبة الحكومة التركية، وأعلنت أنّ حليفها الرئيس في استعادة المدينة هو “قوات سورية الديمقراطية”.

الحال كذلك بالنسبة إلى الحكومة السورية التي ترى أنّ “حليفها” الكُردي يقيم -شيئًا فشيئًا- كيانًا مستقلًا قد لا ينتهي طموحه إلا بالانفصال عن سورية، حيث بدأته بإعلان “الإدارة الذاتية”، مطلع عام 2014، ومرورًا بـ “الفدرالية” المزمع إعلانها خلال الفترة القريبة القادمة، ولا سيّما أنّ الولايات المتحدة الأميركية قد أقامت عدة قواعد عسكرية في مناطق سيطرة “الوحدات”، وهذا يتوافق مع تخوّف الحكومة السورية من مخطط تقسيمي لسورية تقوده الولايات المتحدة، ويكون الأكراد فيها رأس حربتها؛ ما زاد حدّة الخلافات بين الطرفين، وتجلّت في اشتباكات بين الجيش السوري و”وحدات حماية الشعب”، في مدينتي القامشلي والحسكة، استخدمت فيها الحكومة السورية سلاح الطيران لأول مرة، في إشارة إلى عمق الخلاف بينهما.

كذلك الأمر بالنسبة إلى “تحالف الضرورة” الذي حصل مؤخرًا، بين الحكومتين السورية والتركية، في مسعى مشترك –برعاية روسية إيرانية– لمنع قيام إقليم كردي على الشريط الحدودي بين البلدين.

ترافقت جملة التغييرات هذه مع استقطاب كردي–كردي في سورية، يقود طرفها الأول “حركة المجتمع الديمقراطي”، التي تُعدّ امتدادًا لحزب العمال الكُردستاني التركي في سورية، أما الطرف الآخر فيقوده المجلس الوطني الكردي في سورية (تحالف أُنشئ عام 2011 ويضم عدّة أحزاب كردية)، وبالتحديد الحزب الديمقراطي الكُردستاني – سورية، الذي يتلقى الدعم من سلطات إقليم كردستان العراق، وبالتحديد من رئيسه مسعود البارزاني.

وهذا “المجلس” هو جزء من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي يَعتبر “حركة المجتمع الديمقراطي” حليفًا للنظام السوري، ومُعاديًا للثورة السورية. ويتبنى “المجلس” قوة عسكرية تحت مسمى “بيشمركة روج آفا” درّبتها سلطات إقليم كُردستان العراق، وشاركت في معارك الموصل ضد “تنظيم الدولة”.

ربما يكون هناك تلازم في المسارين الكرديين في كلّ من سورية والعراق، حيث أعلنت حكومة إقليم كردستان العراق عن إجراء استفتاء حول استقلال الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي موسّع منذ العام 1991، وفي المقابل فإن الانفتاح الأميركي على أكراد سورية يأتي في السياق نفسه.

لكن، في الأزمات الكبرى تبقى لمفاوضات المراحل النهائية ظروفها وأحكامها، فإما أن نجد إقليميًا كرديًا برعاية أميركية، أو سيكون هناك “لوزان” أخرى.. بشروط أخرى.