العرب: صراعات الداخل لحساب الخارج

مما لا شك فيه أنّ المنطقة العربية مرَّت عبر تاريخها الطويل -وخاصة في العقود الأخيرة التي تلت رفع نير الاحتلال عن أراضيها، وجعله زمام الأمور في معظم الدول الحاصلة على حريتها واستقلالها وقتئذ في يد شرذمة منتفعة كانت خادمة للمحتل وقريبةً من مراكز القرار لقوى الانتداب- بنكسات ونكبات وأزمات وتفرُّق وتشرذم وتبعثر في الآراء والسياسات والمواقف والأيديولوجيات؛ الأمر الذي انعكس على طبيعة الصراعات وشكل الخلافات العربية البينيّة بين الدول الناشئة حديثًا، واستمرت حالة الخلاف (العربي – العربي) تتسع شيئًا فشيئًا، مع تبلور مصالح الأنظمة القائمة وتبعيَّتِها للدُّول الكبرى التي ارتبط وجودُ هذه الزُّمرة الحاكمةِ بهم، ومع تصارع هذه الدول المسيطرة على مفاتيح القرار العالمي، كان من الطبيعي جِدًّا أن تختلف، تبعًا لذلك، مصالحُ الأنظمة التابعة لها؛ فكانت ترضى برضاها وتسخط بسخطها، وتتقارب بأوامرها وتتنافر بإيحاءات منها بذلك، حتى غدت هذه الدُّمى القائمةُ في موقع القرار العربي كأحجار الشطرنج التي تحركها القوى الكبرى، وفق إرادتها وطبق رغباتها، وأصبح المواطن العربيُّ الذي لا يملك حولًا ولا قوَّة يَئِنُّ من حال قادتِهِ الذين ما زالوا ينتقلون به من ذلّ إلى ذلّ، ومن انكسار إلى انكسار، ومن هزيمة إلى أخرى.

ما زال الوطن العربيُّ ذو الجرحِ النَّازف، منذ نشأة دُولِهِ الحديثة، يُعاني هذه التبعية المقيتة التي أدخلته في صراعات، وأوقعته في خلافات، ووضعته في أتون حروب لا تُبقي ولا تَذر، فقضت بذلك على البقية الباقية من حالة التماسك والتضامن والتوحّد المنشود جيلًا بعد جيل بفعل توافر عوامل الوحدة العقدية والفكرية واللغوية والتاريخية والجغرافية المتوافرة في هذه الأمة المتشرذمة أكثر من غيرها من الأمم التي ما انفكت تزداد تماسكًا وتوحُّدًا وتضامنًا.

استمرت الخلافات العربية البينيَّة تتسع، وهُوّة الخلاف تزداد إلى أن كانت  قاصمة الظَّهر الكسير أصلًا والتي تمثّلت بالعدوان الذي شنّه النّظام البعثي القائم في العراق على أرض دولة الكويت الجارة والشقيقة؛ الأمر الذي استدعى استكمالًا لسيناريوهات التآمر أن تَعْقِدَ الجامعة العربية، في 15 آب/ أغسطس 1990، اجتماعًا طارئًا على مستوى الزعماء والملوك والقادة لبحث مُستجدات الأوضاع والسّبل الكفيلة لِرَدّ عدوان الجار على جاره والشقيق على شقيقه، وذلك من خلال تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، هذه المعاهدة التي كانت، منذ إقرارها في 13 نيسان/ أبريل 1950، حبيسة الأدراج لا تسمع لها حسًّا ولا همسًا، حتى إن كثيرًا من المثقّفين العرب -فضلًا عن بقية الجمهور العربي- لا يعرفون عن هذه المعاهدة شيئًا؛ بل بعضهم جاهل بوجود مثل هذه المعاهدة أصلًا؛ لكن متطلبات التبعية لهذه الأنظمة العربية الخائنة تستلزم منها أن تبحث في أدراج ما يُسمّى بالجامعة العربية عن أي بند أو اتفاقية أو معاهدة تسوغ لها الوقوف مع المتبوع الأجنبي الذي ما إن لَمّح بالحل العسكري حتى هبّ الأشقاء يتدافعون إرضاء له على أبوب الجامعة العربية، ليبحثوا في المعاهدات والقرارات الميتة، لِيَبثُّوا فيها الروح من جديد؛ وبذلك يكونوا قد أرضوا سيدهم الغربي مع إيجادهم مبررًا لهذا الموقف الجبان، من خلال تفعيل مثل هذه الاتفاقية التي أكل عليها الدهر وشرب، علمًا أنه مر على هذه الاتفاقية عقود تعرض فيها العرب لحروب نتج عنها اقتطاع أجزاء من أراضيهم ومقدساتهم غير أنهم لم يجرؤوا على تفعيل هذه المعاهدة، وكأنها -للأسف- ما أُقرّت إلا لتكون بابًا لتبرير وقوف الإخوة ضد بعضهم البعض مع قاتلهم ومحتلّهم.

ما زالت آثار هذه الانتكاسة الخطيرة التي مرت بها أمتنا العربية تتفاعل وتزداد حتى غدا عالمنا العربي اليوم منقسمًا انقسامًا حادًا، لا على مستوى الدول والحكومات فحسب، بل امتدت حِدّة الخلافات إلى المجتمعات والجماعات والأُسر والأفراد، وبذلك غدت أمتنا العربية -كما لم تعرفه من قبل- منقسمة انقسامًا بلغ حدّ أن يُبرر للبعض التآمر مع العدو التاريخي ضد أهله وذويه، وأن يُفعّل الإخوة سلاح المقاطعة السياسية والاقتصادية، والاجتماعية أيضًا، ليس في وجه المحتل والغاصب، بل في وجه الشقيق والجار الذي تجمعه معه وشائج الدم والعرض واللغة والأرض، وبذلك بلغت أمتنا انحدارًا أخلاقيًا خطيرًا، فضلًا عن الأزمات السياسية والاقتصادية والفكرية التي تُعاني منها أصلًا.

لن يكون قولي رجمًا بالغيب إن قلت: إننا متَّجهون -بخطوات سريعة- نحو الهاوية على كافة الأصعدة، وفي كل المجالات، إن بقي الحال على ما هو عليه؛ وبالتالي نحن على أبواب تمزقات أكبر وأكثر حِدَّة ستضرب أمواجها العاتية المجتمع الواحد لتجعله أجزاء مبعثرة ومتناحرة ومتصارعة، وسيكون ذلك طلبًا مُلِحًّا من النّخب الفكرية والسياسية القائمة في هذه المجتمعات، ظنًا منها أن ذلك سيكون طوق النّجاة لها ولمجتمعاتها.

وإذا كنا قد تكلمنا قديمًا عن (سايكس-بيكو) قسَّمت الأمة إلى دول، ونحن اليوم نتحدث عن (سايكس-بيكو) جديدة تقسم الدول إلى دويلات، فغدًا -بلا أدنى ريب- سنكون أمام فاجعة تقسيم المجتمع الواحد إلى جماعات وقبائل وطوائف؛ وبذلك نكون قد عُدْنَا كما كنا منذ آلاف السنين، مجموعات متغالبة ومتناحرة يغزو بعضنا بعضًا، ويستبيح بعضنا دم بعض، وسيغدو العدو صديقًا والأخ عدوًا في ظلّ الفوضى الفكرية والأيديولوجية التي نعيشها ونعانيها، وسنكون جميعًا قرابين على مذابح التفرّق والتشرذم الذي صنعناه بأيدينا لا بيد غيرنا، متناسين المثل العربي القائل: “يَدُكَ منكَ ولو كانت شلَّاء”.