ما تبقى لكم.. ما تبقى لنا؟

حين كتب غسان كنفاني روايته الثانية (ما تبقى لكم)، ونشرها، لم تكن هزيمة حزيران قد وقعت بعدُ، ولم تكن فلسطين التاريخية بأكملها، فلسطين الفلسطينيين، قد صارت محتلة. ليست الرواية هي ما تعنينا هنا بل عنوانها الذي كان أقرب إلى النبوءة، بالنسبة إلى ما ستصير إليه القضية الفلسطينية، بعد هزيمة حزيران. لكنه قد يصلح اليوم لا لرواية جديدة يمكن كتابتها حول قضايا أخرى لا تقل أسًى في العالم العربي، وقد تكتب على الأغلب، بل ربما، وبحذر شديد، لقول قضية باتت صنو القضية الفلسطينية بامتياز، أعني القضية السورية: ثورة وشعبًا وبلدًا محتلًا من قوى دولية وإقليمية، ومن ميليشيات مرتزقة عرب وغير عرب، ومن نظام مافيوي بات اليوم دمية تحركها أيدي الجميع.

مشهد القضية السورية، بعيون أهلها اليوم، يتجاوز معاني المآسي كلها أو يكاد: الحيرة أو الذهول، الحزن أو الغضب، قول التحليل أو التأويل. مشهدٌ يتجاوز بوصلة النظام الذي ظن أنه، بهذا الخراب، يمكن له أن يبقى ولو إلى حين. يتجاوز أيضًا بوصلة المعارضات كلها، على اختلاف حساسياتها ومطامحها وتطلعاتها وتفاهاتها ولامعناها أحيانًا، والتي ظنت أنها سترث نظامًا تكاد تكون نسخة طبق الأصل عنه شكلًا ومضمونًا، فكرًا وسلوكًا. يتجاوز أيضًا وأيضًا عالمًا لم تتح له الفرصة كي يفصِح عن استهتاره بقيمٍ، زعم وضعها والدفاع عنها (حقوق الإنسان، حق تقرير المصير، الحروب العادلة “!”.. إلخ)، مثلما أتاحتها له الثورة السورية التي تتلخص بهذه الكلمات: طموح شعب إلى استعادة كرامته وحريته؛ كلمات نسيها أو تجاهلها، كي لا نقول احتقرها، لا أزلام النظام الأسدي وتابعيهم فحسب، بل حتى بعضُ الذين قضوا سنيَّ حياتهم وهم يحاولون بث فكرة عن النهضة أو عن الحداثة أو عن الثورة، وكان أقل ما يمكن أن توصَفَ به محاولتهم أنها كانت بحثًا عن أفضل طريقة للثراء.

وباستثناء مَنْ خرجوا بصدورهم العارية يطالبون بما هو حقهم الأول والطبيعي، ومَنْ والاهم ودعمهم قلبًا وقالبًا، بالفعل أو بالكلمة أو بالقلب الوجل ولو كان أضعف الإيمان، مَنْ سُجِنَ منهم أو قُتل ظلمًا وعدوانًا أو هاجر، لا مجال لاستثناء أحدٍ من إثم الجرائم التي ارتكبت -وما تزال ترتكب- بحق السوريين، بحق تاريخهم، وبحقهم الطبيعي، أفرادًا كانوا أم جماعات، هيئات كانت أم مؤسسات أم دولًا.

ما يراه السوريون الثائرون اليوم أمام أعينهم يقتصر على سوأة الجميع بلا استثناء: بدءًا بإيران ومرتزقتها الذين أتت بهم من كل حدب وصوب، رافعين رايات الدفاع عن كل ما يظنونه قادرًا على استنفار المشاعر والخواطر: من قبور لم يمسّها ضرٌّ منذ أن دُفن أصحابها فيها، إلى فلسطين التي لم يمت منهم أحدٌ فيها وهو يدافع عنها، إلى نظام مافيوي عثر فيها على ضالته من أجل البقاء، وعثرت فيه على ضالتها، من أجل تحقيق بعض حلمها الإمبراطوري، الذي لم يغادر خيال قادتها ملوكًا لم يقبلوا في تاريخهم أن يكونوا إلا ملوك الملوك، ورجال دين من بعدهم لم يقبلوا أن يكونوا أقل من آيات الله! ومرورًا بالأنظمة العربية التي لا تني تعبر صراخًا عن دفاعها عن “وحدة الأراضي السورية” و”الحفاظ على الدولة ومؤسساتها”، وليس انتهاء بروسيا، بجنودها وطياريها وأخيرًا مرتزقتها، في تواطؤ، كان واضحًا منذ البداية، مع الولايات المتحدة الأمريكية يعلو على كل ما بينهما من خلافات، كي تحتل سورية سماءً وأرضًا، وتستقر عشرات السنين في منطقة كانت تتطلع إلى التواجد فيها منذ أكثر من قرنيْن، أي منذ بداية ما عرف بالمسألة الشرقية.

غيوم سوداء، إذن، في كل مكان من سورية ومن حولها. تلك حقيقة أمام العيون جميعها. وعجز، أو ما يشبه العجز، يقبض نفوس السوريين وحناجرهم. وتلك حقيقة أخرى نراها مُجَسَّدة في ملامح وجوههم أينما كانوا. ولكن، هل يؤلف هذا كله حجة دامغة كي يذهب بعضٌ من السوريين وغير السوريين إلى القول إن الثورة قد “هزمت”؟ وما معنى مسارعتهم إلى المبادرة إلى نشر أقوالهم في مقالات هنا وهناك، وكأننا أمام إعلان نتيجة حرب نظامية، قوامها جيشان نظاميان، ولا بد في الحرب الدائرة بينهما من انتصار أحدهما وهزيمة الآخر، أو كأن هناك -كما كتب صديق- أمرَ مهمةٍ صدر عن جهة ما، بضرورة إعلان “هزيمة الثورة”، ثم القول، ضمن هذا المعنى وبضرب من التشفي السريع هو الآخر: هذا “ما تبقى لكم”؟

لو أنهم فكروا مليًا قبل أن يعلنوا ويصرخوا. “ما تبقى لنا”؟

لا شكّ أن الجهل يعبر عن نفسه عادة تحت عناوين مختلفة. منها هذا الإعلان الساذج عن “الهزيمة”. ومنها أيضًا، من أجل الوصول إلى النتيجة ذاتها، استخدام بعض هذه المفاهيم أو الأسماء بوصفها مترادفات كالثورة والمعارضة، أو السياسة والنضال، أو الدولة والنظام، أو الجيش والميليشيا. لكن ما كان خلال السنوات الست من عمر الثورة أسوأ من الجهل هو سوء النية، حين وضعت الثورة مثلًا، كلمة أو مفهومًا أو فعلًا، مترادفة مع (داعش) أو (القاعدة)، أو مع كل ما يمت بصلة إلى هذه أو تلك. تلك كانت الوسيلة المثلى، لكل من وقف ضد ثورة السوريين في محاولة “تسفيهها” والحطّ منها، لا من أزلام نظام الاستبداد الأسدي فحسب، بل من معظم المنتمين إلى اليسار، على اختلاف جنسياته في العالم العربي، ومن يلوذ به من الحركات السياسية، قومية أو اشتراكية أو شيوعية.

على أنه لا يمكن لهذا الاستنتاج السريع لوجود “الهزيمة”، أيًا كان مصدره أو دافعه، يجهل عن سذاجة، أو يتجاهل عن خبث، أبعاد ودلالات ما يجري في سورية وفي ما حولها. ذلك أن المشهد السوري داخليًا وخارجيًا، على ما يوحي به من تشاؤم، يبقى مآلُه رهنَ العمل السياسي الذي صار بين أيدي القوتين العظميين أولًا وأساسًا، بما في ذلك تأثير القوى الإقليمية الذي يبدو، على حضوره، في تراجع بطيء لكنه مستمر. لا يعني ذلك أن هوامش الحركة أمام السوريين، خارج هؤلاء وأولئك، قد تلاشت، بل إنها لا تزال قائمة. وهي هوامش الحركة ذاتها التي تفرضها طبيعة العملية الكبرى الجارية في المنطقة العربية، منذ بداية القرن الحالي، والتي يمكن بحق أن تعدّ نسخة أخرى من المسألة الشرقية القديمة، بعد تغير القوى الفاعلة دوليًا وإقليميًا. فما أطلق عليه الفوضى الخلاقة، أو إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ليس إلا بعض عناوين ما يجري في مشرق العالم العربي. لكن ذلك يتطلب طرقًا أخرى في التفكير وفي العمل، عنوانها الوحيد هو الوطنية الحقة، كتلك التي وسمت شباب سورية في ثورته من أجل الكرامة والحرية.

ما تبقى لنا؟

نعلمه. إذ أنه لا يزال قائمًا، كما كان في بداية الثورة، تمامًا: الاستمرار.