الثورة والهوية وميلاد اللحظة الفلسفية العربية المعاصرة

يقوم هذا النص على مقاربة نظرية تراكبية ترى أن التخارج الثوري، في عصر الربيع العربي، ينطوي على ما هو أبعد من المخاض التحولي السياسي البحت، ليشتمل ذلك على تباشير عودة العرب إلى الفلسفة، أو عودة الفلسفة لتحضر في الوعي الوجودي العربي الفاعل، وهي القضية التي يترتب عليها، من ضمن ما يترتب، إعادة تشييد منظومة رؤيوية جديدة تتعلق بمفهوم الهوية العربية في ضوء الأسئلة الكيانية التي نجمتْ عن المستويات الثورية الوقائعية الجديدة ذات الجذور القديمة كما تبين المحاور الآتية:

أولًا: السؤال الفلسفي الأصيل في مواجهة التهافت المعرفي في فهم الثورة:

من المقولات الشائعة في ثقافتنا الشفوية، والحاملة دلالات بالغة النكوص والتقليدية، المقولتان الآتيتان:

1 – (شو عم تنظر علينا/ أو حاجي تنظر).

2 – (شو عم تتفلسف علينا/ أو حاجي تتفلسف).

تدل هاتان المقولتان على أمرين متجذرين في الوعي العربي والثقافة العربية، منذ لحظة انتصار الفكر اللاهوتي المحافظ (فكر الفقهاء الكلاسيكيين) على الفكر الفلسفي تاريخيًا، وبدء نهضة الغرب، وانحدار الحضارة العربية الإسلامية، وهذان الأمران هما:

1 – النظرة الشعبية السائدة والقائلة بسوء التنظير أو التفلسف، مع أن المنظرين والمتفلسفين هم حماة التقدم المعرفي في المجتمعات والعالم، في حين أن المنظر أو الفيلسوف مرفوض عربيًا لأنه يخلخل السائد ويهدد أيديولوجيا السلطات الدينية والسياسية القائمة، وهو ما تشربه الوعي واللاوعي الجمعي، وكانت هذه النظرة الموجودة بقوة حتى الآن وبالًا على العرب والمسلمين.

2 – النظرة الشعبية السطحية إلى فكرة أن الثقافة والكتب هي مفاهيم تجريدية موجودة على رفوف المكتبات، وفي دماغ المنظر أو المتفلسف أو المثقف بوجهٍ عام، ومعزولة عن الواقع والحياة، في حين أن المثقف الحقيقي هو الذي يرتبط عنده العمق النظري بالمستوى الوقائعي المعيش، ولو بطريقة متراكبة وغير مباشرة، وللأسف انتقلتْ هذه النظرة إلى سلوكيات نسبة كبيرة ممن يوصفون بـ “المثقفين”، عبر الفصام بين مخزونهم الثقافي والمعرفي وسلوكهم الوقائعي المناقض لمفاهيمهم المكتوبة في أدبياتهم، وهو ما رسخ فكرة الانفصال بين الكتاب والواقع بوجهٍ عام، وبين التنظير والتفلسف والفعل الوقائعي بوجهٍ خاص.

ولذلك فلن نتقدم إلا بإعادة الاعتبار للمنظرين والمتفلسفين، ووضعهم في موقعهم المرموق فكريًا وثقافيًا، ليواجهوا عملانيًا المعضلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الدينية بطبيعة الحال.

وفي هذا المنحى، انكشفتْ الإشكالية السابقة انكشافًا فاضحًا، في ظل ثورات الربيع العربي، وظهر الطلاق بيّنًا بين الفكر الفلسفي والفهم الثوري في مناحي ومحطات كثيرة، وهو الأمر الذي لم يطفُ فقط عند مؤيدي الأنظمة أو رافضي الثورات؛ إنما طفا إلى حد كبير عند مؤيدي الثورات أنفسهم، في ضوء قراءات سطحية مباشرة تفتقد للتأصيل الفلسفي، فضلًا عن الموقف التهافتي العدائي المضمر للثورة، لدى من يدعون الحيادية من الرماديين، وهم الذين تمرّسوا في المراوغة وتحميل الثورة فوق ما تحتمل، كأن المطلوب منها تصحيح كامل مسار التاريخ، أو حل جميع القضايا الفكرية والاجتماعية والدينية العالقة والمتراكمة سوريًا وعربيًا، في حين أن الثورة، في أقصى حدودها الجذرية، هي ركلة عنيفة تحطم باب السجن الذي استغلق لعقود، واستعصى طويلًا عن الانفتاح، ليأتي البناء عبرها عموديًا (بالمعنى الحركي الانقلابي أولًا) وفيما بعد أفقيًّا، وعلى مراحل صيروراتية طويلة.

لم تحظَ الثورات عبر التاريخ بتأييد الأكثرية السكانية، وفي معظم الحالات كان يفضل معظم الناس التمرغ بالقذارة القائمة مخافة التغيير المجهول، فمثالًا على ذلك تقدر بعض الدراسات نسبة المشاركين في الثورة الفرنسية بين 2 و3% فقط من الفرنسيين، في حين يحتفل الآن كامل الشعب الفرنسي بذكرى هذه الثورة، من دون أنْ يعرف أحد مَن مِن أسلافه وقف معها، ومن وقف ضدها، ومن يراجع التاريخ يكتشف وقوف معظم دول الغرب ضد الثورة الفرنسية، ويكتشف أن عمر (المؤامرات) من عمر السياسة والمدن والدول.

إن عجز الوعي المركزي الجوهراني العربي عن الإحاطة بالحدث الثوري وتفكيكه وفهم امتداداته -سواء أكان ذلك عند معظم المؤيدين للثورة أم عند المناهضين لها- يؤكد الحاجة (التأويلية/ الاختلافية) إلى بسط الوعي الوجودي (الفلسفي) المقارب لها برؤية كلية نافذة تواكب معرفيًا حلم الحرية والتغيير حتى النهاية، وتواجه بصلابة الرؤى المبتسرة في تفسير الثورة، وترتق (فلسفيًا) الإشكالات المفهومية المربكة لما تنطوي عليه الثورة، من تناقضاتٍ وانكساراتٍ مرحلية، من السذاجة النظر إليها بوصفها نهاية المطاف.

ثانيًا: الثورة والفلسفة والمرجعيات الوقائعية:

لعل مسألة عدم القدرة على مواكبة تحولات الثورات وانعطافاتها الحادة المخيفة، والعجز عن فهم تداعياتها المباغتة والمفاجئة في معظم الأحيان، هي من المشكلات البنيوية الراسخة (الحديثة/ ذات الأصول القديمة) في الهوية العربية وثقافتها، والتي ظهرتْ بجلاء في ثورات الربيع العربي عبر تأطير الثورة وأحداثها في قوقعة مركزية طهرانية مسبقة وغير وقائعية، فإذا كنا جميعًا ننتظر انتصار الثورة وقيمها؛ فإن ذلك لا يعني أن نعيش في الفرضيات الجزئية والتجريدية المتعالية بعيدًا عن الوعي الوجودي (الفلسفي) الكلي الذي يبدأ من استيعاب العوامل الجيوسياسية والتفاعلات المتنوعة وصراعات إرادات القوى؛ أي بوصف هذا الوعي وعيًا وجوديًا (فلسفيًا) يتأسس عبر ممارسة ثورية نظرية وعملية، تنطلق من المستوى الوقائعي الموجود والمركب والمعطى في ظل مآلات موضوعية حكمْنا بها.

إن العمل المحايث، انطلاقًا من  تجارب الواقع القائم، لا يعني أننا مقتنعون بكل ما فيه، ولا يعني أننا نبارك مآلات الثورة كما هي؛ إنما لقناعتنا الثورية (فلسفيًا) بأنّ أي تغيير أو تصحيح في مسار الثورة لا يكون بأخذ موقف استعلائي منفصل عن هذا الواقع، فمن حق أي شخص أنْ يرفض تأييد الفصائل المسلحة مثلًا، لكنْ عليه أنْ يقدم البديل العملاني الحقيقي لا التنظيري أو الفوقي المنفصل عن (فلسفة) الوجود في العالم، فالاعتراف بالأمر الواقع، بما في ذلك وجود الفصائل الإسلامية مثلًا بوصفها العنصر الأقوى الآن على الأرض، لا يتناقض مع فكرة العمل على بلوغ الأفضل وطنيًا، وهو الأمر الذي يحتاج نفسًا طويلًا، وفهمًا لجدلية الآني والكلي، ولآليات التكتيكي والاستراتيجي. لكن هذا الكلام إذا كان يعني في ما يعنيه أن الثورات تمر بمرحلة الهدم؛ فإنه لا ينفي حتمًا أن النقد الحاد والجذري ضروري في جميع مراحلها، وفي مرحلة ما بعد سكوت صوت المعارك بالتأكيد، على أنْ نعي دائمًا أن هناك فرقًا بين التنقيح والمراجعة والنقد البناء، وجلْد الذات وتسفيه العمل النظري والميداني والانتقاص من أصالة تجارب الشعوب وتعديم الأحلام الكبرى!!

وعلى هذا النحو، أقول: إن على من يمتلك حلولًا عملانية فاعلة، لا تنظيرية أو شعاراتية متعالية فليقدمها، وسأعمل بها أول الناس، وإلا فعليه الانخراط في العمل التغييري بروح صبورة طويلة النفس ورؤًى ثاقبة بعيدة المدى، وذلك انطلاقًا من ربط الوعي الوجودي (الفلسفي) بالواقع الموضوعي المعطى والمركب الذي أنتجته معطيات معقدة داخليًا وخارجيًا، فالتحولات الكبرى هي انفتاح فجوات صيروراتية متراكبة، وتحتاج تراكمية عملانية وصبرًا وصمودًا صلبًا ومريرًا بعيدًا عن بكائيات (الطوباوية أو الطهرانية) التي لا تقدم ولا تؤخر، بقدر ما تؤكد الانفصال عن المستوى الوقائعي، وفقدان الحس التاريخي، والعجز عن الانخراط في ديناميات الفعل النهضوي التنويري الأصيل لتخليق الدولة المؤسساتية الديمقراطية التعددية المنشودة، مهما طال زمن الكفاح.

ثالثًا: الثورة وإعلان ميلاد اللحظة الفلسفية العربية المعاصرة:

لطالما رددتُ عبر السنوات الماضية أن تفكيك التابوهات المختلفة، في حياتنا السورية والعربية، قد حظي بفرصة تاريخية استثنائية بعد قيام ثورات الربيع العربي التي فتحتْ أبواب الصراعات الفكرية والتنويرية على مصراعيها، ذلك أن هذه الثورات، وما نجم وسينجم عنها من تداعيات متوالية يحمل في أصله الصيروراتي انبساطًا طبيعيًا للأسئلة (الفلسفية) الكيانية الصغرى والكبرى عربيًا، إذ تبدو هذه الأسئلة ذات صلة تكوينية وعملانية متجذرة تلقائيًا في صلب حركية الأحداث نفسها، ليكون التشابك الدينامي شديد التماهي بين المآلات التحولية الهشة والقاسية للثورات في آنٍ معًا، وانطواء هذه المآلات نظريا ووقائعيًا على مخاضات (فلسفية) تفكيكية تأسيسية محورية في الوقت نفسه؛ بمعنى أن حركية الثورات نفسها هي حركية توليدية (فلسفية)، وهذه الحركية لا تخلو من مكر التاريخ وإيلامه الحاد من ناحية أولى، ومن تخليق طويل المدى للمستقبل العربي الحر الديمقراطي المأمول، ولا سيما أن التاريخ يعلمنا مدى ندرة تلك اللحظات التي يتحقق فيها تماهٍ أو على الأقل تنبسط فيها أنواعٌ من التشابكات بين الأحداث الوقائعية والحركيات الدلالية للعلامات (الفلسفية) جدليًا وفي الاتجاهيْن بآنٍ معًا!!

ولهذا أعتقد أنه لم يعدْ من الوقائعي الحديث عن نهوض لحظة سياسية عربية جديدة عبر هذا المخاض الثوري التاريخي الحاد جدًا، من دون (ميلاد تلقائي) لـ (فلسفة عربية جديدة) تؤسس لوعي وجودي أصيل يجب الوعي الزائف المتراكم، ويعيد العرب إلى حيوية الكينونة الحضارية البناءة في العالم المعاصر، ولذلك لا يبدو إعلان (ميلاد مثل هذه اللحظة الفلسفية) إعلانًا نظريًا بحتًا؛ بقدر ما هو إعلان تجذر (الفلسفة) في حركية ثورات الربيع العربي وتداعياتها نفسها؛ أي بوصف زمنها هو زمن إعلان ميلاد هذه (اللحظة الفلسفية) نفسه، بعيدًا عن التجريد القديم، وفتحًا لباب الأسئلة (الفلسفية) التغييرية انطلاقًا من تجارب الحرب والسياسة المريرة، ومرورًا  بإشكالات أسئلة الذات والهوية، وانتهاءً بالعلاقة مع الآخر وصراع إرادات القوى وكيفيات الوجود في العالم المعاصر.

رابعًا: اللحظة (الثورية/ الفلسفية) المعاصرة ونقد المنطق الثنائي الجوهراني عربيًا:

ما من شك أن الثقافة العربية ما تزال إلى حد بعيد حبيسة المنطق الثنائي الجوهراني بأصوله الميتافيزيقية، وكي لا يتشتت نصي هنا بتوسيع دائرة القراءة، سأكتفي بالانطلاق في تأصيل كيفيات انبساط هذا الوعي الثنائي منذ ما دعي (عصر النهضة العربية)، في نهايات القرن التاسع عشر، إذ تأسست فيه فكرتان سائدتان انطلقتا من جرحٍ نرجسي حضاري، يشبه الجرح النرجسي الحضاري الذي أصاب الغربيين بعد الحروب الصليبية، وبنيت على هاتين الفكرتين كوارث أيديولوجية ووجودية كبرى في القرن العشرين، وطفت الكثير من هذه الكوارث بقوة في ظل ثورات الربيع العربي، وهما:

1 – معظم التيارات الإسلامية ظنتْ أن نهضة العرب تكون في العودة إلى الأصول والتقليد والسلف الصالح، والقطيعة مع الفكر الغربي والعصري، مع الاكتفاء باستيراد منتجه العلمي، أو بتصنيعه بلبوس إسلامي عتيق، وبذلك انفصل هذا التيار عن الواقع العربي المعيش.

2 – معظم التيارات العلمانية ظنتْ أن النهضة العربية تتم باستيراد مطابق للحداثة الغربية فكرًا ومنتجًا علميًا، من دون تبييء الحداثة، وانفصلتْ هذه التيارات بدورها أيضًا عن الواقع العربي المعيش.

من الواضح أن ثورات الربيع العربي قد أعادت المواجهة المأزومة، بين هذه الثنائية (إسلامي/ علماني) إلى الواجهة، ويبدو أن الرابط المتأصل بين تلك الثورات و(الفلسفة)، أو بمعنىً أدق إن (اللحظة الثورية/الفلسفية) المولودة عربيًا تدفع تلقائيًا باتجاه تفكيك بنى الثنائية الجوهرانية الميتافيزيقية السابقة القائمة إما على تأثيم الآخر الغربي عند الإسلاميين، أو على تأثيم الذات الإسلامية (المتخلفة) عند العلمانيين.

إن هذه الثنائية الجوهرانية مسؤولة إلى حد ما -وبعمق- عن إخفاقات الفكر العربي في القرن العشرين، فالنهضة والتنوير والحداثة لا يمكنْ أن تتم إلا بهضم المنتج الفكري والعلمي المعاصر في العالم، والانطلاق من داخل البنية العربية/ الإسلامية في الوقت نفسه، للإجابة عن أسئلة المستوى الوجودي الوقائعي، ذلك أنه لا حداثة بلا فكر الغرب، ولا قطيعة مع التخلف يمكن أنْ تبنى إلا من داخل البنية العربية الإسلامية، عبر تفتيق إيجابيات هذه البنية، ونفي سلبياتها.

وفي الحالتيْن، إن أي انطلاق بحثًا عن النهضة عبر أيديولوجيا تفاصلية مع الواقع هو وهم ووبال خبرْناه في القرن العشرين، وجلب لنا آلاف الكوارث.

لقد وجهت (اللحظة الثورية/ الفلسفية) المولودة في خضم حركية الربيع العربي صفعة جذرية لمنظومة من الرؤى الأيديولوجية الثنائية عربيًا، وكشفتْ عن حجم الحاجة إلى إعادة وضع شروح مفهومية معرفيًا لكثير من المصطلحات التي تبدو بديهية، فمن منا يعتقد الآن أن ثنائية (اليمين/ اليسار) ما زالتْ صالحة في دلالاتها العائدة إلى القرن العشرين، ومن منا يستطيع أن يتنكر إلى ضرورة تخليق هوية عربية ثقافية محايثة على محورَين محلي عربي إسلامي وغربي عالمي كوني.

من السذاجات المعرفية للفكر الجوهراني (الثنائي) العربي الإخفاق المقصود أو غير المقصود عند معظم التيارات الإيديولوجية السائدة في وعي مسألة بديهية، تتعلق بفكرة أنه ليس كل مسلم إسلامي بالمعنى السياسي، وأن اعتبار الإسلام الثقافي أحد مصادر هويتنا العربية الحضارية لا يعني فرض الشريعة على من لا يريدها في إطار تخليق عقد وطني جامع، وهو الأمر الذي يتطلب فعلًا تنويريًا مزدوجًا، يخص الأول فتْح باب الاجتهاد الإسلامي وإعادة فهم الإسلام (جدليًا لا جوهرانيًا) بين الروحي الثابت والزمني المتحول، وبما لا يستبعد حتى التيار الإسلامي المضطر بحكم (اللحظة الثورية/ الفلسفية) الراهنة إلى ممارسة مراجعة عصرية أصيلة لا صورية تكتيكية لخطابه ومشروعاته السياسية وصلتها بالعلمنة، وبموازاة ذلك لا بدّ من فتح باب تصالح العلمانية العربية مع أحد أهم مكونات هويتها الثقافية المتمثلة بالإسلام، شاءت ذلك أم أبت.

لا أظن أن الحركية الدورية (الفلسفية/ التأويلية) للعلامات والمعاني والدلالات الثقافية العربية، بصلتها الاختلافية مع تغيرات العصر والمستويات الوقائعية، عاجزة -في حال وجود فكر ومفكرين خلاقين- عن إيجاد حل مبدع لتعيين دينامي لمساحات الائتلاف والاختلاف بين الديني والدنيوي، وفتْح الإسلام على روحه العصرية الموجودة بالقوة، وربما هذا الطموح الثوري الكبير ما زال يحتاج إلى مزيدٍ من المخاضات (الفلسفية) والصراعات الداخلية والخارجية والتحولات التاريخية التي افتتحها عصر الربيع العربي، والتي تؤكد نهاية عصور الإقصاء لأي طرفٍ كان.

الإسلام أحد مكونات ثقافة المسيحي مثلًا في العالم العربي من زاوية معينة، وثقافة الأقليات هي إحدى تنويعات الثقافة الإسلامية التي تبطنها بقوة من زاوية ثانية، وحتى الملحد العربي لا يستطيع الخلاص من كونه منتميًا، في جانبٍ من وعيه الوجودي الثقافي، إلى فضاء حضاري إسلامي زادت المؤثرات في تكوينه أم نقصتْ، وفي الوقت نفسه لا يستطيع الفرد العربي أو المسلم المعادي للعروبة (وطبعًا أنا أفرق هنا بين العروبة والإسلام، ولا أطابق بين المفهوميْن أبدًا؛ إنما أعتبر أن العلاقة بينهما جدلية بين الاتصال والانفصال، وهو أمرٌ يحتاج بطبيعة الحالٍ إلى بحثٍ مستقل) الخلاص من كونه منتميًا بالمعنى الثقافي إلى فضاء ثقافي عربي، زادت المؤثرات في تكوينه أم نقصتْ، فالمسألة معقدة ومتراكبة وتبدأ بالأنتربولوجي، وتمتد عميقًا في اللغوي، ليتفكك وفق الفهم (الفلسفي الاختلافي الجديد) الموقف أو الوعي الثنائي الجوهراني الحدي المسبق.

قد يختار الإنسان العربي (المسلم أو المسيحي) القطيعة أو النفور أو معاداة الثقافة العربية أو المخزون الإسلامي، وربما يقرر أن يكون بوذيًا، أو أن يتبنى الثقافة الفرنسية أو الفلسفة الألمانية أو اللغة اليابانية مثلًا، أو أنْ يكون انطوائيًا في قطره العربي الخاص، وهذه مسألة حرية فردية، وطريقة حياة، وآليات وجود متحركة ومتحولة بتحول الهوية وانفتاحها على الوجود والعالم بطبيعة الحال، وهي مسألة حق فردي طبيعي تكفله الحرية بالتأكيد، لكن على مستوى التحليل الثقافي؛ يبقى هذا الشخص في مستوى منه عربيًا من ناحية (حتى لو كان ينتمي بالولادة إلى إثنية أخرى مسْلمة)، ومسلمًا من ناحية ثانية (حتى لو كنت عربيًا مسيحيًا أو يهوديًا بالولادة)، سواء ازدادت العناصر المكونة أم نقصتْ؛ وسواء طفتْ على السطح أم التبستْ وغارتْ عميقًا، ذلك أن تفكيك الهوية ثقافيًا يؤكد تراكبها وتعدديتها أكثر مما يؤكد انصياعها للانفعالية والرغبوية العدائية المراهقة والطافية على السطح عند كثير من الأفراد أو حتى الجماعات، وبالطبع لا يمكن نكران احتواء الهوية العربية، بوصفها وعاء واسعًا، على عناصر تكوينية من الإثنيات والأديان الأخرى التي تخلخل مركزيتها من الداخل وتخضها وتفتحها على حيوية الحركية الدائمة والتحول الفعال الجليل، لكنْ لأسباب تاريخية حضارية ديموغرافية (لا عرقية طبعًا)، وربما حان الوقت لنقول أيضًا: لأسباب (فلسفية) تتعلق بعدم ذعر الهوية العربية من الامحاء، مهما كان حجم الاختلاف والتحول والتباعد والتفتيت والنخر المركزي الداخلي لمطابقاتها، تبقى الهوية العربية حتى الآن (وهذا ليس تحت باب الحتمية التاريخية أو الشوفينية أبدًا؛ ذلك أن كل هوية تبقى ما بقيت الحياة تحت اختبار الاستمرار أو الاضمحلال) الأقدر على تقديم الصيغة الثقافية المتنوعة لا الأحادية؛ أي من دون محو الاختلاف والخصوصيات الأخرى بطبيعة الحال، وهنا من المفيد التذكير مثلًا بأنّ تيارًا عريضًا في لبنان قال باللبننة، طوال قرنين من الزمان، لكن اللبنانيين عجزوا عن تقديم ثقافة لبنانية لها هويتها المغايرة في مختلف مجالات الإبداع خارج وعاء الهوية الثقافية العربية.

خامسًا: تنقيح الهوية الثقافية العربية في ضوء ميلاد اللحظة (الثورية/ الفلسفية) المعاصرة:

إن ميلاد (اللحظة الفلسفية العربية) في خضم الربيع العربي، والبعد النظري والعملاني لهذه اللحظة في تفكيك مركزية الثنائيات الجوهرانية العربية ومجاوزتها، يقودني إلى القول إنني لست من دعاة القومية العربية بشكلها الأيديولوجي المعروف، ولا يمكن -بحكم التجربة الفردية والجمعية العربية في العقود الأخيرة، وبحكم الجيل والمرحلة الوقائعية التي أنتمي إليها- أن أكون مع فكرة الوحدة العربية العاطفية الاندماجية كما كانت تطرح برومنسية منذ نهايات القرن التاسع عشر، ونشوء حركات القوميين العرب، وصولًا إلى ولادة البعث العربي والناصرية وما تفرع عنهما من أحزاب وتيارات، وتجارب مريرة مخفقة على تنوعها، ولا سيما بعد التلاقح الفكري والسياسي لدى بعض المفكرين والتيارات الحزبية والذي حدث بين الماركسية في تجسيدها الاشتراكي اليساري والعروبة في طرحها الإيديولوجي القومي.

ولهذا؛ إن إيماني بالهوية المتراكبة والاختلافية وغير القابلة للاختزال الجوهراني الأحادي في عصر العولمة والرقميات وتوحش الإمبريالية (النيو ليبرالية)، يعزز ثقتي بالهوية العربية الثقافية، لا بوصفها هوية حديثة (مخترعة) كما يعتقد كثيرون خطأ، بل بوصفها هوية تاريخية تراكمية قابلة للانفتاح على الواقع والعصر والمستقبل، لأنها بحكم حيويتها غير معطاة مسبقًا على نحوٍ نهائي، وغير تمركزية، ولأنها أيضًا قابلة، بفعل دينامياتها (الثقافية/ الفلسفية)، في اعتقادي على الحركة وإعادة التكون والتشكل والإبداع وبسط التعددية والكونية والاختلاف، وعدم الشعور بالقلق من الذوبان أو الامحاء كما ذكرْت من قبل.

إنني على العكس من الفكر التشاؤمي والانهزامي الذي ساد بعد الربيع العربي والقائل بتفكك العروبة واضمحلالها أو موتها، بفعل انحلال ما دعي بالدول الوطنية وظهور صراع الهويات الموروثة والضيقة إثنيًا وطائفيًا، وتمظهر كل ذلك في حروب ودمار وفائض خراب غير مسبوق تاريخيًا، أجد -وعبر طريق (فلسفية) تفكيكية معاكسة للطرح التقليدي- أن جميع الأسئلة المطروحة الآن بإلحاح، وجميع الجدليات الثقافية والفكرية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا تثبت انحلال العروبة وزوالها كما يدعي البعض؛ إنما يثْبت التشتت القائم والتمزق والتشظي مشروعيتها وانبساط أساليب وجودها في الضروري والممكن في آنٍ معًا، وبما يعلي من شأن الاحتمالي ودلالاته، ويعيد تعريف مفهوم الحتمي، بعيدًا عن وهم المطابقة الأصلية، وباتجاه المستقبل المفتوح.. فعروبتي التي أؤمن بها ينبغي أنْ تتوالد عبر تفاعل المخزون الثقافي/ المعرفي، بإيجابياته وسلبياته، مع المستوى الوقائعي، وهو ما يحدث الآن بعنفٍ غير مسبوق من جانبٍ أول، ولمدًى طويل جدًا تاريخيًا من جانبٍ ثانٍ.

إن من بديهيات (اللحظة الفلسفية العربية الراهنة) في عمقها (الثوري) المجاوز لمنطق الثنائيات الجوهرانية ألّا تُقدم فكرة العروبة بعد الآن بوصفها نقيضًا للدول القطرية، فأنا أستطيع أنْ أكون سوريّا وعربيًا في الوقت نفسه مثلًا، ولست مطالبًا بالاختيار بين هوية سورية وهوية عروبية، فلا تناقض عضويًا أو وجوديًا بين المصطلحين ومحمولاتهما الدلالية، لمن يريد تخليق مجتمعات حيوية، لا افتعال مشكلات وهمية زائفة ومعطلة للتقدم.

أيضًا: أنْ أقول أنا عربي لا يعني أنني أنفي هوية الكردي أو التركماني أو الشركسي أو الآشوري أو الأرمني، فهذا الربط الديماغوجي يمثل قمة الجهل والتجهيل والاختزال المعرفي والمصادرة التاريخية والفكرية، فنحن نستطيع أن ننتمي إلى هوية تحتفي بأبعاد تفاعلية خارج سذاجة الفكر الثنائي الجوهراني الحدي، ولا وجود أصلًا لهوية أحادية، إنما الهوية تراكبية تعددية متحركة كما أوضحْت من قبل، وهذه الروح تلتقي مع تعددية الهوية الثقافية والحضارية العربية بوصفها كانت عبر آلاف السنين هوية حركية تفاعلية قابلة للتجدد ومفتوحة وغير معطاة نهائيًا أو مغلقة في أصلٍ متعالٍ جوهراني.

لعل أي وضعٍ لهوية في مواجهة تناحرية مع هوية ثانية ليس إلا تأخرًا عن المسار التاريخي الذي افتتحَته (اللحظة الثورية/ الفلسفية) للربيع العربي، والتي تدفع باتجاه إعادة بناء الرابطة العربية انطلاقًا من العمق الثقافي، وما القول إن الانتماء إلى هوية عربية يتضاد مع فكرة الانتماء إلى الهوية الإنسانية الكونية أو مع فكرة (اللا انتماء) التي قد يختارها إنسان عربي ما، ما هو إلا إعادة إنتاج للفهم التقابلي الثنائي الميتافيزيقي (إما/ أو)، وهو الفكر الجوهراني الذي كان وبالًا، ليس على العرب وحدهم؛ إنما على البشرية برمتها.

إن تعليق الفهم القومي الكلاسيكي للهوية العربية القائل بالوحدة التلقائية المتماسكة لا ينفي انفتاح مآلات التاريخ على جميع الاحتمالات، لكن الانطلاق من معطيات المستوى الوقائعي للربيع العربي في سنواته التي مرتْ يؤكد إلى جانب تشابه مشكلات العرب ووحدة مأزقهم التاريخي المرتبط بضرورة امتلاك القرار السياسي السيادي وتحقيق التنمية وبناء دول ديمقراطية تعددية حرة، يؤكد أيضًا الحاجة إلى رؤية مختلفة ومبتكرة للهوية العربية في ضوء ميلاد وعي وجودي (فلسفي) جديد، لا يقول بهوية قومية أو دينية متعالية ومغلقة وذات (أصل) منجز ونهائي؛ إنما ينظر إلى الهوية العربية المعاصرة بوصفها امتدادًا لهوية حركية ثقافية مركبة ومتراكبة وشديدة التعقيد بما هي قائمة على التعددية والاختلاف والتفتيت الدينامي التلقائي لوحداتها التطابقية المركزية التي تتوهم الاستقرار والتعالي الأصلي، وهو الأمر الذي لطالما كان يحدث بلا هوادة، منذ فجر التاريخ العربي (ومنذ ما قبل الإسلام والمسيحية) بفعل حركيته الحضارية المتسارعة من جانبٍ أول، وبفعل التفاعل والانفتاح الحضاري الطبيعي الغني على الآخر المختلف من جانبٍ ثانٍ.