في نقد عسكرة الثورة السورية

مع أن المعارضة السورية أخفقت في مختلف تجاربها، ما تجلى في الفجوة بينها وبين شعبها، وفي تعثر قدرتها على بناء كيان سياسي جامع يعبر عن السوريين، وينظم طاقاتهم، ويقود كفاحهم، إلا أن إخفاقها في المجال العسكري كان الأكثر خطورة والأعظم أثرًا.

المشكلة أن الإخفاق في الخيار العسكري لم يقتصر على التراجعات، بل تعدّاها إلى الكوارث الحاصلة التي لم تبدأ من حلب (أواخر 2016)، وإنما قبل ذلك بكثير، من سقوط الرقة بيد (داعش) 2014، وسقوط مناطق القصير، والزبداني، وداريا، ودرعا، وحلب، بيد (حزب الله) أو النظام، و”جبهة النصرة” على إدلب.

المعنى هنا أن المعارضة العسكرية، أولًا، ليس فقط لم تنجح في الاستراتيجية العسكرية التي انتهجتها (السيطرة على مناطق والتمترس فيها)، في صراعها مع النظام، الذي حول ما يُسمّى “المناطق المحررة” إلى مناطق محاصرة، بل إلى حقل رماية لصواريخه وبراميله المتفجرة، فضلًا عن تشريده معظم سكانها. ثانيًا، لم تنجح جماعات المعارضة العسكرية في إدارة المناطق التي سيطرت عليها، بل إن أغلبها أو أقواها قدم نموذجًا متخلفًا وبائسًا، أفاد النظام، وأضر بالسوريين وبثورتهم، وفوق هذا وذاك، فإن أغلبية جماعات المعارضة المسلحة حاولت فرض ذاتها على السوريين بمحاولتها التغطي بالإسلام، وفرض تصوراتها عنه؛ ما أضر بصورة الإسلام والمسلمين، أيضًا.

بيد أن الأمور لم تقف عند هذا الحد، إذ إن معظم هذه الجماعات بدت، في مواقفها السياسية، وفي تحركاتها الميدانية، رهينة الإملاءات الخارجية، كأنها تقوم بأدوار وظيفية، لا أكثر، والأخطر من ذلك أن هذه الجماعات دخلت في سلسلة متوالية من الصراعات البينية التي استنزفتها وأضعفت صدقيتها وصدقية الادعاءات التي تتغطى بها، فضلًا عن الأثمان الباهظة التي تم دفعها في هذه المعارك الجانبية.

على ذلك؛ فإن مشكلة هذه الجماعات لا تنبثق من ضعف الدعم الخارجي، التسليحي، إذ إن دعمًا عسكريًا لا محدودًا ربما خلق سلسلة كارثية من الصراعات المحلية، البينية، التي لا يمكن التحكم بها. كذلك فإن المشكلة لا تكمن فقط بضعف موازين القوى بينها وبين النظام وحلفائه، إذ إن هذه المسألة جرى حلها في عدد من التجارب، عبر الاقتصاد بالقوى والتحكم بإدارة الموارد وخوض صراعات وفق استراتيجية معينة، أي استراتيجية الضعيف التي تتأسس على استنزاف الخصم الأقوى، بشكل تدريجي، وليس بالضربة القاضية، وضعضعة نقاط ضعفه، أو ارتكازه، والاحتيال على نقاط قوته.

لذا، مع الأخذ بالحسبان ضعف التسليح وتفوق النظام في موازين القوى، فإن مشكلة معظم جماعات المعارضة العسكرية تكمن فيها، أي في عقليتها الضيقة وخياراتها المزاجية وارتهاناتها الخارجية، وادعاءاتها الأيديولوجية، فهذا كله هو الذي أدى إلى تزعزع مكانة هذه الجماعات في مجتمع السوريين، وتخبط إداراتها لأوضاعها، وترهل بناها، واستنزافها لقدراتها.

بالتأكيد، كان للولايات المتحدة والدول الإقليمية والعربية، دورٌ كبيرٌ في إضعاف النفوذ العسكري للمعارضة السورية، لكن ذلك حصل أساسًا، ليس بسبب ضعف الإمداد، أو منع التزويد بقاذفات مضادة للطيران، وإنما حصل بالسكوت عن اجتياز النظام للخطوط الحمر، في قتله شعبه وتدمير مقدراته، ليس بالقصف بالكيماوي فقط، وإنما بالقصف بالصواريخ الفراغية والارتجاجية ومدفعية الدبابات والبراميل المتفجرة، وبانعدام المبالاة إزاء تشريد ملايين السوريين. وحصل ذلك، أيضًا، بسبب سكوت الولايات المتحدة، ورضاها، عن التدخل الإيراني وبعده الروسي في الصراع السوري.

إن ضعف النفوذ العسكري للمعارضة تأتّى منها ذاتها، من طبيعة بناها، وتخبط خياراتها العسكرية، وتخلف إدارتها، واقتتالاتها الجانبية، وضعف ثقة الشعب بها. أيضًا، ساهم في ذلك ظهور هذه الجماعات كمن يتغطى بالدين لتبرير ذاته، وفرض وصايته على المجتمع، ما سهل وصمها بالإرهاب والتطرف، والتطييف، والارتهان للخارج، ولا سيّما أن هذه الجماعات لم تميز نفسها عن النصرة، ولم تقطع معها، إلا مؤخرًا، وبعد أن جرت مياه كثيرة في النهر.

هكذا، سقطت القصير والزبداني وكثير من مناطق القلمون والغوطة ودرعا وإدلب وحلب، بسبب اقتتال الجماعات العسكرية فيما بينها، وهذا الأمر ما زال قائمًا، على الرغم من كل المآسي والأهوال التي خبرها السوريون، وعلى الرغم من كل التراجعات التي منيت بها ثورتهم، على الصعيدين السياسي والعسكري، حيث ثمة إسلاميون يقتلون إسلاميين، فيما كلهم يتحدثون باسم “أخوة المنهج”، ويرفعون راية واحدة. إضافة إلى ذلك، فمنذ البداية حتى اليوم ما زلنا نسمع عن قيام تكتلات واندماجات بين الجماعات العسكرية، في سلسلة لا تنتهي، في حين تزداد هذه الجماعات تفككًا وتشرذمًا.

هذه ليست دعوة للتنظير، ولا للعتب، أو إلقاء المسؤولية على اليمين والشمال، وإنما هي قراءة لتجربة الثورة السورية، في بعدها العسكري، وبالشكل الذي حصلت فيه، وبعد كل هذه الأعوام والأثمان. كان الله في عون السوريين.